لا يفصلنا عن انعقاد «المؤتمر السنوي للأمم المتحدة لتغير المناخ» (COP26) الذي سيُعقد في جلاسكو، إسكتلندا في شهر نوفمبر المقبل سوى تسعين يومًا، وهذا في ظل تزايُد الضغوط على الدول للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية.

دعا «اتفاق باريس» لعام 2015 إلى الالتزام بخفض درجات الحرارة العالمية إلى ما هو "أقل بكثير" من درجتين مئويتين، والسعي الجاهد للحد من الاحتباس الحراري بحيث لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية، ولكن منذ ذلك الحين، وجدت أحدث التطورات في علم المناخ أن درجتين مئويتين غير كافيتين لتجنُّب آثار تغير المناخ الأسوأ، معززةً ضرورة تحديث هدفنا إلى 1.5 درجة مئوية، لقد ارتفعت درجات الحرارة بالفعل بمقدار 1.2 درجة مئوية بما يفوق مستويات عصور ما قبل الصناعة، وهو ما أدى إلى وقوع فيضانات وحرائق وموجات جفاف مدمرة تصدرت عناوين الأخبار اليومية المقلقة، كل زيادة في درجات الحرارة تتجاوز مستوى الـ1.5 درجة مئوية، ستؤدي إلى تداعيات مدمرة ومُكلِّفَة ومتزايدة، لا سيما بالنسبة للمجتمعات والبلدان الأضعف بين البلدان منخفضة الدخل والدول الجزرية الصغيرة.

تقع «وكالة الطاقة الدولية» (IEA) -وهي منظمة حكومية دولية تصوغ سياسة الطاقة العالمية- حاليًّا تحت ضغوط شديدة لنقل هذه البيانات المُحَدَّثَة إلى أعضائها من الحكومات والشركات والأسواق من خلال تثبيت مسار توافقي مستمر يهدف إلى أن يكون الحد الأقصى لزيادة درجات الحرارة هو 1.5 درجة مئوية، في منشورها السنوي «توقعات الطاقة العالمية» (WEO)، الذي يُقرأ على نطاق واسع، تأسست «وكالة الطاقة الدولية» في عام 1974 ضمن سياق أزمة نفط موجعة، وأصبحت مصدرًا مؤثرًا للبيانات وتحليل الأسواق، وهذا بالإضافة إلى تفويضها تفويضًا موسعًا لضمان إتاحة طاقة نظيفة وموثوقة وبأسعار معقولة؛ إذ تمثل الطاقة أكبر مصدر للانبعاثات بشرية المنشأ من غازات الاحتباس الحراري، إذ يرتبط ما يقرب من ثلثي هذه الانبعاثات بعمليات إحراق الوقود الأحفوري، لذا، يُعد الإسراع بخفض انبعاثات الطاقة أمرًا محوريًّا للحفاظ على مستوى احتباس حراري لا يزيد على 1.5 درجة مئوية.

على الرغم من أن «وكالة الطاقة الدولية» لا توصي بمستوى معين من الاحتباس الحراري المقبول، توفر السيناريوهات المطروحة في تقريرها السنوي «توقعات الطاقة العالمية»، خرائط طريق مصيرية لعمليات اتخاذ القرارات السياسية والتجارية، وهذا من خلال تحديد الجدوى الاقتصادية المرتبطة بتحقيق أهداف السياسة المختلفة، حدث تحوُّل بارز في تركيز اهتمامات السياسة الدولية في عام 2018 بعد تقرير تحذيري أصدرته «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» (IPCC)، وهي هيئة الأمم المتحدة المسؤولة عن تقييم علوم تغير المناخ، والتي كشفت أن الحفاظ على مستوى احتباس حراري لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية، يتطلب تغييرات اجتماعية واقتصادية سريعة وعلى نطاق لم يسبق له مثيل تاريخي موثق.

السؤال الآن هو: كيف نصل إلى تحقيق ذلك؟ تبين لنا آخر المستجدات العلمية أن الفرصة تتضاءل للحفاظ على الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية، وتجنُّب المزيد من التأثيرات الكارثية، وهذا هو ما يصفه التقرير القادم من «توقعات الطاقة العالمية» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، بأنه بمنزلة تطبيق «خرائط جوجل» لأسواق الطاقة العالمية، ويمكن أن يصبح محوريًّا إذا واءمته بتثبيت الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية.

تحتوي تقارير «توقعات الطاقة العالمية» السابقة على سلسلة من السيناريوهات، إذ يتلقى السيناريو الرئيسي، ألا وهو «سيناريو سياسات الطاقة المعلنة» (STEPS) -السيناريو المرجعي الإرشادي- أكبر قدر من التفاصيل والاهتمام، يوضح هذا السيناريو عواقب التخاذل عن اتخاذ إجراءات إضافية للحفاظ على المناخ: وهي ارتفاع نسبة الاحتباس الحراري بمقدار يتراوح بين 2.7 درجة مئوية و3 درجات مئوية، وكما تصرح وكالة الطاقة الدولية، فإن إظهار عدم كفاية السياسات الحالية له مدلول مهم، وعلى الرغم من ذلك، لا بد للحكومات ومحللي الاستثمار والشركات ووسائل الإعلام من توخي الحذر عند تفسيرهم للسيناريو المرجعي الإرشادي على أنه الدليل التلقائي لاتخاذ القرار، لم يكن إهمال مواءمة سيناريو «توقعات الطاقة العالمية» الأساسي مع تثبيت الحفاظ على مستوى احتباس حراري مقداره 1.5 درجة مئوية، هو الطريقة الوحيدة التي أظهرت فقدان «الوكالة الدولية للطاقة» للتواصل مع وتيرة التغيير التكنولوجي والمعرفة العلمية.

