بعد تأخير دام لأسابيع، وصلت أخيرًا إلى البرية، كنت في حوض نهر سامارجا، وهو ركن جبلي بلا طرق في الشرق الأقصى الروسي يسكنه صيادو الأوديجي الأصليون، ونمور آمور، وبومة السمك بلاكيستون، وهي الأهم بالنسبة لي، إنها طائر عملاق مهدد بالانقراض يصطاد السلمون من الأنهار ويعشش في أشجار ضخمة ويعتبر أكبر أنواع البوم في العالم، بمرافقة سيرجي أفديوك، وهو أحد سكان المنطقة من ذوي الخبرة بالغابات، خضت أول عام لي من العمل الميداني المتعلق بدراسة بومة السمك، العام الأول من أعوام عديدة لاحقة، كنا هناك للبحث عن بومة السمك كي نفهم احتياجات بيئتها فهمًا أفضل، ومن ثم نتمكن من وضع خطة حفاظ لحمايتها.

لم يكن ثمة طرق هناك، لذلك قدت أنا وسيرجي زحافة الثلج على طول النهر المتجمد جنوب قرية شعب الأوديجي الصغيرة حيث كنا متمركزين، وقضينا فترة ما بعد الظهيرة في الغابة هناك بحثًا عن آثار بومة السمك، لم نجد شيئًا، وتوقفنا قرابة الساعة قبل الغسق لشرب الشاي الساخن من الترموس ولنحدد مسار خطواتنا التالية، أراد سيرجي الذهاب للبحث عن البوم التي تنادي في اتجاه مجرى النهر، من الجانب البعيد لوادي النهر، حتى نتمكن من الاستماع من مكانين في وقت واحد وزيادة تغطية نطاق المسح، كانت الخطة أن يتركني في مكاني، ويقود زحافة الثلج بمحاذاة النهر مسافةَ كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات جنوبًا، ثم يصطحبني في طريق العودة إلى المدينة، وحمل هواء الشتاء الصافي صوت مركبته المبتعدة إلى مسافات بعيدة، وكان بإمكاني سماع أزيز محركها بعد فترة طويلة من تواريها عن الأنظار.

تحركت الرياح الخفيفة عبر قمم الأشجار، وهزت الظلل العارية لشجر الحور الرجراج، والبتولا، والدردار، والحور، وكانت تشتد في بعض الأحيان لتهبط وتهب بقوة فوق سطح النهر المتجمد، أنصتّ مع صوت الريح لسماع نداء بومة السمك المميز، تنعب بومة السمك على ترددات منخفضة في نطاق 200 هرتز، في مستوى صوت البومة الرمادية الكبيرة تقريبًا وأكثر انخفاضًا بمرتين من صوت البومة القرناء الكبيرة، وفي الواقع، هذا التردد منخفض للغاية بحيث يصعب التقاط الصوت جيدًا باستخدام ميكروفون.

على الأشرطة التي سجلتها لاحقًا، كانت أصوات البوم دائمًا ما تبدو بعيدة، ومكتومة، وضائعة في الضجيج، حتى لو كانت قريبة، يؤدي التردد المنخفض للنعيب غرضًا؛ فهو يضمن أن يمر الصوت بشكل نقي عبر الغابة الكثيفة، ويمكن سماعه على بُعد مسافة تصل إلى عدة كيلومترات، وهذا صحيح وبخاصة في الشتاء وأوائل الربيع، عندما يكون الغطاء الشجري قليلًا والهواء المنعش يسهِّل حركة الموجات الصوتية.

تنعب أزواج بومة السمك في ثنائيات، هذه سمة غير شائعة ملحوظة في أقل من 4 في المئة من أنواع الطيور على مستوى العالم، ومعظمها في المناطق الاستوائية، عادةً ما يبدأ الذكر ثنائيات نعيب بومة السمك، إذ يملأ كيسًا هوائيًّا في حلقه حتى ينتفخ كضفدع أمريكي ضخم ذي ريش، ويبقى على هذا الوضع، إذ تبدو البقعة البيضاء على حلقه أشبه بكرة جلية تتباين مع الألوان البنية في جسده واللون الرمادي للغسق الداني، في إشارة إلى رفيقته بأن النعيب وشيك، بعد لحظة، يطلق نعيبًا قصيرًا لاهثًا -صوت شخص يلتقط أنفاسه جاهدًا- وتجيبه الأنثى على الفور بنعيب، ولكنه ذو نبرة أعمق، هذا أمر غير معتاد بين أنواع البوم؛ إذ عادةً ما يكون صوت الإناث أعلى، يطلق الذكر بعد ذلك نعيبًا أطول وأعلى قليلًا، تستجيب له الأنثى أيضًا، ينتهي مقطع النداء والاستجابة هذا المكون من أربع نغمات في ثلاث ثوانٍ، ويكرران النعيب الثنائي على فترات منتظمة تتراوح بين دقيقة واحدة وساعتين، هذا الصياح متزامن لدرجة أن العديد من الناس، عند سماع زوج بوم سمك يصيحان، يفترضون أنه طائر واحد.

