بيركلي، كاليفورنيا: يقول عالِما فلك إنهما ربما رصدا كوكبًا ثانيًا يدور حول النجم بروكسيما سنتوري، أقرب نجم إلى نظامنا الشمسي.

يظل وجود الكوكب غير مؤكد، حتى الآن، وهو الكوكب الذي أُعلن عنه في مؤتمر "مناقشة الإنجازات الكبرى" Breakthrough Discuss، وهو مُلتقى سنوي متعدد التخصصات، يحضره مَن تُوجَّه إليهم الدعوة فقط، وتقيمه مؤسسة "بريكثرو إنيشيتفز" Breakthrough Initiatives (وهي مؤسسة بحثية علمية يمولها في الأساس ملياردير وادي السيليكون يوري ميلنر). أُطلق على الكوكب اسم بروكسيما سي، ومن شأنه أن يكون نسخةً ضخمةً من كوكب الأرض؛ إذ تبلغ كتلته ستة أضعاف كتلة كوكبنا تقريبًا على أقل تقدير. ومن شأن مداره الذي يستغرق نحو 1900 يوم أن يجعله على الأرجح مكانًا موحشًا قارس البرودة غير مضياف، ويدور على مسافة تبلغ 1.5 ضعف المسافة التي تبعدها الأرض عن الشمس، وذلك حول النجم بروكسيما سنتوري، وهو قزم أحمر يبعد عنا نحو أربع سنوات ضوئية، وهو أصغر وأشد خفوتًا بكثير من شمسنا الصفراء المألوفة. وإذا تأكد وجود هذا الكوكب، فسينضم إلى بروكسيما بي، وهو كوكب له كتلة الأرض نفسها تقريبًا اكتُشف عام 2006 في مدار أكثر اعتدالًا حول بروكسيما سنتوري.

وفقًا للعالِمين اللذين قدما العرض -ماريو داماسو، من مرصد الفيزياء الفلكية في تورين، وفابيو ديل سوردو من جامعة كريت- فإن الرصد المبدئي قائم على مجموعات البيانات الموسعة نفسها التي جُمِعت على مدار عدة سنوات، التي كشفت أولًا عن وجود بروكسيما بي، مع إضافة أكثر من 60 من القياسات الأخرى للنجم المأخوذة في عام 2017. جُمعَت القياسات في الأساس بواسطة أداة "هاربس" HARPS التابعة للمرصد الأوروبي الجنوبي ESO، وكانت تبحث عن الكواكب عن طريق التذبذب المميز الذي يُحدثه وجود هذه العوالم في حركة النجم الذي تدور حوله. وتقدم شدة هذه التذبذبات تقديرًا لكتلة الكوكب، وتوضح فترة التذبذب مدار الكوكب. ومن بين أدلة عرضية أخرى، فإن التذبذب الذي يسببه الكوكب بروكسيما سي –وهو حيود طفيف في موضع النجم بروكسيما سنتوري بأكثر قليلًا من متر واحد في الثانية– بدا في مشاهدات سابقة ذا أهمية هامشية، غير أنه صار أكثر رسوخًا بفضل قياسات إضافية أُجريت خلال الأعوام القليلة الماضية. وقد قاد البحث عن كواكب النجم بروكسيما سنتوري فريق البحث عن الكواكب الدولي "بيل ريد دوت" Pale Red Dot. وقد لُخِّصَت النتائج في ورقة بحثية قُدِّمَت إلى دورية خاضعة لمراجعة الأقران.

قال داماسو خلال العرض التقديمي: "إنه مرشح وحسب. من المهم للغاية التشديد على ذلك". وقدم ديل سوردو بدوره تحذيرات مشابهة في تعليقاته، مشبِّهًا العالَم المقترح بـ"قلعة في الهواء، علينا مواصلة بناء أساسات أقوى أسفلها". (ولم يصدر عن داماسو أو ديل سوردو أي تعليقات رسمية إضافية بخلاف ما أورداه في العرض التقديمي، وعللا ذلك بالحظر الذي تفرضه سياسات الدورية التي قدما لها ورقتهما البحثية).

