في منتصف التسعينيات، استخدم عضو الكشافة ديفيد هان أدواتٍ منزلية ومعرفته العلمية، للشروع في بناء مفاعلٍ نووي في الباحة الخلفية لمنزله. أوقفته الشرطة ووكالة حماية البيئة قبل أن يتمكَّن من إنهاء مشروعه. لكن في الوقت الحالي، بعد مرور عشرين عامًا، أصبحت المشروعات مثل مشروع هان أكثر قابليةً للتنفيذ؛ بسبب الثورات في مجالي الصناعة والحوسبة، فلو كانت لدى هان حينها إمكانية استخدام طابعةٍ ثلاثية الأبعاد على سبيل المثال، لكان قد انتهى من إنشاء مفاعله قبل تدخل السلطات. وبسبب تلك التقنيات الحديثة أيضًا، لم يعد الأمر يتطلب من أي شخصٍ ذكاءً كبيرًا مثل ذكاء هان ليُصنِّع بنفسه بعض أنواع الأسلحة على الأقل. فباستخدام الماكينة المناسبة والتصميمات الصحيحة، يمكن لأي شخصٍ أن يصنع مسدسًا في غرفة معيشته. والأسلحة النارية هى مجرد بداية. فالباحثون يخشون أنَّ الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد ربما يمكنهما يومًا ما تصنيع أسلحة دمار شامل وفق الحاجة.  

دَقَّ ناقوس الخطر بشأن تلك المسألة تقريرٌ صدر يوم الثلاثاء 10 سبتمبر 2019، نشرته مجموعةٌ بحثية ينتمي أعضاؤها إلى مؤسساتٍ عديدة، ويقودها معهد ميدلبري للدراسات الدولية في مدينة مونتيري الأمريكية. فيقول روبرت شاو، أحد مؤلفي التقرير ومدير برنامج المعهد لمراقبة الصادرات ومنع انتشار الأسلحة: "تلك هي المشكلة المعقدة التي يعرفها الجميع"، مضيفًا أنَّ انتشار الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب التطورات في الذكاء الاصطناعي، قد يُسهل على الدول أو الأفراد بناء الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية سرًّا.

عندما يفكر أغلبنا في الطباعة ثلاثية الأبعاد، والتي تُعرف أيضًا باسم «التصنيع بالإضافة»، نتخيل أجهزةً تنفث طبقاتٍ من البلاستيك لإنشاء نماذج للهواة. لكنَّ التطبيقات الممكنة لهذه التقنية تتجاوز ذلك بكثير. إذ زعم بعض الباحثين أنَّ إمكانية طباعة أي شيءٍ يُمكن تصوره تقريبًا ستؤدي إلى ثورةٍ صناعية جديدة.

والطابعات الكبيرة ثلاثية الأبعاد المُصممة للاستخدامات الصناعية تُطور حاليًّا بالفعل تكنولوجيا أسلحةٍ شديدة الخطورة. فعلى سبيل المثال، تستخدم الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي (NNSA) هذه الماكينات لتصنيع نماذج اختبارية من الأسلحة النووية. وقالت الإدارة في تدوينةٍ نشرتها عام 2016: "بينما تستخدم الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي الطباعة ثلاثية الأبعاد للحفاظ على مخزون البلاد من الأسلحة النووية، فإنَّ مختبراتها أيضًا تعمل على تطوير العلم الأوسع للمجال". وفي الوقت ذاته فإنَّ شركة «رايثيون» Raytheon المتعهدة في مجال الدفاع لديها طابعة ثلاثية الأبعاد، بإمكانها تصنيع 80% من صاروخ، ويستخدم مختبر لوس ألاموس الوطني هذه الماكينات لإنتاج مواد شديدة الانفجار.

