منذ اكتشاف الطفيل القاتل المُسبِّب لمرض الملاريا في أواخر القرن التاسع عشر، يخوض العلماء وخبراء الصحة في جميع أنحاء العالم معركةً شعواء لا تنتهي ضد هذا المرض، وقد استعان البشر في تلك المعركة بترسانةٍ من الأدوات، تشمل شبكات البعوض، والفحوصات السريعة، والعقاقير، وذلك للتصدي لهذا الطفيل الذي ينتقل عن طريق البعوض، ويتحور بمكرٍ لكي يصبح مقاومًا للعلاجات الدوائية، وقد استطعنا مجابهته حتى الآن، فقد انخفض عدد وفيات المرض على مستوى العالم إلى 409 آلاف حالة في عام 2019، مقارنةً بعددٍ بلغ 585 ألف حالة في عام 2010، كما أنَّ بعض البلدان نجحت في القضاء على المرض تمامًا، أو هي في طريقها إلى ذلك.

لكنَّ أكثر من 90% من حالات الوفاة تقع في قارة إفريقيا، بالإضافة إلى أنَّ هناك تهديدًا في الوقت الحالي قد يعطل تقدمنا في مكافحة المرض، ويعيدنا إلى خانة الصفر؛ فقد اكتشف الباحثون في رواندا سلالةً من طفيل الملاريا P. falciparum تحمل طفراتٍ في الجين المعروف باسم K13، تُمكِّنه من مقاومة عقار "أرتميسينين" artemisinin، الذي يُعد العقار الأساسي فيما يُعرف بالتوليفات العلاجية القائمة على الأرتميسينين (ACTs)، والتي تُعد أكثر علاجات الملاريا المستخدمة شيوعًا، ورغم أنَّ هذه التوليفات ما زالت فعالةً، فإنَّ ضعفها قد يسفر عن وقوع المزيد من حالات الوفاة في القارة، وزيادة انتشار المقاومة المُكتسَبة تجاه علاجات الملاريا، وفقدان الثقة بها.

ومن ثمَّ، علينا أن نتحرك فورًا لتكثيف جهود الرصد والمتابعة التي تركز على العلامات الدالة على نشوء طفراتٍ جديدة في جين K13، حتى ونحن نخوض معركتنا ضد جائحة "كوفيد-19"، وإلى جانب التكتيكات الأساسية، مثل توفير شبكات البعوض المُعالَجة بالمبيدات الحشرية، هناك بعض التدابير التي قد تساعد في تحقيق تقدمٍ ملموس.

أولًا، ينبغي التأكد من أنَّ مقدمي خدمات الرعاية الصحية والمرضى يستخدمون العقاقير بطريقةٍ فعالة؛ فحين يُخطئ مقدمو الخدمات في وصف العلاجات، أو عندما لا يتناول المرضى جرعات الأدوية كاملةً كما وُصِفَت لهم، يُسهم ذلك في نشوء طفيليات الملاريا المقاومة للعقاقير، ومن ثمَّ، يتعين على الحكومات وبرامج الصحة العالمية أن تشدد على أهمية مراعاة الأمان والفاعلية عند وصف التوليفات العلاجية القائمة على الأرتميسينين، وعلى أهمية استخدامها على النحو المناسب؛ فعلى سبيل المثال، تدعم منظمة العلوم الإدارية للصحة (MSH) جهود متابعة حالات الإصابة بالملاريا في بنين، ومدغشقر، ومالاوي، ونيجيريا، وذلك بالأساس من خلال المبادرات المُموَّلة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، إذ تدرب المنظمة مقدمي خدمات الرعاية الصحية على الالتزام بالمبادئ التوجيهية الوطنية لعلاج الملاريا، وتقدم لهم النصح والمشورة، وتقيِّم أداءهم.

وثانيًا، ينبغي أن نعمل فورًا على أن تظل التوليفات العلاجية القائمة على الأرتميسينين فعالةً إلى أطول فترةٍ ممكنة، وهذه المعركة لتأخير انتشار الطفيليات المقاومة لها ينبغي خوضها على جبهتين: الأولى هي تشجيع استخدام الأدوية مضمونة الجودة بالجرعات الصحيحة، ومتابعة فاعليتها العلاجية باستمرار لرصد أي علاماتٍ تدل على مقاومة الطفيليات لها، أمَّا الجبهة الثانية فهي دعم البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا، حتى تُجيز أكثر من علاجٍ من العلاجات القائمة على الأرتميسينين وتستخدمها جميعًا، مثل علاجات الخطة الثانية، التي يُلجأ إليها في حالة فشل خطة العلاج الأولى، أو حتى استخدام عددٍ من علاجات الخطة الأولى مع إضافة جرعةٍ صغيرة من عقار "برايماكوين" primaquine، للمساعدة في منع انتقال الطفيليات المُقاوِمة للعقاقير فيما بين الناس، وذلك على نحوٍ يتفق مع توجيهات منظمة الصحة العالمية، وتُدرَس أيضًا في الوقت الحالي إستراتيجياتٌ أخرى، مثل إضافة عقارٍ ثالث إلى إحدى هذه التوليفات العلاجية، لتكوين ما يُعرف بالتوليفات العلاجية الثلاثية القائمة على الأرتميسينين (TACT)، وأخيرًا، علينا أن نعترف بأنَّ فاعلية العقاقير المتاحة لدينا اليوم ربما تكون في طريقها إلى الزوال، وقد يستغرق هذا وقتًا طويلًا، لكن علينا أن نستعد للغد.

