تبدو الأسماء مثل قائمة الضيوف في واحدة من أكثر حفلات العشاء إثارة على الإطلاق: مايلز ديفيس، أرسطو، دارلين لوف، ألبرت آينشتاين، آندي وارهول وبِن وجيري، هؤلاء هم فقط بعض الأشخاص الذين يرد ذكرهم في كتاب "المعادلة" The Formula، وهو كتاب جديد عن "قوانين النجاح" كتبه العالم المتخصّص في علم الشبكات ألبرت لاسلو باراباسي.

يقول باراباسي -مدير "مركز أبحاث الشبكات المعقدة" في جامعة نورث إيسترن- مفسرًا سبب هذه التشكيلة المنتقاة: "لا بدَّ أن تشعر بالمتعة عندما تكتب كتابًا، وفي الوقت ذاته تهدف أيضًا إلى التنوع". وسبب آخر هو أن: "هذه القوانين تنطبق علينا جميعًا، بغضِّ النظر عن الزمن الذي تعيش فيه ومجال اهتمامك".

خطرت لباراباسي فكرة الكتاب بعد أن تحوَّل بحث "رائع" صادر عن مختبر الشبكات الذي يعمل به، بخصوص استخدام الهواتف المحمولة في اكتشاف الكوارث، إلى كارثة هو ذاته.

يقول متذكرًا: "لقد كان فشلًا ذريعًا، فقد ظلت دورية تلو الأخرى ترفض نشره"، وحينها قال مازحًا لأحد زملائه الذين عملوا في المشروع المشؤوم إنه ينبغي عليهم في المرة المقبلة التركيز على النجاح بدلًا من الكوارث.

وعلى مدار الأعوام الثمانية التالية كان هذا بالضبط ما فعلوه، إذ عملوا على تجميع وتحليل قواعد بيانات ضخمة لمجموعة متنوعة من المجالات، تشمل العلوم والرياضة والتجارة والفنون، واحتوت إحدى قواعد البيانات على جميع الأبحاث التي كُتِبَت على الإطلاق، وهو ما مكَّنهم من "إعادة بناء الحياة المهنية لكل عالم نشرت له أبحاث منذ قرن أو يزيد".

وتتبعت قاعدة بيانات أخرى الحياة المهنية لمئات الآلاف من الفنانيين حول العالم من عام 1980 إلى عام 2016، إضافة إلى معلومات عن ملايين المزادات والمعارض "في أكثر من 14 ألف صالة عرض وما يقرب من ثمانية آلاف متحف".

وكانت النتيجة: سلسلة من الأبحاث (التي قُبِلَت جميعها للنشر فيما بعد)، وفي النهاية، نُشِرَ كتاب "المعادلة: القوانين العامة للنجاح" The Formula: The Universal laws of Success في الشهر الماضي بواسطة دار النشر "ليتل، براون آند كومباني".

تحدث باراباسي مع "ساينتفك  أمريكان" بشأن علم النجاح.

[وفيما يلي نسخة محرَّرة من نص المقابلة].

ما تعريفك للنجاح؟

اجتهدنا كثيرًا في الأبحاث للتمييز بين الأداء والنجاح، وفي نهاية الأمر، وجدنا أن التعريف الملائم بالفعل في مجال العلوم أن الأداء هو ما تفعله بوصفك فردًا، أما النجاح فهو الكيفية التي ينظر بها المجتمع إلى أدائك، ومدى اعترافه به ومكافأتك عليه في النهاية، بعبارة أخرى، الأداء يتعلق بك أنت، أما النجاح فيتعلق بنا نحن في واقع الأمر.

الأداء هو اللوحات التي ترسمها، أو الأبحاث التي تكتبها، أو المنتجات التي تصممها، أما النجاح فهو ما إذا كان الناس بالفعل سيشترون لوحاتك، أو يستشهدون بأبحاثك، أو يكافئونك على منتج صممته بشرائهم أو استخدامهم له.

