خلال جلسة استماعٍ عُقدت الأسبوع الماضي في الكونجرس الأمريكي، طرح النائب الجمهوري لوي جومرت من ولاية تكساس سؤالًا على مسؤولة دائرة الغابات الأمريكية حول ما إذا كان بمقدور منظمتها أو مكتب إدارة الأراضي تغيير مدار القمر أو الأرض لوقف الآثار المترتبة على التغيُّر المناخي الناجم عن النشاط البشري، تبدو فكرةً معقولة تمامًا، أليس كذلك؟ فلننقلها إذًا إلى حيز التنفيذ.

بادئ ذي بدء، يجب علينا تقييم ما لدينا من معطياتٍ في معادلتنا الخاصة بتحريك الأرض، يدور كوكبنا حول الشمس على مسافة 149.6 مليون كيلومتر في المتوسط، ويمتص ضوء الشمس بالقدر الذي يكفي ليصبح متوسط درجة حرارته نحو 15 درجة مئوية، ومع ذلك، فإن الرقم الأخير يختلف عن درجة حرارة الأرض المعتادة خلال القرن الماضي؛ إذ يتجاوزها بمقدارٍ يزيد قليلًا على درجة مئوية واحدة، باختصار، هذا العالم يعاني من حمى خفيفة، ووفقًا للتقديرات الحالية المُتفَق عليها، من المرجح أن تزداد تلك الحمى سوءًا إذا تُركت دون تحرُّك من جانبنا، وهو ما من شأنه أن يرفع متوسط درجة حرارة الأرض بمقدار درجة مئوية أخرى بحلول عقد الستينيات من القرن الحادي والعشرين، ومن التبعات المحتملة لهذه الزيادة أيضًا أن بعض أجزاء كوكبنا الأرضي المكتظة بالناس حاليًّا ستصير غير صالحة للسُّكنى فعليًّا، كما ستصبح استدامة الحضارة العالمية بمعناها الذي نعهده في خطر.

يُقصد بالتوازن الإشعاعي الاتزان بين الطاقة الواردة من أشعة الشمس والطاقة المُنبعثة من الأرض، وهو يُعد أساسًا يستند إليه فهمنا للتغيُّرات التي تحدث في درجة حرارة كوكبنا، على حد قول بريت شارينجهاوزن، اختصاصية علم فلك الكواكب في كلية بيلويت، المعادلة التالية التي خطَّتها شارينجهاوزن تُسلِّط الضوء على هذا التوازن.

A page from Britt Scharringhausen’s lab notebook, showing a handwritten equation for determining a planet’s radiative equilibrium, which sets its effective temperature.
إحدى صفحات دفتر الملحوظات المختبرية لبريت شارينجهاوزن، اختصاصية علم فلك الكواكب، تعرض معادلةً بخط اليد لتحديد التوازن الإشعاعي للكوكب (مظلل باللون الأخضر)، والذي يُحدِّد درجة حرارته الفعلية. Credit: Britt Scharringhausen

في هذه المعادلة، Teq هي درجة حرارة الأرض، وT هي درجة حرارة الشمس، وR هي نصف قطر الشمس، وX هي المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس، وA هي معامل الارتداد الإشعاعي للأرض، أو الانعكاسية*، تقيس الانعكاسية مدى قدرة كوكبنا على عكس الطاقة الشمسية؛ إذ يُمثِّل 0 امتصاصًا تامًّا للطاقة ويُمثِّل 1 انعكاسًا تامًّا، وهناك علاقة بين التغيُّر المناخي والانعكاسية؛ فالثلج والجليد، على سبيل المثال، يمتازان بدرجةٍ عالية من الانعكاسية، إذ يعكسان ما يصل إلى 90% من ضوء الشمس الذي يسقط عليهما إلى الفضاء الخارجي مرةً أخرى، ويتسبَّب الاحترار الناجم عن النشاط البشري في ذوبان الغطاء الثلجي والجليدي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض انعكاسية الأرض، هذا بدوره يؤدي في نهاية المطاف إلى رفع متوسط درجة حرارة الكوكب.

بعض المتغيرات الواردة في هذه المعادلة تتغير بشكلٍ طبيعي؛ فنجمنا يتضخم ببطء شديد ويزداد سطوعًا، إذ يصبح أكبر قليلًا وأكثر إشراقًا مع تقدمه في العمر، يقول إيثان سيجل، اختصاصي علم الفيزياء الفلكية النظرية والكاتب العلمي: إنه في الوقت الذي سوف تستغرق فيه الشمس 100 مليون سنة تقريبًا ليزداد سطوعها بنسبة 1%، من المتوقع أن تتسبَّب الحضارة العالمية التي تنبعث منها غازات الدفيئة في زيادة الطاقة الشمسية التي يحتفظ بها كوكب الأرض بنسبة 1% على مدى فترة قادمة تتراوح بين بضع مئات السنين و1000 سنة.

