مؤخرًا، كنت أركب حافلة فلاحظت رجلاً مسنًّا يجلس أمام أحد المقاهي على رصيف مزدحم. كان قد وضع رقعة شطرنج على الطاولة التي أمامه، وكان يراقب المارة، الذين كان معظمهم مستغرق في هاتفه. واصلت عيناه الانتقال من شخص إلى آخر، باحثةً عن شخصٍ يلاحِظه، فينضم إليه في مباراة شطرنج. وقبيل انفراج زحام السيارات ومُضِي الحافلة التي تقلُّني، رأيته يبادر بالخطوة الأولى في المباراة، ثم يستأنف عملية البحث.

الوحدة متفشية، وهي -حرفيًّا- تقتلنا. ففي أي مكان في الولايات المتحدة تجد أن ما بين ربع إلى نصف الأمريكيين يشعرون بالوحدة لأوقات طويلة، مما يجعلهم عرضةً للإصابة بمجموعة من الأمراض الجسدية والعقلية، تتضمن أمراض القلب، والسرطان، والسكري، والاكتئاب. إنها مشكلة صحية عامة تتطلب معالجتها على نطاق واسع.

ولكن على المستوى الفردي، ثمة الكثير الذي يمكننا عمله لتجنُّب الوحدة. إحدى الإستراتيجيات هي أن تأتي برقعة شطرنج إلى شارع مزدحم وتنتظر حتى تجد شخصًا ما ليلعب معك. من أجل ذلك الرجل المسن، أتمنى مخلصةً أن يكون ذلك فعالًا، ولكنني لستُ واثقةً من ذلك.

ثمة إستراتيجية أخرى، هي أن تعمل عملًا تطوعيًّا. في استبانة حديثة شملت أكثر من 10000 شخص في المملكة المتحدة، ذكر ثلثا الذين شملتهم الاستبانة أن العمل التطوعي ساعدهم على الشعور بأنهم أقل انعزالًا. وبالمثل، دراسة أجريت عام 2018 وشملت حوالي 6000 سيدة في جميع أنحاء الولايات المتحدة من الأرامل اللائي لم يكن مستغربًا أنهن كن يشعرن بالوحدة أكثر من البالغات المتزوجات. وبعد أن بدأن في التطوع لمدة ساعتين أو أكثر في الأسبوع، انخفض متوسط ​​مستوى الشعور بالوحدة لديهن ليضاهي نظيره لدى البالغات المتزوجات، حتى بعد ضبط عوامل التركيبة السكانية، والصحة الأساسية، والسمات الشخصية، والمشاركات الاجتماعية الأخرى. يمكن لهذه الفوائد أن تصبح قويةً بوجه خاص كلما كنت أكبر عمرًا وكلما كان قيامك بالعمل التطوعي أكثر تواترًا.

قد تُعِين المشاركة في فرص العمل التطوعي على التخفيف من وطأة الوحدة ومن الآثار الصحية الناجمة عنها، وذلك لعدة أسباب. أولها وأكثرها وضوحًا أنها وسيلة مُجدية للتواصل مع الآخرين وتكوين صداقات جديدة. لقد اختبرت ذلك بنفسي بشكل مباشر عندما انتقلتُ إلى سان فرانسيسكو ولم أكن أعرف أحدًا تقريبًا. بعد انضمامي إلى مجموعة متطوعة من المهنيين الشباب، والمشاركة مع منظمة محلية غير هادفة للربح تخدم كبار السن والبالغين من ذوي الإعاقة، وقيامي بتنظيم فعاليات داخل المنطقة التي أسكن بها وكذلك المساعدة فيها، شعرت بأن حسي المجتمعي وشعوري بالدعم الاجتماعي يزدادان بشكل هائل.

ثانيًا، يمكن للعمل التطوعي أن يعوض فقدان المغزى الذي يحدث عادةً مع الوحدة. أظهرت أبحاثٌ أُجريت باستخدام استبانة جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA لقياس الوحدة ومغزى الحياة أن زيادة الشعور بالوحدة يصاحبها شعور أدنى بالمغزى. وهذا أمر منطقي، نظرًا إلى احتياجنا المتأصل إلى الانتماء. من خلال التطوع لتحقيق أهداف مجتمعية مهمة لنا جميعًا، يمكننا اكتساب الشعور بوجود هدف، والذي بدوره قد يحمينا من آثار صحية سلبية. على سبيل المثال، رُبِطَ وجود هدفٍ من الحياة بانخفاض احتمال الإصابة بالسكتة الدماغية وزيادة السلامة النفسية.

ثالثًا، يمكن أن يؤدي الشعور بالوحدة والعزلة إلى تدهور إدراكي، مثل فقدان الذاكرة. لكن وفقًا لعالمة الأعصاب ليزا جينوفا، فإن الأشخاص الذين ينخرطون بانتظام في أنشطة محفزة للعقل، ينمو لديهم عدد أكبر من الروابط العصبية، وبالتالي يصبحون أكثر قدرةً على التكيُّف مع أعراض مرض ألزهايمر. لذا، فإن التطوع هو إحدى الطرق للبقاء منشغلاً ونشطًا، وليس منعزلًا ووحيدًا، وبالتالي يحميك من التدهور الإدراكي.

قد تكون هذه الأفكار مناسبةً بشكل خاص للفئة السكانية من كبار السن، التي يتزايد عدد أفرادها باطراد. فبحلول عام 2030، سيكون واحد من بين كل خمسة من سكان الولايات المتحدة في سن التقاعد، وربما لن يكون لديهم عمل لتحقيق الهدف من الحياة والتواصل مع الآخرين، وسيكونون معرضين للعزلة بسبب القيود الجسدية المتزايدة التي يفرضها التقدم في العمر وبسبب وفاة أحبائهم. ونظرًا إلى أن الوحدة -على ما يبدو- أكثر شيوعًا بين أولئك الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا وهؤلاء الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا، فإن برامج الإرشاد والتوجيه عبر جميع الفئات العمرية يمكن أن تكون وسيلةً فعالةً للتطوع والتواصل. الحقيقة، أنني جربت بنفسي مؤخرًا استضافة تجمُّع أصدقاء من أجيال مختلفة، ووجدت أنه ترك شعورًا مماثلًا بالامتنان لدى كل جيل طفرة المواليد، من مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجيل مواليد الألفية - فضلًا عني أنا شخصيًّا.

كنت أتمنى لو استطعت أن أوقف الحافلة التي كانت تقلني وأن أُهمل خططي ذلك اليوم من أجل لعب الشطرنج مع الرجل المسن. لقد أصابني حاله بالصدمة باعتباره رمزًا للعصر الذي نعيش فيه: رمز لأشخاص يرغبون بشدة في التواصل -ليس من خلال شاشة، بل وجهًا لوجه- مع آخرين من مجتمعهم. الآن أكثر من أي وقت مضى، لدينا حاجة حقيقية وفرصة سانحة لبناء ثقافة الصحة الاجتماعية، بإقامة تفاعل تلو الآخر. والعمل التطوعي وسيلة رائعة للبدء في ذلك.