كيف نقرر ما نحب أن نأكله؟ على الرغم من أن الأطعمة اللذيذة عادةً ما تتصدر القائمة، فإن عددًا من الدراسات يشير إلى أن تفضيلات الطعام تتجاوز مسألة الاستساغة. فقد وجد العلماء أن كلًّا من البشر والحيوانات يمكنهم أن يحددوا خياراتهم بشأن ما يستهلكونه من طعام بناءً على محتوى السعرات الحرارية للغذاء، بغض النظر عن المذاق.

وقد أظهرت أبحاث استمرت عقودًا عديدة أن المغذيات في الجهاز الهضمي يمكن أن تشكِّل تفضيلات النكهة لدى الحيوانات. ويعود أحد أقدم اكتشافات هذا التأثير إلى ستينيات القرن العشرين، عندما أشار جارفين هولمان، من جامعة واشنطن، إلى أن الفئران الجائعة فضَّلت تناوُل سائل ممتزج بغذاء يجري حَقنه في المعدة على تناوُل محلول ممزوج بمنقوع معوي من الماء.

ولاحقًا، بيَّن إيفان دي أروجو –وهو عالِم أعصاب بكلية أيكان للطب في منظومة ماونت سايناي للرعاية الصحية في نيويورك– وزملاؤه أن السعرات الحرارية يمكن أن تفوق الاستساغة. فقد أثبت بحثهم أن الفئران تفضِّل تناوُل محاليل مُرة مقترنة بمنقوع سكر يتم حقنها في الأمعاء على تناوُل محلول حلو المذاق خالٍ من السعرات الحرارية.

على مدار سنوات، عمل دي أروجو ومجموعته على تحليل الطريقة التي تنتج بها محتويات الأمعاء الشعورَ بالمتعة في الدماغ. وقد وجدوا أن السكر الموجود في الجهاز الهضمي للفئران يمكن أن ينشط مراكز المكافأة في الدماغ. وفي الحيوانات التي تُولَد دون قدرة على تذوُّق الأشياء الحلوة، أدت الوجبات السكرية الخفيفة إلى حفز نشاط المخطط البطني ventral striatum، وهو منطقة في الدماغ مسؤولة عن معالجة المكافأة. ولكن، وفقًا لقول دي أروجو، فإن المسار المحدد الذي ينقل الإشارات بين الأمعاء والدماغ ظل لغزًا غامضًا.

ومؤخرًا، حدد دي أروجو وزملاؤه العَصَب المُبْهَم‎ vagus nerve -وهو عبارة عن حزمة من الألياف تربط جذع الدماغ بالأمعاء وأعضاء رئيسة أخرى في الجسم– بوصفه قناةً محتملةً لهذه الإشارات التي تنقلها القناة الهضمية والمرتبطة بالشعور بالمتعة إلى الدماغ، على الأقل في الفئران. وباستخدام تقنية البصريات الوراثية optogenetics –وهي تقنية تتضمن هندسة الحيوانات وراثيًّا حتى تتمكن ومضات من الضوء من تنشيط خلايا محددة– اكتشف الباحثون أن الخلايا العصبية المحفزة في فروع تعصيب القناة الهضمية للعَصَب المُبْهَم يمكنها تحفيز إطلاق الناقل العصبي دوبامين من المادة السوداء، وهي منطقة دماغية تشارك في الحركة والمكافأة.

وأيضًا تكشف النتائج –التي نُشرت مؤخرًا في مجلة Cell– أن الحيوانات قامت بوخز أنوفها على نحوٍ متكرر، مُحْدِثةً فيها ثقوبًا لتحفيز هذه الخلايا ذاتيًّا، وأنها كانت تفضل النكهات المقترنة بتنشيط هذه الدائرة. وفي هذا السياق يقول دي أروجو: "[دراستنا] تقدم آلية نفهم من خلالها لماذا يغير وجود السعرات الحرارية أو المغذيات في الأمعاء من سلوكنا".

ويشير جاري شوارتز –وهو عالِم أعصاب في كلية ألبرت آينشتاين للطب، ولم يكن مشاركًا في الدراسة– إلى أن الدراسات المستقبلية ستحتاج إلى الكشف عن أنواع مثيرات الأمعاء –من قبيل وجود أطعمة محددة، أو تمدُّد المعدة بعد تناول الوجبات– التي تنشط هذا المسار. ويضيف قائلًا: "إذا عرفنا أنواع المثيرات التي يجب أن نمنحها للأمعاء لجعل ]الطعام[ يمثل مكافأةً أو لا يمثل مكافأة، فربما يمكننا المساعدة في السيطرة على الإفراط في تناول الطعام، أو جعل الناس الذين لا يرغبون في تناوُل الطعام يأكلون أكثر".