وبينما لا يمكن حتى لماكيناتٍ متقدمة مثل هذه أن تطبع مكونات سلاح من دون تصميماتٍ يضعها الخبراء، فهناك مخاوف من أنَّ الذكاء الاصطناعي قد يُمكِّن مَن لا يمتلكون الخبرة من وضع التصميمات اللازمة، بفضل تقنيةٍ تُعرف باسم «التصميم التوليدي». من خلال تلك العملية، يمكن للمستخدم أن يطرح على الحاسوب مشكلةً تصميمية، ويحدد متطلبات التصميم النهائي. وعليه يقترح الذكاء الاصطناعي عددًا من الحلول الممكنة، لينقح البشر تلك النتائج. فعلى سبيل المثال، عندما رغبت شركة «جنرال موتورز» General Motors في الاستبدال بدعامة حزام الأمان الثقيلة ذات المكونات الثمانية وإحلال نسخةٍ أخف تتضمن قطعًا أقل مكانها، أدخل المهندسون هذه المعايير في خوارزمية تصميم توليدي، وطبعوا التصميم الناتج بالطباعة ثلاثية الأبعاد كقطعةٍ مصمتة. واستخدمت ناسا مؤخرًا هذه التقنية لتصنيع نموذج أولي لمركبة هبوط من أجل استخدامها في البعثات الفضائية.

ويقول فيرينس دالنوكي فيريس، عالِم الفيزياء في معهد ميدلبري، والذي شارك في تأليف التقرير: "ربما تُنتزع من أيدي البشر تلك المهارات التي كانت عادةً تشكل عائقًا أمام تطوير معدات تخصيب الأسلحة النووية. وهذا على الأرجح أمرٌ خطير".

ووفقًا لمؤلفي التقرير، فإنَّ الجمع بين تقنية التصنيع بالإضافة وتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ثلاثة مخاطر رئيسية. الأول هو أن تلجأ دولةٌ لديها برنامج أسلحة نووية في الوقت الحالي -مثل كوريا الشمالية- إلى تحسين إنتاجها بطباعة أجزاء الصواريخ أو مكونات أنظمة الدفع. ويقول شاو عن ذلك إنَّ استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن "يُحسِّن إمكانياتها، أو يُسرِّعها، أو يعزِّز إمكانياتها الإنتاجية، على نحوٍ يمكِّنها من إنتاج صواريخ أكثر بمعدلاتٍ أسرع، أو على الأقل تصنيع نماذج أولية للصواريخ بشكلٍ أسرع".

أما الخطر المحتمل الثاني فهو أنَّ الطابعات ثلاثية الأبعاد يمكن أن تساعد في إنشاء برنامج أسلحة عن طريق إنتاج البنية التحتية اللازمة، دون تنبيه هيئات المراقبة الدولية. فالمراقبون يمكن لهم في الوقت الحالي مراقبة سلاسل التوريد العالمية، لرصد أي علاماتٍ قد تدل على أنَّ طرفًا ما يبني مصنعًا يهدف إلى إنتاج أسلحة دمار شامل، وهذا هو أحد أسباب خضوع عمليات استيراد وتصدير موادَّ بعينها لتنظيمٍ وتدقيقٍ شديدين، مثل أسمدة الأمونيا (التي تُعد مكوِّنًا أساسيًّا في القنابل المصنوعة بالمنزل). لكنَّ الطباعة ثلاثية الأبعاد، المستخدمة في أغراض الصناعة، يمكن لها أن تتجاوز بعض الأطر الموضوعة للحد من إنتاج الأسلحة وانتشارها في العالم حاليًّا. فعلى سبيل المثال، إذا أرادت دولةٌ ما اليوم أن تُصنِّع مادةً كيميائية خطيرة مثل غاز السارين، فهي تحتاج إلى أن تمر عبر القنوات المعروفة لشراء نوعٍ معين من الأنابيب المعدنية غير القابلة للتآكل. لكن قريبًا قد تستطيع تلك الدول طباعة احتياجاتها بدلًا من ذلك.

أما الخطر الثالث فيتمثل في ما يُعرف باسم نظرية «البجعة السوداء»، والتي تعني ظهور تهديدٍ لم يكن متوقعًا. ويقول شاو عن ذلك: "ندرك احتمالية أن يظهر شيءٌ جديد تمامًا، شيءٌ لم يفكر فيه أحد هنا فعليًّا، ولديه إمكانيات أسلحة الدمار الشامل".