ولكي نجعل الأرض أكثر برودةً، نحن بحاجةٍ إلى تقليل أحد متغيرات الطرف الأيمن من المعادلة؛ فلا يمكننا بسهولة خفض درجة حرارة الشمس أو نصف قطرها، ومن الواضح أن أي تخفيضات ملموسة في انبعاثات غازات الدفيئة التي تحتجز الحرارة وتُغيِّر الانعكاسية غير واردة على الإطلاق، لذلك دعونا نأخذ بنصيحة النائب جومرت ونزيد ببساطة قيمة X، المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس، كل ما علينا فعله هو إيجاد طريقة لتحريك كتلة الأرض بأكملها، البالغة 5.972 سبتليون كيلوجرام بعيدًا عن الشمس، أمرٌ يسيرٌ، أليس كذلك؟

استنادًا إلى حسابات شارينجهاوزن، فإن خفض درجة الحرارة بمقدار ثلاث درجات مئوية لمواجهة الاحترار الناجم -في الوقت الحالي وفي المستقبل القريب- عن النشاط البشري سيتطلب منا تحريك كوكبنا مسافة ثلاثة ملايين كيلومتر إضافية بعيدًا عن الشمس، وباستخدام طريقة حساب أخرى تقريبية، وجدت شارينجهاوزن أن 5 × 1031 جول يمكن أن تدفع كتلة الأرض البالغة 5,972,000,000,000,000,000,000,000 كيلوجرام مسافة ثلاثة ملايين كيلومتر من مدارها الحالي، وتطرح هذه الأرقام تحدياتٍ أمام خطة النائب جومرت؛ لأن الإنتاج العالمي السنوي من الكهرباء يبلغ نحو 1019 جول، أو 0.0000000000002% من الطاقة الكلية التي نحتاج إليها من أجل تحريك الكرة الأرضية، وهذا أيضًا بافتراض أننا نستطيع استخدام كل هذه الطاقة في تحريك الأرض بكفاءة 100%، وهو أمرٌ يستحيل عمليًّا بمقتضى قوانين الديناميكا الحرارية.

وبعيدًا عن هذه التفاصيل، نحن لم نتطرق إلى الشكل الذي ستتخذه هذه الطاقة المستخدمة، هناك الخيار النووي الحرفي: إحدى الطرق التي اقترحها بعض العلماء لتحريك كويكب هي تفجير قنبلة نووية بالقرب منه، حسبما ذكرت شارينجهاوزن، التي أوضحت قائلةً: "سيؤدي ذلك في الأساس إلى تبخُّر جزءٍ من الكويكب، ويقوم البخار الصخري المتطاير مقام عوادم الصواريخ؛ إذ يدفع الكويكب محركًا إياه".

وبتوسيع نطاق مثل هذه الآلية، ربما توفر -من حيث المبدأ– الطاقة اللازمة لتغيير مدار كوكبٍ ما، إلا أن الأمر سيتطلب انفجاراتٍ نوويةً يتجاوز عددُها عددَ الانفجارات التي أحدثناها في الماضي بمليار مرة لتحريك الأرض قدر المسافة المطلوبة، أو ما يعادل إسقاط قنبلة ذرية كل ثانية لمدة 500 عام، وفقًا لجيزا جيوك، مدير قسم علم الفلك في قبة أدلر السماوية في شيكاغو، كما أن هذه الإستراتيجية التي تستند إلى التفجير المتواصل للقنابل النووية على مقربة من سطح الأرض بهدف تبخير أجزاءٍ منها لتصير أشبه بعوادم الصواريخ تنطوي على جوانب قصور عدة، وفيما يتعلق بموضوعنا، فإن التأثير الضار الأبرز هو أن الانفجارات نفسها من شأنها أن تعمل على تسخين الكوكب، وهو ما يناقض الهدف المعلن المُتمثِّل في وقف الاحترار العالمي.

ثمة خيارٌ أخفُّ وطأةً من هذا، وهو الاستعانة بطاقة الأجرام السماوية الأخرى، مثل الكويكبات أو المذنبات المارة، عن طريق اتخاذ التدابير التي تجعلها تُحلِّق قريبًا من كوكبنا، تستخدم المركبات الفضائية هذه التقنية بانتظام ولكن بصورة عكسية، إذ تزيد المركبة من سرعتها بالمرور على مقربة من كوكبٍ لسلب جزء من طاقته المدارية، وقد حقَّقت نجاحًا كبيرًا، يقول سيجل إنه فيما يتعلق بتحريك كوكبنا، تكمن المشكلة في اختلاف درجة الضخامة؛ إذ إن الكتلة الكلية لحزام الكويكبات لا تُمثِّل سوى 4 إلى 5% من كتلة القمر، أو 0.05 إلى 0.06% من كتلة الأرض، وأضاف أن استخدام كتلة حزام الكويكبات بأكمله في عمليات التحليق على مقربة من الأرض من شأنه أن يحركها بعيدًا عن الشمس لمسافة تقل عن 748 ألف كيلومتر، أو بعبارة أخرى ربع المسافة التي نحتاج إليها، وسيؤدي تصادمٌ واحدٌ خارج المسار مع كوكبنا إلى حدوث دمار يقارب الدمار الذي تسبَّب فيه اصطدام كويكب بالأرض كانت نتيجته أن قضى على الديناصورات في عملية انقراض جماعي عالمي.