ويقول سكوت كانوسكي، عالِم الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا، الذي لم يشارك في الدراسة: إن العلماء عرفوا منذ وقت طويل أن مسار "الأمعاء –العَصَب المُبْهَم –الدماغ" مسؤول عن توليد الشعور بالشبع، لكن هذه الدراسة الحديثة –وغيرها من الأبحاث الحديثة– بدأت في الكشف عن أدوار جديدة لهذا الجهاز في وظائف الدماغ العليا. ففي وقت مبكر من هذا العام، وجد فريقه أن هذه الدائرة تتحكم أيضًا في بعض وظائف الذاكرة. فقد اكتشف الفريق أن القَطْع الانتقائي لفروع العَصَب المُبْهَم المتصلة بالأمعاء أدى إلى إعطاب قدرة الحيوانات على تكوين ذكريات للأشياء أو المواقع الجديدة.

وبطبيعة الحال، يمثل إجراء بحوث إضافية ضرورةً للتأكُّد من أن هذا النوع من الدوائر يُحدث التأثيرات السلوكية ذاتها لدى البشر. وفي الوقت نفسه، يُستخدم التحفيز المبهم بالفعل لمعالجة الاضطرابات العاطفية واضطرابات تناوُل الطعام، مثل الاكتئاب والسمنة. وثمة اهتمام متزايد باستخدام هذا الأسلوب كعلاج لاضطرابات القلق ومجموعة متنوعة من الحالات المرضية الأخرى، وحتى داء ألزهايمر واضطرابات الذاكرة ذات الصلة، حسبما يقول كانوسكي. ويضيف قائلًا: "إن فهم المزيد عن بيولوجيا هذا الجهاز قد يؤثر على التطبيقات المستقبلية".

لكن يبقى سؤال مهم عن مسارات "الأمعاء –العَصَب المُبْهَم –الدماغ" هذه، وهو: كيف تنتقل المعلومات عن محتويات الأمعاء إلى الفروع الحسية للعصب المبهم؟ يقول دي أروجو إن أحد الاحتمالات هو أن العصب المبهم يحس بالهرمونات الموجودة داخل الأمعاء. وثمة احتمال آخر جرى توضيحه في دراسة حديثة نشرتها دورية ساينس Science، إذ اكتشف دييجو بوركيز –عالِم الأعصاب في جامعة ديوك– وزملاؤه أن بعض خلايا الغدد الصماء المعوية، التي توجد في جدران الجهاز الهضمي، تشكل مباشرةً نقاطَ تَشابُك عصبي مع الأعصاب المبهمة للفئران. ويمكن لإدخال محفز بيئي في الأمعاء –وهو السكر في هذه الحالة– أن ينشط هذه الدائرة. وقد أطلق بوركيز –الذي كان مشاركًا أيضًا في دراسة دي أروجو– على هذه الخلايا المعوية المكونة للمشابك العصبية اسم "أغلفة عصبية" neuropods.

ويقول جون كرايان، عالِم الأعصاب في جامعة كوليدج كورك في أيرلندا، والذي لم يشارك في أيٍّ من الدراستين: إنه إضافة إلى نقل المعلومات عن المغذيات في الجهاز الهضمي، ربما تكون هذه الدوائر المبهمة المكتشفة حديثًا مسؤولة أيضًا عن إرسال إشارات بكتيرية من الأمعاء إلى الدماغ. وتعزز مجموعة كبيرة من الأبحاث الآن نتائج تؤكد أن الكائنات الميكروسكوبية في أمعائنا يمكن أن تؤثر على السلوك والصحة العقلية، بل تشير بعض الأدلة فعليًّا إلى أن العَصَب المُبْهَم يمثل مسارًا محتملًا يمكن أن تحدث من خلاله هذه التأثيرات. وفي دراسة أُجريت في عام 2011، أثبت كرايان وزملاؤه أن قطع الأعصاب المبهمة لدى الفئران منع آثار الحد من القلق للبكتيريا المفيدة Lactobacillus rhamnosus. وأظهرت هذه الدراسة أهمية العصب المبهم لإرسال إشارات إلى الدماغ عن طريق سلالات معينة من البكتيريا. لكن تبقى الطريقة التي ترسل بها الميكروبات الإشارات إلى العصب المبهم سؤالًا لا إجابة له.

يقول كرايان: "سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت الأيضات من الميكروبيوم قادرةً على تنشيط هذه الأغلفة العصبية [أو] مسار المكافأة". ويضيف: "أعتقد أن هذا أمر مثير حقًّا لمجال الميكروبات".