ويقول العالِمان إن القياسات الإضافية التي أجرتها أداة "هاربس" HARPS يمكن في النهاية أن تؤكد الطبيعة الكوكبية لبروكسيما سي، وكذلك دراسات المتابعة التي تجريها منشآت أخرى على الأرض وفي الفضاء. فعلى سبيل المثال، ستكون أداة "إسبرسو" ESPRESSO، صائدة الكواكب من الجيل التالي، التابعة للمرصد الأوروبي الجنوبي ESO والمحمولة على التليسكوب العملاق الموجود في تشيلي، قادرةً على رصد التذبذب الذي يسببه الكوكب المرشح بدقة أكبر. غير أن الآمال معقودة على عمليات الرصد التي يجريها قمر جايا الصناعي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يقوم برسم خريطة لمجرة درب التبانة ويرصد حركة ومواضع أكثر من مليار نجم في مجرتنا، بما في ذلك النجم بروكسيما سنتوري. وبوسع القمر الصناعي جايا أن يرصد وجود الكوكب عن طريق رصد التذبذبات أيضًا. ويقول ديل سوردو إنه بحلول نهاية مهمته الاسمية الممتدة لخمس سنوات في وقت لاحق من هذا العام، من الممكن أن يقدم جايا "جوابًا حاسمًا" بشأن ما إذا كان الكوكب بروكسيما سي موجودًا حقًّا أم لا.

وفيما وراء الرصد، من شأن الكوكب المرشح أن يقدم فرصًا مثيرة لدراسات المتابعة الهادفة إلى تحديد طبيعته، وذلك وفق قول العالِمين اللذَين قدما العرض التقديمي. ويرى ديل سوردو أن بروكسيما سي من شأنه أن يكون "مختبرًا مثيرًا للتصوير المباشر"، وهي طريقة تعبير الفلكيين عن التقاط صور للكوكب عبر المساحات الشاسعة للفضاء النجمي. جرت مناقشة بروكسيما بي بوصفه هدفًا خصبًا للتصوير المباشر أيضًا، لكن نظرًا إلى أن بروكسيما سي يقع على مسافة أبعد من النجم الذي يدور حوله مقارنة ببروكسيما بي، فمن المفترض أن يكون من الأيسر رصده. ومن الممكن أن يكون هذا الكوكب -الذي يقع في متناول المراصد الفضائية المستقبلية، مثل "تليسكوب جيمس ويب الفضائي" James Webb Space Telescope التابع لناسا، وخليفته "مستكشف الأشعة الحمراء واسع المجال" Wide-Field Infrared Survey Telescope- أولَ كوكب خارج المجموعة الشمسية يجري تصويره بالضوء المنعكس. (الصور المباشرة السابقة للكواكب التُقطَت بالأشعة تحت الحمراء، حيث يكون وهج النجم الذي يدور حوله الكوكب أقل شدة).

ومن شأن أي صورة لبروكسيما سي -بفرض أن الكوكب موجود حقًّا بالفعل- أن تكشف على الأرجح عن جرم سماوي بارد تهيمن عليه الغازات، لكنها تظل مفيدةً للغاية في صراع الفلكيين نحو فهم ما تبدو عليه الكواكب الضخمة الشبيهة بالأرض. فرغم كون الكواكب الضخمة الشبيهة بالأرض هي النوع الأكثر شيوعًا من الكواكب في مجرة درب التبانة، فإنه لا وجود لها على الإطلاق في نظامنا الشمسي. وهذه الكواكب، المتوسطة في الحجم بين الأرض ونبتون، إما تكون غازيةً في أغلبها، وهو ما يوفر فرصًا ضئيلة لوجود الحياة كما نعرفها، أو تكون أشكالًا ضخمة الحجم من كوكبنا الصخري الصالح لاستضافة الحياة.

وقد تساعد صور الكواكب الموجودة في نظام بروكسيما سنتوري أيضًا في حسم الجدل الدائر حول قدرة النجوم القزمة الحمراء على استضافة كواكب صالحة لاستضافة الحياة؛ إذ إن هذه النجوم تكون شديدة النشاط مقارنةً بشمسنا، وتقصف الكواكب التي تدور حولها بتيارات من الجسيمات عالية السرعة والإشعاع القوي الذي يمكنه تمزيق الغلاف الجوي، كما يحدث للطلاء الذي يُزال بتيار شديد القوة من الرمال. ومن الممكن أن تحسم الصور مصير هذه الكواكب، وذلك بشرط أن يتمكن الفلكيون من توفير الوقت الكافي لرصدها بواسطة أقوى تليسكوبات الأرض.