شمسنا سفينة، ومجرتنا هي البحر. وبحركة نجمنا في التيارات الكونية، يُكمل دورةً في مجرتنا، درب التبانة، كل 230 مليون سنة أو نحو ذلك، مُصطحبًا معه حاشيته من الكواكب. هذه الرحلة تكون انفراديةً في معظمها، باستثناء اللقاء الذي يجمعه عن قربٍ بين الحين والآخر مع نجم آخر. ولكن قبل بضع سنوات، ربما يكون شيءٌ يسترعي الانتباه قد حدث. ففي أثناء عبور شمسنا لخضم هذا المحيط الشاسع والرائع، ربما تكون قد صادفت جبلًا جليديًّا كونيًّا عبارة عن كتلة ضخمة من الجليد الهيدروجيني شاردة في الفضاء. ورغم أن هذا السيناريو قد يبدو مُستبعدًا، نظرًا إلى أنه ينطوي على نوع جديد من الأجسام الفيزيائية الفلكية لم يسبق التعامل معه، فإن الأدلة على حدوثه مُقنِعة على نحوٍ يثير الدهشة، وانعكاسات ذلك واسعة النطاق. تكمن الفكرة في الاستنتاج الذي توصل إليه داريل سيليجمان من جامعة شيكاغو وجريجوري لافلين من جامعة ييل، في ورقة بحثية ستُنشر في دورية «أستروفيزيكال جورنال ليترز» Astrophysical Journal Letters (يمكن الاطلاع على نسخة قبل النشر على موقع arXiv.org). أجرى العالِمان فحصًا للبيانات المتوافرة عن جسم يسمى «أوموموا» Oumuamua، أصبح أول جسم بين نجمي يُكتشف في نظامنا الشمسي في أكتوبر 2017. منذ ذلك الحين، احتدم الجدل حول ما إذا كان هذا الجسم مذنَّبًا أو كويكبًا، لا أحد يعرف على وجه اليقين. ومع ذلك، يقول سيليجمان ولافلين إن هذا الجسم لم يكن مُذنَّبًا ولا كويكبًا. يقول سيليجمان: "نعتقد أن أوموموا كان مكونًا من جليد هيدروجين جزيئي. فهو في الأساس عبارة عن جبل جليدٍ هيدروجيني".

رصد علماء الفلك أوموموا للمرة الأولى بعد أن كان قد اقترب من الشمس إلى أقصى حد، أي عندما كان بالفعل في طريقه إلى الخروج من نظامنا الشمسي، مما زاد من صعوبة عمليات رصده بدرجةٍ ما، ولكن الباحثين استطاعوا تمييز بعض خصائصه. فقد بلغ طوله نحو 400 متر، وكان أشبه بالسيجار ويدور بسرعة حول نفسه بمعدل دورة واحدة كل ثماني ساعات تقريبًا. واستنادًا إلى المسار الذي كان يقطعه بسرعة عالية للغاية عبر نظامنا الشمسي، استنتج الفلكيون أن مَنشأه كان في مكان آخر؛ لأنه كان يتحرك بسرعة كبيرة بحيث لا يمكن أن نربط بينه وبين شمسنا. ولكن كان من المدهش إلى حدٍّ ما أن أوموموا أظهر تسارعًا طفيفًا ومهمًّا في الوقت ذاته في أثناء تحركه بعيدًا، على العكس مما نتوقعه من جسم خارجي يناضل من أجل الإفلات من القبضة القوية لجاذبية الشمس. يقول سيليجمان: "كان هذا شيئًا شديد الغرابة. كانت هذه قوة تدفعه باستمرار بعيدًا عن الشمس بتسارع يعدل نحو واحد على الألف من تسارع الجاذبية الشمسية".


