غالبًا ما تُفضي الأيديولوجيا والسياسة إلى حالةٍ من الانقسام في واشنطن العاصمة، بيْد أن أعضاء الكونجرس الأمريكي اتحدوا تمامًا حول هدفٍ مشترك، هو معالجة السرطان، وبوصفنا عضوين بمجلس الشيوخ -أحدنا ديمقراطي من ولاية ديلاوير، والثاني جمهوري من ولاية كانساس- كانت لنا تجارب حياة مع هذا المرض.

حققت الولايات المتحدة تقدمًا كبيرًا على طريق معالجة السرطان، لكن لا يزال أمامها الكثير؛ فلكي نضمن عدم تعرُّض أولادنا وأحفادنا لهذا المرض المأسوي بالطريقة نفسها التي عايشناها، يجب أن نعمل معًا على مكافحة السرطان بالقدر نفسه من الهمة التي تعاملنا بها مع جائحة «كوفيد-19»، وليكن الاستثمار القوي والمستدام في أبحاث السرطان، من خلال المعهد الوطني الأمريكي للسرطان (NCI) هو نقطة الانطلاق.

لقد عانى كل أمريكي تقريبًا من تجربة فاجعة، فهناك مَن خاض معركة طويلة مع العلاج الكيميائي، وهناك مَن جرَّب ألم الانتظار الطويل لنتائج تحليل عينة، وهناك مَن ذاق مرارة الفراق المبكر لأمٍّ أو أب أو شقيق أو ابن.

في أثناء مدة عضويتنا بمجلس الشيوخ، سعينا من أجل إدخال زياداتٍ مستمرة في تمويل معاهد الصحة الوطنية (NIH)، وقد أسعدنا الجهد الذي بذله الكونجرس لوضع تمويل هذه المعاهد على قائمة الأولويات على مدار الأعوام الستة الماضية، ومن البرامج التي تنفذها معاهد الصحة الوطنية برنامجٌ يُموِّل الباحثين والعاملين في ولاية ديلاوير، التي يمثلها أحدنا (كونز) في مجلس الشيوخ، ويترجم هذا البرنامج الأبحاث العلمية المتميزة إلى حلول عملية تخدم مرضى السرطان.

ولكن، لسوء الحظ، لم تستفد كل الكيانات داخل معاهد الصحة الوطنية، بشكلٍ عادل، من الزيادات الأخيرة في الميزانية، مما أدى إلى تراجُع أبحاث السرطان التي تعتمد على تمويل المعهد الوطني للسرطان، ولذلك نعتقد أن رفع التمويل بمبلغ مليار دولار أمريكي هذا العام، إضافةً إلى الزيادات الثابتة، سيُتيح للولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها القيادي الدولي، على المستويين العلمي والاقتصادي، في مجال تطوير طرق تشخيص السرطان وعلاجه، التي سيستفيد منها الأمريكيون في الأعوام المقبلة.

بسبب التراجُع الحالي في التمويل، تعجز معاهد الصحة الوطنية عن الاستجابة لأكثر من طلبٍ واحد تقريبًا بين كل ثمانية من طلبات تمويل الأبحاث التي تستحق التمويل بالفعل، وذلك وفق البيانات التي أعدتها لمعاهد الصحة الوطنية هيئةٌ غيرُ هادفة للربح تُسمى هيئة «تطوير العلاجات اليوم» Advancing Cures Today (ويُشار إليها اختصارًا بـACT)، ربما يؤدي هذا الوضع إلى بقاء الكثير من العلاجات المحتملة لأنواع متباينة من السرطان حبرًا على ورق، ويجعل الشباب من علماء السرطان عاجزين عن الحصول على الدعم المالي الذي يحتاجون إليه لتعقُّب الأفكار المبدعة وتحويلها إلى واقع، يعني ذلك –بدوره- تناقص أعداد العلماء الواعدين الذين يمكن أن يلتحقوا بمجال أبحاث السرطان، وانسحاب علماء آخرين من المجال، مما يُفضي إلى افتقار هذا الحقل البحثي بشدة إلى العقول المبتكرة.

وتُعد ولاية كانساس، التي يمثلها أحدنا (موران) في مجلس الشيوخ، إحدى الولايات الكثيرة التي فيها جامعات ومؤسسات تُجري أبحاثًا رائدة في مجال السرطان، ويمكن للموارد الإضافية التي تحصل عليها تلك المؤسسات من المعهد الوطني للسرطان أن تدعم جهودها، مما يثمر عن تجديد الالتزام بالمشروعات الواعدة، وإحياء الأمل باستمرار في تحقيق اكتشافات من شأنها أن تُحدِث تغييرًا في حياة الناس.

