كيف يعرف جسمك موضع أطرافك من دون أن تنظر إليها؟ كيف يستشعر الجسم متى تحتاج إلى الذهاب لقضاء الحاجة أو ما إذا كانت اللمسة التي استقبلتها مريحةً أو مؤلمة؟

تعتمد هذه القدرات جميعها على آلية لاستشعار اللمس أو الضغط، في بداية شهر أكتوبر، حصد آردِم باتابوتيان -من معهد سكريبس للأبحاث في لاهويا بولاية كاليفورنيا- جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لإسهامه في اكتشاف تلك الآليات، التي ترصد هذه المدخلات الحسية وتحولها إلى نبضات عصبية يمكن للدماغ إدراكها، تقاسَم باتابوتيان الجائزة مع ديفيد جوليوس من جامعة كاليفورنيا في مدينة سان فرانسيسكو، الذي كشف عمله البحثي عن الكيفية التي نستشعر بها الحرارة والألم.

تعرَّف باتابوتيان وزملاؤه على قنوات أيونية حساسة للضغط تُعرف باسم Piezo1 وPiezo2، وهي جزيئات بروتينية متخصصة مدمجة في أغشية بعض الخلايا وتعمل على تمكين تلك الخلايا من نقل الإشارات استجابةً للمس أو الضغط، في سبيل العثور على تلك القنوات بشكل منهجي، قام الباحثون بتعطيل جينات مفردة في الخلايا الحساسة للضغط، إلى أن وجدوا جينات تُصدر تعليمات إلى الخلايا بإنشاء تلك القنوات الأيونية، مما يؤدي إلى إيقاف قدرة الخلايا على الاستجابة للمس، ثم أدخلوا تلك الجينات في خلايا لم تكن حساسةً للمس، وأثبتوا أن تلك الخلايا اكتسبت هذه الحساسية.

لهذه الآلية أهمية بالغة في كل شيء في الجسم، بدءًا من معرفة موضع الأطراف -وهي حاسة تُسمَّى حاسة إدراك الحركة- إلى رصد امتلاء المثانة وكمية الهواء في الرئتين، من ثمَّ فإن فهمنا لهذه الآلية يُعد بمنزلة إنجاز كبير في مجال العلوم الأساسية، ومن الممكن أن يؤدي يومًا ما إلى التوصُّل إلى علاجات للاضطرابات المتعلقة باستشعار اللمس أو الإحساس بالأعضاء الداخلية.

وقد أجرت دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American حوارًا مع باتابوتيان حول كيفية علمه بالحصول على جائزة نوبل، ولماذا ظلت حاسة اللمس لغزًا غامضًا لفترة طويلة، وكذلك الأسباب التي تجعل هذه الاكتشافات بالغة الأهمية بالنسبة لعلم وظائف الأعضاء.

[فيما يلي نسخة منقحة من نص المقابلة.]

كيف علمت أنك قد حصلت على جائزة نوبل؟

كان هاتفي مضبوطًا على وضع "عدم الإزعاج"، لذلك يمكنك أن تقول إنني لم أكن لأتلقى الخبر بنفسي، يبلغ أبي من العمر 94 عامًا، وهو يعيش مع أمي في لوس أنجلوس، ولديهما هاتف أرضي، أبي هو الذي استقبل المكالمة، واستطاع لاحقًا الوصول إليَّ وإبلاغي بالخبر، تلقيتُ الخبر من والدي، وكانت في الواقع لحظةً مميزةً بحق، لم يخبروه صراحة، لكنه قال لي: "أعتقد أنك قد حصلت عليها"، فقد خمن ذلك فقط لأنهم اتصلوا به، كانت لحظةً رائعة، حتى لو خطرت ببالك احتمالية حصولك على هذه الجائزة، يظل سماعك لتلك الكلمات بمنزلة مفاجأة بالغة، والأكثر إثارةً من ذلك أن المكالمة أتت في الثانية صباحًا، لذا يساورك شعور بالقلق من ألا يبدو حديثك مترابطًا على الإطلاق.

