لطالما خلبت درجات اللون الأزرق النابضة بالحياة في أجنحة فراشات مورفو ألبابَ علماء حرشفيات الأجنحة، والكيميائيين أيضًا. ويتمحور اهتمام الفئة الثانية حول التراكيب البروتينية النانوية الدقيقة والمرتبة في طبقات داخل الأجنحة، وأشكالها التي تتصرف مثل المنشور لتعكس لونًا أزرق سماويًّا أخاذًا. ويأمل علماء المواد تسخير خواص هذه التراكيب واستعمالها في صنع منتجات -مثل الطلاء ومستحضرات التجميل- تخلو من الصبغات المضرة بصحة الإنسان وبالبيئة.

وقد استعصى على الكيميائيين التوصل إلى طريقة لتطبيق مفهوم "اللون التركيبي" بتكلفة معقولة على نطاق واسع من المنتجات. لكن مؤخرًا زعم كيميائيون في شركة ناشئة بمدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا الأمريكية تُدعى «سيبريس ماتيريالز» (Cypris Materials) أنهم اقتربوا من إيجاد طريقة لتحقيق هذا. إذ أعلنوا أنهم تمكنوا -دون استعمال أي صبغات- من تطوير مواد تلوين تنتج درجاتٍ في الأطياف الكهرومغناطيسية فوق البنفسجية والمرئية والقريبة من تحت الحمراء، ويمكن استعمال هذه المواد في تطبيقاتٍ عملية، من طلاء السيارات إلى أحبار الطابعات وطلاء الأظافر. يقول جون وارنر، وهو زميل باحث متميز بشركة «زيميرجين» (Zymergen) وأحد رواد الكيمياء الخضراء، ولم يشارك في عمل شركة سيبريس ماتيريالز: "لقد أحرزوا تقدمًا في مجال يحتاج بشدة إلى الابتكار، ويبدو أنهم حققوا القفزة من المعمل إلى عالم الواقع. وهذا مبهر للغاية".

لقد استُعملت الصبغات التقليدية طوال عقود في تلوين الأنسجة والطلاءات وفي تطبيقات أخرى تتعلق بالحياة اليومية. وهي تتيح درجات ألوان متنوعة عبر الطريقة التي تمتص بها الضوء أو تعكسه. فالصبغة الحمراء في قميص، على سبيل المثال، تحوي مكونات جزيئية تسمى بالكروموفور، أو حاملات اللون، تمتص الأطوال الموجية الخاصة بكل الألوان في الضوء ما عدا اللون الأحمر، لذا نرى القميص باللون الأحمر. لكن بعض المواد الكيميائية المستخدمة، مثل صبغة الآزو، تحوي مواد مرتبطة بالسرطان وبآثارٍ ضارة أخرى. وقد حظرت العديد من الدول استخدام هذه الصبغات.

لكن اللون التركيبي يأتي من التراكيب الميكروسكوبية التي تعكس أشكالها المتغيرة الضوء أو تجعله ينكسر بطرقٍ مختلفة. فالقشور الصغيرة على جناحي فراشة مورفو، على سبيل المثال، مغطاة بنتوءات بالغة الصغر تمر عبرها دعامات، وتشبه شكل شجرة التنوب. هذه التشكيلات تسبب انكسار أطوال موجية محددة للضوء لتعطي لونًا أزرق زاهيًا. وهناك تراكيب أخرى لها آثارٌ مشابهة، مثل ألياف السليولوز الميكروية المرتبة حلزونيًّا، التي تجعل ثمار التوت الرخامي تتألق بدرجة معدنية لامعة من اللون الأزرق. ولا يزال العلماء يدرسون التفاصيل الدقيقة الخاصة بأشكال حضور الألوان التركيبية في الطبيعة. لكنهم يعرفون بالفعل أن مساحات وأحجام السمات الموجودة في التركيب والمادة المصنوع منها هي ما يحدد بصورة رئيسية طريقة ارتداد الضوء عن هذا التركيب، وبالتالي نوع اللون الناتج.

عينة من ألوان بنيوية أوبالية من سيبريس ماتيريالز تُظهر ألوان الطيف المرئي. Credit: Ryan Pearson