لكنَّ البعض ليسوا مقتنعين بأنَّ الطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنية التصميم التوليدي سيزيدان من احتمالات نهاية العالم. إذ يقول مارتن فايفر، المرشح لنيل درجة الدكتوراة من جامعة نيو مكسيكو، والخبير في أنثروبولوجيا الحرب النووية: "بالنسبة للجهات الفاعلة من الدول، يمكن أن تكون الطباعة ثلاثية الأبعاد مفيدةً... لكن لا أرى أنَّ التصنيع بالإضافة يمكن أن يحل الكثير من المشكلات بطريقةٍ سحرية". وأضاف أنَّه بالنسبة للجهات الفاعلة من غير الدول "قد يمكِّنك التصنيع بالإضافة من إنتاج بعض الأشياء مع ترك أثرٍ بسيط يصعب اقتفاؤه، لكن لا يمكنك استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج قلبٍ من البلوتونيوم أو اليورانيوم عالي التخصيب".

ويرى جياكومو بيرسي باولي -الباحث في المعهد البحثي غير الربحي «راند يوروب» RAND Europe، والذي أجرى تحقيقًا لمنظمة الأمم المتحدة حول تصنيع الأسلحة الصغيرة بالطباعة ثلاثية الأبعاد- أنَّ هناك أوجه تشابه بين عمله وعمل الباحثين في معهد ميدلبري. ويقول إنَّ "ما يطرحونه يبدو معقولًا". لكنَّه يشير إلى أنَّ تصنيع سلاحٍ بنجاح باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد هو عمليةٌ أصعب مما تبدو، ويوضح أنَّها "مزيجٌ من أربعة أشياء". فطباعة أي سلاح تتطلب مخططًا رقميًّا لتصميمه، والطابعة ثلاثية الأبعاد ذاتها، والمواد التي ستشكلها الطابعة، والعنصر البشري الذي سيضع اللمسات الأخيرة. وأضاف: "من المستبعد للغاية أن يخرج ما ستنتجه الطابعة جاهزًا للاستخدام مباشرةً".

هناك على سبيل المثال مسدس «المُحرِّر» Liberator، وهو أحد أوائل المسدسات التي أُنتجت بنجاح اعتمادًا على الطباعة ثلاثية الأبعاد. كان «المحرر» نتاج مئاتٍ من المحاولات المتكررة والكثير من الجهد البشري. ولم يخرج التصميم المكتمل من الطابعة جاهزًا لإطلاق الرصاص: فقد تطلب تجميعًا دقيقًا لأجزائه، وحتى مع ذلك كان يواجه أحيانًا بعض الأعطال. وعلى الأرجح سيحدث الأمر نفسه في حالة الأسلحة الأكثر تعقيدًا. وبينما تعِد تقنية التصميم التوليدي بتسهيل بعض مراحل العملية، فإنَّه يجب ملاحظة أنَّه في الحالات التي حققت فيها نتائج جيدة، مثل دعامة حزام الأمان في شركة «جنرال موتورز» ومركبة هبوط ناسا، كان هناك مهندسون ينقحون التصميمات، وليس هواة.

لكنَّ هذا لا يعني أنَّ تلك المخاوف يمكن تجاهُلها تمامًا. إذ تقول جريتشن هوند، المديرة السابقة لمركز المختبر الوطني شمال غرب المحيط الهادئ، المعني بالأمن العالمي: "لقد خرج العفريت من القمقم، وهذا يُبقيني مستيقظةً في الليل من الخوف". وأضافت هوند -التي عملت في مسيرتها المهنية على تحديد القضايا والتقنيات الناشئة التي قد تكون لها آثارٌ على الأمن القومي- أنَّ سوق التصنيع بالإضافة إلى ذلك قد توسَّع بشدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وما زال غير خاضعٍ للتنظيم إلى حدٍّ كبير.

وأضاف باولي: "بالنظر إلى السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا... فهذا شيءٌ يجب أن يكون صناع السياسات على درايةٍ به. هذا تهديدٌ يبدو منطقيًّا. لا نواجهه في الوقت الحاضر، لكن لا ينبغي تجاهله".

ويشير التقرير الجديد إلى أنَّ الطباعة ثلاثية الأبعاد قد تصبح جزءًا من سلسلة توريد أسلحة الدمار الشامل خلال السنوات العشر القادمة. إذ يقول مايلز بومبر، وهو واحدٌ من مؤلفي التقرير، ويعمل زميلًا أقدم في مركز جايمس مارتن لدراسات منع انتشار الأسلحة: "لا يولي الناس ذلك الأمر اهتمامًا كافيًا في الوقت الحالي. وهذه محاولة لدق ناقوس الخطر، لدفعهم إلى التركيز".