بومة السمك بلاكيستون. Credit: Jonathan C. Slaght

يُعد النعيب الثنائي بمنزلة نداء لتحديد نطاق منطقتهما، وأيضًا لتأكيد رباط الزوجين، يتبع تواتر النعيب الثنائي دورة سنوية؛ إذ يحدث النعيب الأكثر نشاطًا في فبراير خلال فترة التكاثر، قد تطول فترات النعيب الثنائي خلال هذا الوقت، وتدوم ساعات، ويمكن سماعها طوال الليل، بمجرد أن تحضن الأنثى البيض في شهر مارس، تُسمع هذه النداءات غالبًا عند الغسق فقط، ربما لأن الطيور تحجم عن إشهار موقع عشها، يتزايد النعيب الثنائي مرةً أخرى عندما يفقس البيض وتنبت الفراخ الريش، ولكن تبدأ وتيرته تتناقص مرةً أخرى بحلول الصيف حتى موسم التكاثر التالي.

اعتراني بعض القلق من أن الرياح المشتدة قد تخترق ملابسي العازلة للبرد في أثناء انتظاري ساكنًا ومكشوفًا، أبصرت جذعًا ضخمًا دُفن نصفه في الثلج على بعد حوالي مئة متر، لشجرة كبيرة اقتُلعت في عاصفةٍ ما وحملها الفيضان إلى هناك، حفرت بقدمي تجويفًا غير عميق في الثلج بالقرب من قاعدة الشجرة، وجلست القرفصاء لأحتمي من الرياح، تحت ستار الجذور والظلال إلى حدٍّ كبير.

بعد حوالي نصف ساعة، أمضيتها متلذذًا بمضغ حلوى صلبة وجدتها في جيبي، لم أسمع أيل اليحمور يقترب، لقد ظهر فجأةً على مسافة لا تزيد عن 50 مترًا، متشبثًا بحوافره في القشرة الصلبة لجليد النهر وواثبًا عكس اتجاه مجراه، وفي أعقابه كلب صيد، اقترب الأيل اللاهث من منطقة من النهر العميق المكشوف، يبلغ عرضها حوالي ثلاثة أمتار وطولها 15 مترًا، واندفع قافزًا في الماء دون تريُّث، ربما كان ينوي القفز عبرها ولكنه أدرك بعد فوات الأوان أنه يفتقر إلى القوة للقيام بذلك، توقف الكلب بغتةً ونبح مكشرًا عن أنيابه، تسمرتُ في مكاني، لم يكن بإمكاني -من منظوري المنخفض بين الجذور- سوى رؤية رأس الأيل، رافعًا خطمه منفتح المنخرين، يعلو ويهبط فوق الحافة الجليدية لسطح النهر.

قاوم الأيل التيار فترةً وجيزة، ثم استسلم له، منجرفًا كقارب بلا دفة، ثم توارى عن الأنظار عند حافة الجليد باتجاه مجرى النهر، وقفتُ لأحظى برؤية أفضل، ولم أرَ سوى الجرح المفتوح للمياه الهادئة المتدفقة، تخيلت الأيل في الظلام تحت الجليد، والمياه -على الأرجح- تملأ رئتيه، ضحيةً لنهر سامارجا تطفو في سكينة باتجاه البحر، ولم يعد للشتاء وكلاب القرية أهمية له الآن، لاحظ الكلب حركتي والتفت نحوي وأذناه منتصبتان وخطمه يرتعش متسائلًا، ثم تجاهلني بوصفي بشريًّا مجهولًا، وأولى النهر المكشوف انتباهه من جديد، مشمشمًا بأنفه قبل أن يهرول في اتجاه مجرى النهر.