في الحقيقة كان يومًا عصيبًا، لكنني كنت مستمتعًا بكل لحظة فيه، لم يكن الأمر يخصني أنا وحدي فحسب، بل يخص العاملين في مختبري أيضًا، والمعهد الذي أعمل به، وكل مَن يعمل في مجال دراسة اللمس، الجميع سعداء بالجائزة.

لماذا يعتبر الإحساس بالحرارة واللمس من الأمور المهمة للغاية؟

أود دائمًا تأكيد أنني وزملائي نُجري دراساتنا وأبحاثنا لاهتمامنا بالعلوم الأساسية، أعتقد أنه من الأمور المثيرة للدهشة أننا عندما بدأنا هذا البحث لم يكن باستطاعتنا التوصل إلى فهم واحدة من حواسنا الخمس الرئيسة، وهي حاسة اللمس، إنها حاسة شديدة التفرد؛ فكل الحواس الأخرى -سواء كنت تتحدث عن حاسة الشم أو حاسة التذوق، اللتين تعتمدان على المواد الكيميائية، أو عن الهرمونات التي يفرزها جسمك، مثل الأنسولين– هي في الأصل استشعارٌ كيميائي، لذلك فها نحن أمام ظاهرة مختلفة تمامًا، ظاهرة تعتمد على استشعار مؤثرات جسدية مثل الضغط.

لكنني أرى أيضًا أن حاسة إدراك الحركة من الأمور المدهشة، وأقصد بها استشعارك لموضع أطرافك نسبةً إلى باقي الجسم، في اعتقادي أن هذه ربما تُعد الحاسة الأكثر أهميةً لدينا، أستطيع القول إن غالبية الناس ربما لم يسمعوا بهذه الحاسة مطلقًا أو لم يفكروا فيها، إن خلاياك العصبية الحسية تحفز جميع العضلات في جسدك، ومن خلال مدى شد عضلاتك وتمدُّدها، تتكون لديك صورة بصرية واضحة لموضع أطرافك دون أن تنظر إليها، هكذا يمكنني أن أغمض عينيّ وألمس أنفي، وهذه هي حاسة إدراك الحركة، أعتقد نوعًا ما أن الناس لا يدركون أهمية ذلك لأنهم لا يمكنهم أبدًا إيقاف عمل تلك الحاسة، الأمر مختلفٌ عن الإبصار، إذ يمكنك أن تغمض عينيك وتقول: "هذا ما كان سيبدو عليه العالم لو لم أكن أتمتع بالنظر".

لعل القول بأن عمليات استشعار الحرارة واللمس والألم مرتبطٌ بعضها ببعض وأنها تحدث بالآلية العصبية نفسها يمثل حجةً مقنعةً للغاية للاهتمام بدراسة هذه المسألة.

هل يمكنك أن تقدم لنا لمحةً عامةً عن البحث الذي أسهمَ في حصولك على الجائزة؟

كانت الفكرة بسيطةً للغاية، كنا نعلم أنه لكي تبدأ حاسة اللمس في العمل، هناك قنوات أيونية تُنشَّط بالضغط وتقوم بشيء بسيط للغاية: إما أن تكون مغلقةً أو مفتوحة، عندما تُفتَح، تسمح بدخول الأيونات (التي من بينها، على سبيل المثال، الصوديوم)، هذه اللغة تفهمها الخلايا العصبية لأن تدفق أيونات الصوديوم يزيل استقطاب الخلية العصبية ويطلق إشارةً تُسمَّى جهد الفاعلية، ومن ثم يمكن لتلك الخلية التحدث إلى الخلية العصبية التالية، لكن هوية مستشعرات الضغط (أو المُستقبِلات) تلك لم تكن معروفة، ظلت تلك المسألة محور اهتمامي على مدى السنوات العشر الماضية، عندما عثرنا لأول مرة على مُستقبِلات Piezo في عام 2010، كان ذلك لأننا تبنينا نهجًا اختزاليًّا للغاية، قلنا لأنفسنا: "نحن نعلم بوجود مستشعرات الضغط تلك في أجسامنا، لكننا لا نعرف ما هي، إن أسهل طريقة للعثور على تلك المستشعرات هي أن نعثر على خط خلوي يستجيب للضغط، والخط الخلوي هو عبارة عن خلية تنمو في مُستنبَت".