يمكن أيضًا أن تكون فجوة التمويل الحالية نتاجًا لزخم الابتكارات التي حققناها في مجال التعامل مع السرطان، وارتفاع عدد الطلبات التي يقدمها الباحثون إلى المعهد من أجل الحصول على التمويل؛ فقد شهدت العقود القليلة الماضية طفرةً هائلةً من التقدم في أبحاث السرطان، فأولًا، عرف العلماء الكيفية التي يستخدمون بها تقنياتٍ دقيقةً لاستهداف السرطان في أجزاءٍ بعينها من الجسم، ثم تبِعَ هذا الابتكارَ تطويرُ العلاج المناعي، وهو تقنيةٌ يستطيع الأطباء بواسطتها أن يستخدموا الجهاز المناعي للمريض في تحديد الخلايا السرطانية المنفردة واستهدافها، وتفتح ثورة العلاج المناعي آفاقًا جديدةً لأبحاث السرطان، إذ بدأ العلماء يفهمون كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي وتَعَلُّم الآلة، للتنبؤ بالأنماط، وتشخيص حالات مرضى السرطان، وتقديم العلاج المبكر لهم على نحوٍ يفوق ما كنا نتخيله قبل 10 سنوات.

وفي خضمِّ سعيهم لاكتساب المزيد من المعرفة بالعلاج المناعي، وكيفية تطويع الذكاء الاصطناعي لعلاج السرطان، يطرح العلماء المزيد والمزيد من الأفكار التي يمكن لأيٍّ منها أن يحمل الإجابة التي نحتاج إليها للقضاء على السرطان بصورته المعهودة.

عبَّرَ نورمان شاربلس -مدير المعهد الوطني للسرطان- عن المشكلة في حديثه أمام الكونجرس مؤخرًا بقوله: "أصارحكم بأنه من بين الهواجس التي تُؤرقني طوال الليل، فكرة أن يكون هناك طرحٌ علمي عظيم، يتقدم به باحث ضمن فيض الطلبات التي تنشد الحصول على التمويل، ثم لا نستطع الوصول إلى هذا الطرح وتمويله... فمن الوارد أن يرشدنا أحد هذه الأبحاث إلى علاج لسرطان البنكرياس، أليس كذلك؟"، ولكن من دون التمويل الكافي، لا يستطيع المعهد الوطني للسرطان أن يدعم كل هذه الأعداد المتزايدة من العلماء.

يتسبَّب السرطان في وفاة أكثر من 600 ألف أمريكي كل عام، مما يجعله أحد الأسباب الرئيسة للوفاة في الولايات المتحدة، وحاليًّا تتوافر لدينا –بوصفنا مجتمعًا- القدرةُ والمعرفةُ اللتان تمكِّناننا من تشخيص السرطان وعلاجه بطرقٍ جديدة تمامًا، وقد أثلج صدورنا ذاك المقترح الذي يدعو إلى إنشاء وكالة المشروعات البحثية المتقدمة للصحة، وهو كيانٌ جديد داخل معاهد الصحة الوطنية، وستكون مهمة هذه الوكالة ترجمة الابتكارات في مجال أبحاث السرطان إلى حلولٍ لخدمة المرضى، ونعتقد أن هذه الاستثمارات ستحقق أعظم مردود لها عندما تقترن بالالتزام الصارم والمستمر بدعم المعهد الوطني للسرطان.

إن منافسينا الدوليين يخوضون بالفعل معركةً ضد السرطان، ويقفون على أهبة الاستعداد ليحصدوا المنافع الصحية والاقتصادية التي يجلبها تمويل العلاجات، ويُعدُّ التمويل المدروس والقوي لمعاهد الصحة الوطنية -التي تشرف على المعهد الوطني للسرطان- جزءًا مهمًّا من اقتصادنا، ومحركًا أساسيًّا لتعزيز المكاسب الصحية لكل الأمريكيين، وما لم نتخذ خطواتٍ حاسمةً وقاطعةً لتمويل المعهد الوطني للسرطان، على المستوى اللازم لزيادة عدد الأبحاث التي تحظى بالتمويل كل عام، فسنُخاطر بفقدان موقعنا الريادي في أبحاث السرطان لصالح دول أخرى، من بينها الصين، لهذا فنحن ندعم الاستثمار القوي المستدام في المعهد الوطني للسرطان.

كان فرانسس كولينز -الذي تقاعد الأسبوع الماضي من منصبه كمدير لمعاهد الصحة الوطنية- قائدًا مثابرًا وقويًّا، وقد عمل مع الكونجرس بشكلٍ رائع لمنح الأولوية للمعهد الوطني للسرطان، ودعم الصحة العامة والبحث العلمي، ونحن بدورنا نشجع الرئيس جو بايدن على أن يختار مديرًا يواصل العمل مع الكونجرس، للمضي قدمًا في جهودنا المشتركة الرامية إلى توفير مصادر تمويل للمعهد الوطني للسرطان؛ فبالعمل معًا، نستطيع رفع مستوى المعرفة المتنامية في مجال السرطان، كي نتمكن من القضاء على هذا المرض بصورته المعهودة.