إذًا فالموهبة والعمل الجاد وحدهما، أي الأداء الاستثنائي، عوامل غير كافية لتحقيق النجاح؟

الموهبة والعمل الجاد هما ما يدفعان الأداء، أما النجاح فمختلف تمامًا عن ذلك. والسبب الذي دفعني إلى تأليف كتاب "المعادلة" مساعدة الناس على أن يفهموا أنه يمكنك أن تتمتع بموهبة كبيرة وأن تعمل باجتهاد شديد، ومع ذلك، في مجالات محدّدة، لا يعني هذا ضمنيًا تحقيق النجاح في النهاية، فإذا كنت في المجال الرياضي، حيث يمكن قياس الأداء بدقة، فعندها تؤدي الموهبة حتمًا إلى النجاح، ولكن أغلبنا يعمل في مجالات لا يمكن قياس الأداء فيها بدقة، أو لا يمكن قياسه على الإطلاق، وفي مثل هذه الحالات، تقود معايير أخرى إلى النجاح.

مثل عالم الفنون الجميلة، إذ اكتشفت من خلال بحثك أن نجاح الفرد يعتمد على شبكة معينة من صالات العروض والمتاحف.

مجال الفنون شديد الجاذبية بالنسبة لي، لأنه حقًا أحد المجالات التي يستحيل فيها قياس الأداء، إلا أنه يوجد معايير واضحة جدًا للنجاح.

إننا لا نستطيع أن ننظر بموضوعية إلى قطعة فنية ونحدد، دون معرفة مكان عرض اللوحة -مثل "متحف الفن الحديث" مثلًا- ما إذا كانت عملًا فنيًا قيِّمًا أم قطعة ليست ذات قيمة، لذا فإن قيمة القطعة الفنية تُستَمَد أساسًا من السياق الذي نشأت فيه، ومن الفنان وسمعته، والمنتجات الفنية التي سبقت هذا العمل الفني أو تلته، إضافة إلى تقبُل المؤسسات هذا العمل باعتباره عملًا فنيًا ذا قيمة من عدمه.

في أحد مواضع الكتاب، كتبتَ تقول إن "قوانين النجاح تحكمت في حياتنا ومساراتنا المهنية على نحو ثابت مثل الجاذبية عبر القرون"، يبدو هذا تصريحًا شديد الجرأة.

تُستَمَد القوانين من الأنماط، وما نتحدث عنه هنا أنماط تنطبق بصورة عامة جدًا على كل ظاهرة من ظواهر النجاح، لذا أشعر بقوة أنها يمكن أن ترتقي إلى مستوى القوانين، ومع ذلك، عادة ما يسأل الناس: "هل جميعها تنطبق عليّ؟ وإن لم تكن تنطبق عليّ، فهل هي قوانين؟" وإجابتي هي: لا، فهي لا تنطبق كلها عليك معًا في وقت واحد، يتوقف الأمر حقًا على ظروفك التي تنطبق عليها القوانين؛ مثل المرحلة التي وصلت إليها في حياتك المهنية، وما إذا كنت تعمل ضمن فريق أو منفردًا.

لماذا تطلَّب الأمر عالمًا متخصصًا في الشبكات لاكتشاف الآليات الأساسية للنجاح؟

ثمة أسباب عديدة: أحدها أنه في اللحظة التي نُقِر فيها بأن النجاح يتعلّق بالمجتمع يصير النجاح مرتبطًا بالبيانات الضخمة، حيث تكون العلاقات بين العناصر المختلفة في غاية الأهمية، لذا فإن المعرفة بالشبكات أمر ضروري، كذلك فإنني أناقش في الكتاب مطولًا دور الحظ ودور الشبكات إضافة إلى جوانب أخرى، ويتطلب استنباط هذه الفروق فهمًا للمكونات الاحتمالية [المحدّدة عشوائيًا] في النظام، إنني عالم في الشبكات، لكني تعلّمت الفيزياء الإحصائية، ما يعني أن مجموعة أدواتي الأساسية هي فهم كيفية نشأة النظام في منتصف العديد من الأحداث العشوائية.

كتابك، ومجال علم النجاح الناشئ، لم يكونا ليظهرا إلى الوجود لولا البيانات الضخمة؟

هذا صحيح تمامًا، ويرجع السبب في ذلك جزئيًا إلى الطبيعة التراكمية للنجاح، كما أن البيانات الضخمة أظهرت أن المفاهيم المتأصلة للنجاح التي كانت لدينا في السابق كانت خاطئة فعلًا، مثل العلاقة بين العمر والإبداع.