لاحقًا عثر برتراند كوست -الذي كان في ذلك الوقت من باحثي ما بعد الدكتوراة الذين أُشرف عليهم- على خط خلوي يستجيب للضغط بهذه الطريقة، أعد كوست قائمةً بالجينات المرشحة، وقام بتعطيل عملها واحدةً تلو الأخرى، في محاولة لمعرفة ما إذا كانت تلك الاستجابة لاستشعار الضغط لا تزال موجودة، كانت العملية شاقةً للغاية؛ إذ استغرق اختبار كل جين مرشح حوالي ثلاثة أيام، لذلك استغرق الأمر عامًا كاملًا من البيانات السلبية، ثم، أخيرًا، عندما وصل إلى الجين المرشح رقم 73، وجد أنه عند حذف ذلك الجين أو تعطيله، اختفت تلك الاستجابة للضغط، وهكذا عرفنا أن بين أيدينا شيئًا مثيرًا للاهتمام.

ماذا فعلت بعد ذلك لإثبات أن تلك الجينات كانت ضروريةً بالفعل لاستشعار الضغط؟

تمثلت التجربة الكبرى حينها في أن نأخذ تلك الجينات ونصنع بروتينًا كامل الطول ثم نضعه في خلية غير حساسة ميكانيكيًّا (أي غير حساسة لعملية اللمس)، وكانت كل خلية نضع فيها ذلك البروتين تصبح حساسةً ميكانيكيًّا، وكان ذلك كافيًا، قدمت لنا التجربتان معًا حجةً مقنعةً جدًّا بأن ذلك الجين كان هو المستشعر.

هل يمكن أن تذكر لنا بعض التطبيقات العملية لهذا العمل البحثي؟

في غضون بضع سنوات، أثبتنا أن هذه القنوات الأيونية هي المستشعرات الرئيسة للإحساس باللمس، ولحاسة إدراك الحركة، ولنوع معين من الإحساس بالألم يكون شائعًا في حالات الألم المزمن، لقد أثبتنا أيضًا أنها تؤدي دورًا كبيرًا في الحس الداخلي، وهو استشعار الأعضاء الداخلية، لنأخذ على سبيل المثال مسألة امتلاء المثانة، في كل مرة تشعر بأنك تريد قضاء حاجتك، يكون ذلك بمنزلة إحساس ميكانيكي؛ إذ تتمدد المثانة، وتخبرك متى يتعين عليك ذلك، يبدو أن هذا الأمر يعتمد على Piezo2، كذلك في كل مرة تتنفس، تراقب قنوات Piezo مدى انتفاخ رئتيك، والقائمة تطول وتطول، لقد أوضحنا أيضًا أن هذه القنوات الأيونية تستشعر ضغط الدم في الأوعية الدموية وتُعد جزءًا من حلقة التغذية الراجعة التي تحافظ على ضغط الدم ثابتًا.