ولحسن الحظ، تقبع في فنائنا الخلفي صخرةٌ فضائية أكبر بكثير، إنه القمر نفسه، فهل بمقدورنا أن "نقطع" خيط الجاذبية الذي يربط القمر بالأرض، وبذا نقذف كوكبنا في مدار أوسع؟ لا يرى سيجل أي طريقة تمكِّننا من ذلك في الوقت الحالي، ويعتقد أن العواقب ستكون كارثية؛ فبالإضافة إلى حدوث انخفاض كبير في المد والجزر، سيصير ليل الأرض أشد ظلمةً من دون القمر، كما سيزداد نهارها قصرًا وفصولها تطرفًا، وسيتعذر التنبؤ بتلك الفصول، كل هذا بسبب عدم استقرار محور الدوران.

ماذا لو اكتفينا بتغيير مدار قمرنا الطبيعي حول الأرض بدلًا من التخلص منه بالكلية؟ إن زيادة نصف قطر مدار القمر بنسبة 10% من شأنه أن يؤثر على مدار الأرض حول الشمس على المدى الطويل، كما يقول ماتيو سيريوتي، اختصاصي علم الصواريخ في كلية جيمس واط للهندسة بجامعة جلاسجو.

يشير سيريوتي إلى أنه بمقدورنا استخلاص مادة القمر وتحريرها منه؛ فعن طريق استخدام ليزر 100 جيجاواط، أو ليزر ذي سعة طاقة تَعدِل تقريبًا سعة طاقة كل توربينات الرياح في الولايات المتحدة، سوف يستغرق رفع كميات كافية من المادة من سطح القمر 300 تريليون سنة، ويظل الخيار النووي المذكور أعلاه قائمًا على الدوام، إذ يُمكن استخدامه لتحريك القمر بدلًا من الأرض، وثمة خيارٌ آخر أقل فوضويةً يتمثَّل في استخراج مادة القمر يدويًّا باستخدام الصواريخ التقليدية.

يقول سيريوتي: "إذا استطعنا بناء ميناء فضائي على القمر وبناء صاروخ مكافئ لصاروخ "فالكون هيفي" التابع لشركة "سبيس إكس" SpaceX لإطلاق مادة القمر في الفضاء السحيق، فقد نحتاج إلى 7 x 1016 عملية إطلاق"، أي 70 تريليون عملية إطلاق صاروخية، وعلى سبيل المقارنة، لم يتأتَّ للبشرية خلال عصر الفضاء بأكمله سوى 70,780 عملية إطلاق، وأكثر من نصفها لم يغادر الغلاف الجوي للأرض.

يعتقد جيوك أن البشر قادرون على إدخال تعديلٍ على نهج استخدام الكويكبات في فكرة التحليق على مقربة من الأرض، وأن يوجهوا تلك الكويكبات في مسار تصادم مع القمر، وهذا معناه أننا سنكون بحاجة إلى اصطدام مذنباتٍ بالقمر يُقدَّر حجمها بالكيلومتر، وذلك كل ثانية على مدار 200 عام من أجل إحداث فارقٍ جوهري، لكن على الجانب الآخر، يمكن أن تتسبَّب قذيفةٌ تخرج عن المسار في انقراضٍ جماعي على ظهر الكوكب.

ونظرًا إلى ضخامة التغيير الذي تستلزمه زيادةُ مدار الأرض، فمن الضروري أن يستمر أي تدخل لملايين السنين على أدنى تقدير، الأمر الذي يطرح مشكلةً اجتماعيةً غير متوقعة، حسبما يقول جيوك: لم يسبق لنا أن خططنا على أساس نطاقات زمنية طويلة كهذه، وفي الواقع، لم تصمد حضارةٌ في تاريخ البشرية أكثر من بضعة آلافٍ من السنين.

وأخيرًا، حتى لو نجح البشر في تغيير مدار كوكبنا باستخدام أيٍّ من تلك الأساليب، فلن يكون بمقدورهم الركون إلى هذا التغيير، على حد زعم سيجل، الذي يضيف قائلًا: "إذا استطعنا بطريقةٍ ما إحداث هذا التغيير الهائل في مدار الأرض، فهذا لن يعفينا من مسؤولية أننا سنظل بحاجة إلى إجراء هذا التغيير ما دمنا مستمرين في زيادة تركيز غازات الدفيئة في غلافنا الجوي".

يبدو هذا، بالنسبة لي، بمنزلة إقرارٍ مثير للوضع الراهن الذي أدْمنَّا فيه الوقود الأحفوري! يجب أن نعطي الأولوية على الفور لتوجيه كامل طاقتنا نحو تغيير مدار الأرض، بدءًا من الآن وإلى الأبد، لا شك أنها مهمة عبثية تؤدي فيها البشرية دور سيزيف، والصخرة التي يدفعها صعودًا إلى الأبد هي الأرض نفسها، لكننا سنتمكن على الأقل من مواصلة قيادة سياراتنا الرياضية الرائعة متعددة الاستخدامات! أرى أن نبدأ العمل نحو هذا الهدف من الآن.