حسنًا إذًا، إن بحثك يفنِّد الفكرة التي كانت سائدة في العلوم، والتي تفيد بأن فرص الشخص في النجاح تنخفض مع التقدم في العمر.

نعم، لقد غيّرت طريقتي في التفكير بشأن حياتي المهنية وما ينتظرني، علمًا بأني تخطيت الخمسين من عمري للتو.

في تحليلك للأبحاث العلمية، وجدت أن الإنتاجية هي العامل الجوهري وليس العمر؛ أي إن الأوان لا يفوت أبدًا على تحقيق النجاح.

أتمنّى أن يشعر القرّاء بذلك، لأن هذا الاكتشاف قد غيَّر تمامًا من النهج الذي أتبعه في عملي بالمختبر. فبناءً على البيانات السابقة وجميع الأدلة المتوافرة، عليّ فقط الاكتفاء بتأليف الكتب الآن وألا أحاول إجراء أي أبحاث، لأننا إذا نظرنا إلى البيانات بالطريقة التقليدية فإن فُرصي في التفوق على أبحاثي السابقة لن تتجاوز 1%، إلا أن بياناتنا أظهرت أنني طالما حافظت على مستوى إنتاجيتي، فإن أكبر الاكتشافات التي يمكن أن أحققها في حياتي المهنية ربما كانت ستتحقق في المستقبل.

كيف يختلف كتابك عن باقي الكتب الكثيرة التي تتناول موضوع النجاح؟

ثمة العديد من الكتب القيّمة التي كتبها رجال أعمال وعلماء وفنانون ورياضيون ناجحون يعرضون لنا أسرار نجاحهم، كما أن هناك كتبًا أخرى يختار فيها المؤلفون عشرة أو مئة من الأشخاص الناجحين ويستخلصون الأنماط المشتركة بينهم.

المشكلة التي تواجهني مع هذه الأساليب: افتقارها إلى العينة المرجعية الضابطة، فعلى سبيل المثال، ربما تخلص بعد متابعتك لمئة شخص يستيقظون في الساعة السادسة ويشرعون في العمل فورًا إلى أن هذا هو سر النجاح، ولكنك ستجد بعد ذلك عشرة ملايين شخص يستيقظون في السادسة أيضًا ولكنهم ليسوا ناجحين، لذا فإن ما حاولنا فعله هو ألا ننظر فقط إلى الأشخاص الناجحين والأبحاث الناجحة والشركات الناجحة، ولكن إلى كل الأشخاص الذين يتنافسون في نفس المجال، مع إيلاء نفس القدر من الاهتمام لهؤلاء الذين فشلوا وأولئك الذين نجحوا، وقد أتاح ذلك لنا أن نستخلص هذه الأنماط.

هل تعتبر نفسك ناجحًا؟

وفقًا لمعايير معينة، نعم، ووفقًا لمعايير أخرى، لا يزال أمامي الكثير لأحققه، ولكنني دائمًا أحاول تحقيق النجاح عن طريق الأداء.

ولكنك تعرف أن الأداء ليس كافيًا

هذا صحيح، ولكن الكتاب يقرّ بوضوح شديد أنه ليس هناك نجاح دون أداء، كتاب "المعادلة" ليس كتابًا يريد أن يجعل منك شخصًا ناجحًا دون أن يدعمك أداء قوي، بل دوره أن يسرّع من نجاحك إذا كنت تقدم الأداء المطلوب.

المعادلة: القوانين العامة للنجاح

تأليف: ألبرت لاسلو باراباسي

القانون الأول

الأداء يؤدي إلى النجاح، لكن حين لا يمكن قياس الأداء، فإن الشبكات تقود إلى النجاح.

القانون الثاني

الأداء محدود، أما النجاح فغير محدود.

القانون الثالث

النجاح السابق × اللياقة = النجاح المستقبلي.

القانون الرابع

في حين يتطلب نجاح الفريق التنوّع والتوازن، يتلقّى الفرد التقدير نظير إنجازات المجموعة.

القانون الخامس

بالإصرار، يمكن للنجاح أن يأتي في أي وقت أو عمر.