أشارت الجهود الرامية إلى تفسير هذا التسارع غير الطبيعي إلى أن هذا الجسم ربما يكون مرتبطًا بالتدفقات البخارية لجليد الماء الذي يُسخِّنه ضوء الشمس؛ إذ يؤدي اندفاع هذه التدفقات بقوة في الفضاء، إلى دفع الجسم في مساره. لكن هذه الظاهرة وحدها لم تكن لتولِّد قوةً كبيرةً بما يكفي لتفسير التسارع المرصود، على حد زعم لافلين وسيليجمان. يقول سيليجمان: "يتطلب ذلك تغطية أكثر من 200% من سطح الجسم بالماء". أخذ الباحثان يُنقبان عن تفسيرات أكثر معقوليةً، وذلك عن طريق دراسة أنواع أخرى من الجليد ربما تكون قادرةً على توليد تدفقات قوية بما يكفي لتفسير ذلك التسارع، وكان الهيدروجين المرشح المثالي في هذا الصدد. يقول سيليجمان: "نظرًا إلى أن الجليد الهيدروجيني الجزيئي ترتبط أجزاؤه بعضها ببعضٍ على نحوٍ مفككٍ للغاية، فإنك تحتاج فقط إلى تغطية 6% من السطح به".

هذا السيناريو في حد ذاته ستترتب عليه بعض التبعات المدهشة بشأن المكان الذي جاء منه أوموموا. فجليد الهيدروجين يتسامى (متحولًا من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية) عند درجة حرارة منخفضة للغاية تبلغ -267 درجة مئوية فقط، أي تزيد قليلًا عن درجة الحرارة في الفضاء الخارجي التي تبلغ -270 درجة مئوية. تشير هذه الحقيقة إلى أن أوموموا الغني بالجليد الهيدروجيني يجب أن يكون قد تكوَّن في مكانٍ باردٍ للغاية. وعلى ما يبدو، فإن الاحتمال الأقرب لهذا المنشأ البارد أن يكون قد حدث داخل سحابة جزيئية عملاقة.. تراكماتٍ من الغبار والغازات يتراوح عرضها من عشرات إلى مئات السنوات الضوئية حيث تتكون النجوم.

على مدى عدة ملايين من السنين، يحدث التحامٌ لنحو 1% من المادة التي توجد عادةً في سحابة جزيئية عملاقة، وذلك بفعل تأثير قوة الجاذبية، وهكذا تتشكَّل النجوم. ويمكن لكل سحابة، قبل تبدُّدها، أن تُكوِّن الآلاف من النجوم -بالإضافة إلى عدد هائل من أنوية النجوم الأولى- عبارة عن كتل غازية غير مكتملة التكوين، يقترب حجمها من حجم نظامنا الشمسي، ولا يتسنى لهذه الكتل أن تُصبح متماسكةً بما يكفي لبدء الاندماج النووي والعمل كنجوم فعلية تامة التكوين. داخل الأعماق الكثيفة والمظلمة لتلك الأنوية، يمكن أن تتوافر الظروف الباردة اللازمة لتكوين الجليد الهيدروجيني.

يقول شو كونج، من جامعة أريزونا، وهو خبير في مجال السحب الجزيئية قدَّم تقييمًا لأبحاث سيليجمان ولافلين ولكنه لم يشارك على نحوٍ مباشر في تلك الدراسة: "إذا كنت ترغب في الحصول على تلك الكمية من الجليد الهيدروجيني، فأنت بحاجة إلى أن تجعل نقطة انطلاقك بيئةً شديدة البرودة. ستكون تلك الأنوية غير النجمية الواقعة داخل السحب الجزيئية هي أبرد البيئات التي لا تبعد كثيرًا عنا. ففي المناطق المركزية من تلك الأنوية، تكون درجات الحرارة منخفضةً للغاية، لذا يمكن أن تُعد مكانًا واعدًا لتشكيل أوموموا".

وفي حال ثبتت صحة هذه الفكرة، فإن هذا الجسم من شأنه أن يعطينا لمحةً غير مسبوقة عما يحدث في تلك المراجل النووية حيث تتكون النجوم. يقول لافلين: "لا يزال فهمنا للسبب وراء عدم كفاءة عملية تكوين النجوم في السحب الجزيئية قاصرًا. فإذا كانت هذه الأجسام الهيدروجينية الجزيئية تتكون هناك، فإننا نستنتج من هذا أن درجة الحرارة في بعض السحب لا بد أن تكون منخفضةً للغاية، ولا بد أن تكون الكثافات عاليةً نسبيًّا. يوفر ذلك نقطة مُعايرة تُثير الكثير من الاهتمام بشأن ماهية الظروف التي تؤدي إلى تكوين النجوم والكواكب".