عدت إلى حفرة شجرتي، مذهولًا من العنف الهادئ لهذا المكان، لا تزال التناقضات البدائية ترسم معالم الحياة عند نهر سامارجا: جائع أو مشبع، متجمد أو متدفق، حي أو ميت، أي انحراف طفيف يمكن أن يرجح كفة حالةٍ على أخرى، قد يغرق قروي لأنه ذهب يصطاد في المكان الخطأ، الأيل أفلت من مخالب حيوان مفترس ليلقى حتفه على أي حال بسبب زلة قدم، يمكن قياس الخط الفاصل بين الحياة والموت هنا بسُمك جليد النهر.

انتشلني من أفكاري صوت اهتزازٍ مكتوم في الهواء، اعتدلت جالسًا وخلعت قبعتي لأكشف أذنيَّ، بعد صمت طويل سمعت الصوت مرةً أخرى: اهتزاز بعيد مكتوم، أهي بومة سمك؟ لا بد أنها كانت بعيدة جدًّا عبر وادي النهر، ولم أسمع حقًّا سوى نغمة واحدة، ربما اثنتين، وليس الأربع التي كنت أتوقعها، لم يكن لديَّ فكرة عما يبدو عليه صوت بومة السمك إلا من تقليد سيرجي له بصوته الأجش، وكان من الصعب تقييم طبيعة نعيبها من دون سماع الصوت الحقيقي لمقارنته به، ما كنت أسمعه وقتها لم يكن مطابقًا حقًّا، أهي بومة سمك واحدة وليست زوجًا؟ أو ربما كانت بومة النسر الأوراسي؟ لكن أصوات هذا النوع من البوم أعلى مما كنت أسمعه وهي لا تنعب في ثنائيات، تكرر الصوت كل بضع دقائق أو نحو ذلك، حتى اكتمل الانتقال التدريجي غير المحسوس تقريبًا من النهار إلى الليل، في الظلام، توقفت الأصوات.

أنبأني طنين متموج عالٍ من اتجاه مجرى النهر أن سيرجي كان عائدًا، وسرعان ما رأيت المصباح الأمامي الوحيد لزحافة الثلج يلقي شعاعه الشاحب على الثلج، "حسنًا؟" قالها بنبرة متسائلة منتصرة عندما برزت للقائه، "هل سمعتهما؟"، أخبرته أنني أعتقد ذلك، لكن ربما كان طائرًا واحدًا فقط، هز رأسه نافيًا: "كان هناك اثنان -كان النعيب ثنائيًّا! نداء الأنثى أخفض من نداء الذكر ويصعب سماعه، لذلك ربما فاتك".

كان لدى سيرجي حاسة سمع مرهفة، ويمكنه بثقة تمييز النعيب الثنائي البعيد عندما كان كل ما يمكنني تمييزه هو الصوت اللاهث العالي للذكر، لاحقًا، حتى عندما كنت متأكدًا من وجود طائر واحد فقط، كنا نتسلل لنقترب، وعندها فقط يمكنني تمييز الأنثى أيضًا، بوم السمك طيور غير مهاجرة، وتتحمل حرارة الصيف وصقيع الشتاء في الأماكن نفسها، لذلك إذا سمعنا نعيبًا ثنائيًّا، فهذا يعني أن الزوجين مقيمان في تلك الرقعة من الغابة؛ فهذه الطيور معمرة، ولدينا سجلات لبوم سمك بري يزيد عمره على 25 عامًا، لذا من المحتمل أن يوجد البوم ثنائي النعيب في المكان نفسه عامًا بعد عام، ومع ذلك، إذا سمعنا طائرًا واحدًا فقط ينعب، فقد يعني ذلك أنه ذكر عزب يبحث عن منطقة يبسط نفوذه عليها أو رفيقة، وإذا سمعنا بومةً واحدةً اليوم، فهذا لا يعني أنها ستكون هناك غدًا، فضلًا عن السنوات القليلة المقبلة، كنا بحاجة إلى أزواج مقيمة لضمها إلى المجموعة موضع الدراسة: طيور يمكننا تتبُّعها على مدى فترة طويلة.

أخبرت سيرجي عن الأيل والكلب، بصق وهز رأسه غير مصدق، "مررت بهذا الحيوان! التقيت صاحبه وهو يصطاد في اتجاه مجرى النهر، قال إن فريق كلابه قتل خمسة أيائل يحمور وثلاثة أيائل حمراء اليوم فقط! واشتكى من أن أهل المدينة الأثرياء يقدمون إلى المنطقة بالطيران طوال الشتاء ويُردون الأيائل بالرصاص؛ لهذا السبب كانت الغابة خاوية، في هذه الأثناء، كان كلبه الذي غاب عن ناظره يغرق واحدًا!".

ثم عدنا أدراجنا إلى القرية تحت ستار الظلام والصمت.