ثالثًا، ينبغي تطوير جيلٍ جديد من علاجات الملاريا، وفي هذا الصدد، فإنَّ منظمة مشروع أدوية الملاريا (MMV)، وهي منظمة غير ربحية معنية بالبحث والتطوير، تمكَّنت بالتعاون مع شركائها في مجال الأبحاث وصناعة الدواء من تطوير أكبر مجموعة من الأدوية المضادة للملاريا في التاريخ، وبالتعاون مع شركة الرعاية الصحية السويسرية "نوفارتس" Novartis، يجري الآن تطوير أحدث الأدوية المضادة للملاريا التي تستهدف الطفيليات التي تُبدي مقاومةً للعقاقير المتاحة حاليًّا، ويخضع هذا الدواء في الوقت الحالي للتجارب الإكلينيكية، وهدفه هو علاج الأطفال بدايةً من سن ستة أشهر؛ إذ إنَّ الأطفال دون سن الخامسة يمثلون النسبة الكبرى من ضحايا الملاريا بين جميع الفئات العمرية، ومن ثمَّ، يتعين على البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا أن تستعد لإدراج هذا الدواء الجديد المنتظر في ميزانياتها وتوجيهاتها العلاجية فور توافره.

رابعًا، لا بد من تحسين قدرة المختبرات على إجراء الفحوصات المعملية؛ فمن الضروري للحفاظ على التقدم المُحرَز في مكافحة المرض أن تتوافر أنظمة رصد أكثر تطورًا، لتتتبَّع انتشار طفيليات البلازموديا المُقاومة للعقاقير، باستخدام وسائل عديدة منها التقنيات الجينومية والجزيئية، لكنَّ العديد من البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى ما زالت لا تملك الموارد اللازمة لتحديد التسلسل الجيني لطفيليات الملاريا بالكفاءة المطلوبة، مثل المعدات والكوادر البشرية والتمويل والبنية التحتية، وهنا أيضًا يتعين على المستثمرين والجهات المتعاونة مع تلك البلاد أن يعملوا على تحسين قدراتها، وفي هذا الصدد، أطلقت وكالة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية مع صندوق "ويلكم" Wellcome مبادرة الوراثة البشرية والصحة في إفريقيا (H3Africa)، بهدف تحسين قدرات دول القارة، وكذلك شبكة رصد مقاومة أدوية الملاريا في إفريقيا المدعومة من مبادرة الرئيس الأمريكي لمكافحة الملاريا (PARMA)، والتي تعمل أيضًا على تعزيز الجهود التعاونية في جميع أنحاء القارة، وقد وفَّرت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها تمويلًا لتحقيق هذا الهدف، وكذلك فعلت الأكاديمية الإفريقية للعلوم، لكن ما زالت هناك حاجة إلى المزيد والمزيد حتى تتمتع المختبرات بالقدرات المناسبة.

خامسًا، ينبغي وضع خطة عمل مشتركة بين البلاد المتجاورة؛ فبعد رصد الطفيليات المُقاوِمة للعقاقير في رواندا، قد تنتقل هذه الطفيليات عبر الحدود بواسطة المُسافرين، أو ربما تكون موجودةً بالفعل في بعض البلدان الإفريقية، ولهذا يتعين على البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا، والمكاتب الإقليمية والقُطرية لمنظمة الصحة العالمية، أن تعزِّز التعاون فيما بين الدول، ومُشاركة المعلومات، وجهود توعية مُقدمي خدمات الرعاية الصحية والمجتمعات المحلية بالآثار المُترتبة على ظهور هذه الطفرة، كما ينبغي للجهات المنظمة لصناعة الأدوية أن تستمر في مراقبة معايير الجودة وفرض الالتزام بها، من أجل حظر الأدوية منخفضة الجودة والأدوية المغشوشة، والتصدي لها، نظرًا لدورها الكبير في نشوء مقاومة العقاقير، وعلى كلٍّ من مُنظمة صحة غرب إفريقيا، ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي، ومنظمة الصحة لدول جنوب ووسط وشرق إفريقيا، أن تعمل معًا لتوحيد الجهود.

هذه الطفرة ظهرت بالفعل في منطقة جنوب شرق آسيا منذ عام 2013، وقد نجحت المنطقة في تحجيم أضرارها، بفضل الحرص في استخدام العقاقير الفعالة حيثما تشتد الحاجة إليها، وبمقدورنا في إفريقيا أن نتغلب على هذه الطفرة أيضًا، علينا فقط أن نحشد هِممنا وقدراتنا الإبداعية المشتركة، لضمان أن تظل أكثر قارات العالم معاناةً من مرض الملاريا مُتقدمةً دائمًا بخطوة على التهديد الناشئ، المتمثل في هذا الطفيل المُتحور الخطير.