تصنع شركة سيبريس ماتيريالز مواد تلوين قائمة على التراكيب، باستعمال ما يُعرف بالبوليمرات المشتركة المتكتلة ذاتية التجميع. وهي عبارة عن سلاسل طويلة من الجزيئات، تربط -في هذه الحالة- بين نوعين مختلفين من المواد البلاستيكية شائعة الاستخدام، مثل البولي أكريلات أو البوليستر. عند تشكيلها في صورة طلاء أو حبر ووضعها على سطح، ترتب البوليمرات المشتركة نفسها في تراكيب طبقية مرتبة بعناية تسبب انكسار الضوء. ولكي تفهم طريقة عملها، تخيل علكةً على شكل دودة، نصفها أصفر ونصفها أخضر، وكل لون يمثل نوعًا مختلفًا من البلاستيك. إن جئنا بعلبة ضخمة من قطع العلكة هذه ورتبناها بحيث يلمس الجزء الأصفر أو الأخضر من كل واحدة منها النصف الذي يحمل اللون نفسه من الأخريات، حينها ستترتب قطع العلكة في تركيب متعدد الطبقات. البوليمرات المشتركة التي ابتكرتها شركة سيبريس تفعل هذا من تلقاء نفسها حين توضع في محلول، ويحدد طول سلسلة البوليمر الطول الموجي للضوء المنعكس. فالسلاسل القصيرة من البوليمرات المشتركة تعكس أطوالًا موجيةً أقصر من الضوء: الأطياف فوق البنفسجية، والزرقاء والخضراء. والسلاسل الأطول تعكس أطوالًا موجيةً أطول، في الأطياف البرتقالية والحمراء والقريبة من تحت الحمراء.

إن البوليمرات المشتركة ذاتية التجميع ليست جديدة، لكن الشركة تقول إنها أحرزت إنجازين مهمين: فموادها تُجمِّع نفسها ذاتيًّا في الظروف البيئية اليومية، مثل وضع الطلاء، ويمكنها صنع السلاسل الأطول التي تعكس أطوالًا موجيةً طويلةً للضوء. ويقول روبرت جرابز، أستاذ الكيمياء بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والحائز جائزة نوبل، وهو أحد مؤسسي الشركة التي يشغل منصبًا استشاريًّا فيها: "إن القدرة على صنع ألوان أكثر حمرةً [باستخدام اللون التركيبي] لم يصل إليها أحد من قبل. لقد قطعوا شوطًا أطول مما ظننته ممكنًا".

تأتي مواد التلوين الجديدة في صورة مسحوق تقول الشركة إنه يمكن إدخاله في عمليات التصنيع – كأن يُضاف إلى الطلاء في مِرشَّات السيارات، على سبيل المثال، أو يُخلط بطلاء الأظافر. ويمكن استعمالها أيضًا محل المثبِّتات، وهي مواد كيميائية تُضاف لتثبت الصبغات في المحلول حتى يجف الطلاء على السطح. ويقول ريان بيرسون، القائم بأعمال المدير التنفيذي للشركة وأحد مؤسسيها: "إننا نبسط الطلاء"، فمن التقليدي "أن يحتاج الناس إلى إضافة الصبغات وأيضًا مواد إضافية لتثبيت الطلاء. إننا لا نلغي الحاجة إلى الصبغات فقط، بل نلغي أيضًا الحاجة إلى كل المواد الإضافية التي تحيط بالطلاء كي تثبته".

وتشمل المواد الكيميائية الأخرى التي كثيرًا ما تُضاف إلى الطلاء للمساعدة على تثبيت الصبغات، المواد الخافضة للتوتر السطحي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مواد التلوين الجديدة ستجعل هذه المواد غير ضرورية، لكن "إن كانت مواد التلوين الجديدة قادرةً على أن تحل محل المواد الخافضة للتوتر السطحي أو على التشكُّل دون الحاجة إلى مركبات الألكيل فينول [مواد كيميائية يشيع استخدامها في الطلاء لمنع انفصاله]، فهذا تطورٌ إيجابي بكل تأكيد في نظرنا"، وفقًا لتيريسا ماكجراث، مديرة الأبحاث بـ«شبكة البناء الصحي» (Healthy Building Network)، وهي منظمة غير ربحية تروج لاستعمال مواد مستدامة وأقل سُمِّيَّة، وهي غير مرتبطة بشركة سيبريس ماتيريالز.

وهذه الطريقة الجديدة تختلف عن التطبيقات الأخرى للألوان التركيبية، مثل المُستخدمة في صنع أغشية رقيقة يُمكن وضعها على النوافذ لتحسين العزل وتوفير الطاقة. يتضمن هذا النهج صنع طبقات عديدة من الأغشية ووضع بعضها على بعض للتوصل إلى تركيب يعكس الأشعة تحت الحمراء. لكن هذه الأغشية لا يمكن وضعها إلا على أسطح معينة، ما يجعل تقنية الألوان التركيبية الجديدة أوسع في استخداماتها. ولا يزال أمام مواد التلوين التي تصنعها الشركة الناشئة عقبات عليها تجاوزها وأوجه قصور محتملة ينبغي التغلب عليها. على سبيل المثال، قد لا تتمكن المواد الجديدة من منافسة بعض الصبغات الحالية من حيث السعر، ومنها ثاني أكسيد التيتانيوم. والشركة بحاجة أيضًا إلى إجراء تحليل كامل للبوليمرات المشتركة وعمليات التصنيع التي تستخدمها للتأكد من أن المواد الجديدة أكثر أمنًا وصديقة للبيئة مقارنةً بالصبغات التقليدية. وفي هذا الصدد يعلق وارنر: "لن تكون مثالية. لكن المثالية عدوة الامتياز. والعلم يتقدم بهذه الخطوات إلى الأمام".