نتعاون أيضًا مع ألكسندر تشيسلر وزملائه في معاهد الصحة الوطنية، حيث تتاح لهم إمكانية الوصول إلى أفراد خاضعين للدراسة ممن يفتقرون إلى قناة Piezo2، يكون النمط الظاهري الرئيس لدى هؤلاء الأشخاص افتقارهم إلى تناسق الحركة؛ فهم لا يتعلمون المشي حتى يبلغوا سن الخامسة أو ما بعد ذلك، وحتى عندما يصلون إلى ذلك السن، يكونون بحاجة إلى المساعدة في المشي، وسرعان ما أدرك تشيسلر وأعضاء فريقه -عند إجراء الاختبارات- أن هؤلاء الأفراد لا يستطيعون تمييز اللمس، وأن حاسة إدراك الحركة لديهم لا تعمل على الإطلاق، كذلك يعاني هؤلاء الأشخاص من النوع نفسه من العجز الذي يعاني منه الأشخاص المصابون ببعض أشكال الألم الخيفي (allodynia)، وهي حالة يصبح فيها مجرد لمس الجسم مؤلمًا (على سبيل المثال، إذا أُصبت بحروق الشمس، فإن مجرد ارتداء قميصك أو لمس كتفك سيؤلمك)، يعاني الأشخاص المصابون بألم الاعتلال العصبي من هذه الظاهرة بشكل مزمن، ولا توجد أدوية جيدة لعلاج هذه الحالة، لقد أجرينا بعض الاختبارات لإثبات أن تلك الحالات تعتمد على قناة Piezo2، لهذا السبب نعتقد أن تلك القناة ربما تصبح في المستقبل مستهدفًا دوائيًّا مثيرًا للاهتمام.

لا أنكر أن هناك تحديات؛ فليس من السهل استهداف تلك الجزيئات، لكن الأهم من ذلك أن تعطيل قناة Piezo2 في جميع أنحاء جسمك بتناول قرص دواء عن طريق الفم لن يكون فكرةً جيدة، سيؤدي ذلك إلى تعطيل حاسة اللمس وحاسة إدراك الحركة لديك، وأشياء أخرى كثيرة، لذا فإن أي تعديل نُجريه على هذه القنوات لا بد أن يتم بشكل موضعي، أي ربما مثلًا داخل المثانة فقط، أو إذا كنت تعاني من آلام عصبية شديدة للغاية في مرفق الكوع أو في أي جزء آخر من الجسم، يمكنني أن أرجح استخدامك لدواء موضعي، لسنا قريبين من ذلك الأمر حتى الآن، ولكنه قد يكون مفيدًا حينها.

نشأتَ في لبنان في أثناء فترات الحرب والعنف.. فكيف أثر ذلك على حياتك وعلى مسيرتك المهنية؟

أنتمي إلى أصول أرمينية، وقد نشأت في لبنان، وهربت إلى الولايات المتحدة عندما كان عمري 18 عامًا، أعتقد أنه كان لتلك الخطوة تأثيرٌ كبيرٌ عليّ، كما تعلمين، نشأت في بلد مزقته الحروب، ولم يكن باستطاعتي حتى أن أتخيل أن تكون لي حياةٌ مهنية في مجال العلوم، كان المجيء إلى الولايات المتحدة بمنزلة مفاجأة كبيرة لي، ولكن في الوقت ذاته، أعتقد أنني كنت أميل دائمًا إلى إدراك نعمة الحصول على الأشياء البسيطة بسبب الأوضاع الصعبة التي عشتها في طفولتي، إلى جانب كل الأشياء التي مررت بها، أعتقد أن ذلك ساعدني في تقدير قيمة ما وصلت إليه، وإدراك إلى أي مدى كنت محظوظًا بالتعليم الذي حصلت عليه في هذه البلاد، وأن تمول الحكومة بحوث العلوم الأساسية، الذي هو في اعتقادي أمر بدهي لا يحتاج إلى تفكير، فهذه الاكتشافات ليست عظيمةً فحسب، بل إن التطبيقات العملية كلها أساسها هو الاكتشافات النابعة عن بحوث العلوم الأساسية، وأعتقد أيضًا أن الولايات المتحدة لا تزال من أفضل الأماكن في العالم التي تشجع على ذلك.