ورغم أن هذه النظرية تبدو غريبة، فإنها قد تُفسر الكثير من غرائب​​ أوموموا. ففضلًا عن تفسيرها للتسارع غير المعتاد، قد تكشف أيضًا سبب دخول هذا الجسم نظامنا الشمسي بسرعة 26 كيلومترًا في الثانية، وهي سرعة تقترب من السرعة التي تندفع بها الشمس بالنسبة إلى متوسط سرعة النجوم القريبة الأخرى. فلم يكن الجسم يتحرك نحونا، ولكننا كنا -في المقابل- نبحر تجاهه في حين كان هو يقبع بلا حراك، بعدما أخفقت نواته الأولية في أن تصير نجمًا.

يمكن أن تعطي هذه النظرية كذلك تفسيرًا لشكل السيجار غير المعتاد الذي يتخذه أوموموا. فعند تشكُّله في البداية قبل أقل من 100 مليون سنة على الأرجح، ربما كان أكبر حجمًا بثلاثة أضعاف وذا شكلٍ كروي ويشكِّل الجليد الهيدرجيني 99% من حجمه. وربما تآكل الجليد عند اقتراب هذا الجسم من الشمس وتعرُّضه للحرارة للمرة الأولى، متضائلًا في نهاية المطاف ليتخذ شكله الممطوط بالطريقة نفسها التي تتآكل بها قطعة الصابون بحيث تصير طبقةً رقيقةً بمرور الوقت.

علاوةً على ذلك، فإن الحقيقة القائلة بأن أُوموموا اكتُشف بسرعة وسهولة -كجزء من دراسة استقصائية مدتها أربع سنوات- طرحت مشكلةً أمام المُنظِّرين. فإذا كان أُوموموا مُذنّبًا أو كويكبًا بين نجمي -مثل المذنّب بين النجمي «بوريسوف» Borisov غير المتنازع عليه الذي اكتُشف عام 2019- فإن هذا الاستنتاج سيشير إلى أن هذه الأجسام أكثر انتشارًا بما يصل إلى 100 ضعف مقارنةً بما كان يُعتقد في السابق. في المقابل، تشير نظرية "السحابة الجزيئية" حول نشأة أوموموا إلى أن المجرة قد تشتمل على مليارات ومليارات من هذه الأجسام، وفقًا لاكتشافها السريع. تقول أمايا مورو- مارتين من معهد علوم تلسكوب الفضاء، والتي طرحت العام الماضي نظرية مختلفة عن نشأة أوموموا: "رغم أننا لم نرصد سوى جسم واحد، فإن الكثافة العددية الضمنية عالية جدًّا. هذا المقترح قد يحل هذه المشكلة".

في الوقت الحالي، يستحيل اختبار صحة نظرية أوموموا أكثر من ذلك؛ فقد توارى الجسم منذ فترة طويلة بعيدًا عن الأنظار. ولكن إذا حالف علماء الفلك ولو شيءٌ يسير من الحظ، فقد يتمكنون من تقييم توقعات تلك النظرية عاجلًا أو آجلًا. فإذا تمكنوا من رصد جسمٍ متطفلٍ بين نجمي يشبه أموموا في أثناء دخوله نظامنا الشمسي، فربما يستطيعون رصد تغيرٍ ذي دلالة في كتلته مع تسامي الجليد الهيدروجيني. والتلسكوبات القادمة، مثل مرصد «فيرا سي. روبين» Vera C. Rubin Observatory في تشيلي، والتي تتأهب للبدء في إجراء مسح مدته 10 سنوات لنظامنا الشمسي في عام 2022 يمكنها أن تبحث عن المزيد.

وإذا أخذنا في الحسبان مقترحات زيارة بعض هذه الأجسام عبر بعثات كبعثة «مُعترِض المذنبات» Comet Interceptor الأوروبية، جنبًا إلى جنبٍ مع عمليات الرصد المستمرة عن بُعد، فإن الاحتمالات العلمية لإجراء دراسات جديدة من أجل سبر أغوار هذه النظرية تبدو مثيرةً للغاية. فهذه الجبال الجليدية الهيدروجينية التي تطفو في بحرنا الكوني والتي تشكَّلت داخل نجومٍ لم تكتمل ربما تسبح هناك في انتظارنا، حاملةً في جعبتها الكثير من الأسرار. يقول سيليجمان: "هناك الكثير منها الذي يمكننا فعليًّا دراسته عن قرب".