انتقد كلٌّ من المجتمع العلمي والمجتمع المدني طريقة صياغة وكالة الطاقة الدولية لتقاريرها، وهذا لتحيزها الضمني الذي يخدم الوضع الراهن القائم على استخدام الوقود الأحفوري، وفضلًا عن ذلك، تقلل الوكالة بشدة من شأن ازدهار مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يهدد بعرقلة التحول إلى استخدام الطاقة المتجددة، تدعو حملة «عدِّلوا تقرير "توقعات الطاقة العالمية"» FixtheWEO# أيضًا إلى تعديل السيناريو الأساسي للتقرير بما يراعي ضرورة الحفاظ على درجة احتباس حراري أقل من 1.5 درجة مئوية.

وعلى الرغم من إبداء وكالة الطاقة الدولية إشارات على التحرك في الاتجاه الصحيح، فالإجماع الدولي على هدف الحفاظ على درجة احتباس حراري عند 1.5 درجة مئوية كواقع مسلم به لا يعتبر مسألة محسومة، في شهر مايو الماضي، وبناءً على طلب المملكة المتحدة التي ترأس «المؤتمر السنوي للأمم المتحدة لتغير المناخ»، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة أول دراسة شاملة لها حول كيفية الانتقال إلى «نظام صافي الطاقة صفر» بحلول عام 2050، ومنح العالم فرصة للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية، وقد كان هذا بمنزلة تغيير جذري في رسائل «وكالة الطاقة الدولية»، فبدلًا من الدعوة إلى مزيد من الاستثمار في النفط والغاز، خَلُصَت إلى أنه "ليس هناك حاجة إلى الاستثمار في إمدادات جديدة للوقود الأحفوري"، وعلى الرغم من ذلك، اعترضت دول منها اليابان والبرازيل وأستراليا على النتائج، وهذا لأنها تتعارض مع خطط توسعها في الوقود الأحفوري، إلا أن تسليط الضوء على الفجوات القائمة بين التزامات البلدان باتفاقية باريس للمناخ من ناحية، وإجراءاتها السياسية من ناحية أخرى، هو بالضبط ما يحتاجه العالم قبل انعقاد «المؤتمر السنوي للأمم المتحدة لتغير المناخ» في نوفمبر القادم.

نظرًا لاستخدام صانعي السياسات والمستثمرين على حدٍّ سواء تقرير «توقعات الطاقة العالمية» لتوظيف تريليونات الدولارات في الاستثمار في الطاقة، فالسيناريوهات التي يوليها التقرير الأولوية يمكن أن تصبح نبوءة سنحققها بأيدينا، إما نحو توافق عالمي مستقبلي على الحفاظ على درجة احتباس بواقع 1.5 درجة مئوية أو نحو تفاقم أزمة المناخ، في رسالة مفتوحة إلى فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، قال ستون شخصًا من قادة السياسة والاستثمار والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني: إن السيناريو المرجعي الإرشادي "لا يمثل مستوى ولا وتيرة تحوُّل كافيين"، وإنه "يرسم مسارًا خطيرًا"، انضمت كريستيانا فيجيريس، السكرتيرة التنفيذية السابقة «لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي» (UNFCCC)، واصفةً إضافة سياسة الـ1.5 درجة مئوية بما يتسق مع تقرير «توقعات الطاقة العالمية»، بأنها "المفتاح الذهبي" الذي سيفتح الأبواب لتطوير السياسات وتوظيف رؤوس المال.

يمثل الحفاظ على الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية تحدياتٍ اقتصاديةً وتقنيةً ضخمة، ولكن السيناريو البديل سيكون كوكبًا قابلية العيش عليه أقل، ومع تفوق نمو الطاقة العالمي على نزع الكربون، سيتطلب تحقيق مستقبل صالح للعيش خطة إرشادية تدعم توافق السياسات مع توصيات «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» بالحفاظ على الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية، وتوجه الاستثمار نحو مناخ مستقر.

يعتبر وضع سيناريو يتمحور حول الحفاظ على الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية في تقرير «توقعات الطاقة العالمية» أمرًا من شأنه أن يشكل مسارات السوق اللازمة للسماح للبلدان والشركات والمجتمعات بالتعاون لتحقيق هذا الهدف، وبينما يستعد المفاوضون لتشكيل مستقبل العمل المناخي في «المؤتمر السنوي للأمم المتحدة لتغير المناخ» القادم، تحتل الوكالة الدولية للطاقة موقعًا يسمح لها بتصدُّر هذا المسار في تقريرها «توقعات الطاقة العالمية» لعام 2021، وهذا في خضم ما يمكن أن يكون نقطة تحول محورية في هذا العقد الحاسم.

هذا المقال، هو مقال رأي تحليلي، والآراء التي عبرت عنها كاتبته لا تعكس بالضرورة آراء «ساينتفك أمريكان».