حتى في الوقت الذي يسعى فيه واضعو السياسات وكبار رجال الأعمال في الولايات المتحدة إلى تجاوُز جائحة كوفيد بالاستعانة بلقاحات مرتفعة الفاعلية، تلوح في الأفق ثغرة سياسية وتخطيطية جوهرية؛ إذ يُعاني العديد ممن تعافوا من الإصابة بالمرض آثارًا طويلة الأجل تصيبهم بالاعتلال، فعلى عكس نزلات البرد العادية أو حتى الإنفلونزا، يتسبب هذا الفيروس في مجموعة مُحَيِّرة من الأعراض التي تستمر مدةً طويلة بعد زوال الأعراض الحادة، وقد تجعل بعض المصابين غير قادرين على استئناف أنشطتهم المعتادة، وبينما يواصل العلماء والأطباء سعيهم في وضع تصوُّر دقيق للمسار "طويل الأجل" لفيروس كوفيد، يجب على واضعي السياسات والمُخَطِّطين وضع التوقعات لمدى خطورة هذا الوضع الجديد المتسبب في الإعاقة والاستعداد له، ويشمل ذلك دراسة تأثيره على تعويضات العمال الاتحاديين وعُمّال القطاع الخاص وبرامج التأمين ضد الإعاقة وخدمات الدَّعم.

وبالتطرُّق إلى الأرقام التي لدينا، فقد أُصيب ما لا يقل عن 34 مليون أمريكي (وربما أكثر كثيرًا) بمرض كوفيد حتى الآن، وفي الوقت ذاته، أوضح عددٌ متزايدٌ من الدراسات أن أكثر من رُبع هؤلاء المرضى قد ظهر لديهم بعد التعافي أحد أعراض كوفيد طويل الأجل، (أوضحت إحدى الدراسات التي أُجريَت في الصين أن ثلاثة أرباع المرضى ظلّوا مصابين بعَرَض واحد على الأقل بعد ستة أشهر من الخروج من المستشفى، بينما وجد تقرير آخر أن أكثر من نصف العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين أُصيبوا بالمرض ظلوا يعانون من بعض الأعراض بعد مرور مدة بين سبعة أشهر وثمانية أشهر)، وتشير الدلائل الأوَّلية إلى أن احتمالية الإصابة بأعراض طويلة الأجل قد لا تكون وثيقة الارتباط بشدة الإصابة في المرة الأولى، بل يعتقد بعض الباحثين أن الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض دون ظهور أعراض عليهم قد يعانون لاحقًا من آثاره طويلة الأجل.

تشمل الآثار طويلة الأجل الشائعة أعراضًا مثل الإرهاق، ومشكلات في التَّنَفُّس، و"تشوُّش المخ"، ومشكلات في القلب والكُلى والجهاز الهضمي، وفقدان حاستي الشم والتذوق، ولا يزال الباحثون يكتشفون آثارًا غير متوقعة، مثل الملحوظات الأخيرة التي وجدت أن الإصابة بكوفيد قد تُعَجِّل بالإصابة بمرض السُّكَّرِي.

وقد عانى بعض المرضى من الأعراض لعدة أشهر دون أن تلوح في الأفق نهايةٌ واضحةٌ لها، مما جعل العديد من المتعافين يظنون أن عليهم التكيُّف مع ذلك "الوضع الطبيعي الجديد" طوال حياتهم، في الوقت ذاته، هناك أعداد متزايدة من الذين أصيبوا بالمرض غير قادرين على العودة إلى أعمالهم حتى بعد مرور عدة أشهر على بداية الإصابة، كما تبقى أعداد المرضى الذين يُعانون من استمرار الأعراض غير مُحَددة في هذه المرحلة المبكرة من مراحل انتشار الجائحة، ولكنَّ التَّقديرات تشير إلى احتمالية انضمام ملايين الأمريكيين إلى صفوف المُعاقين إعاقةً دائمة.

ولا تزال أيضًا تكاليف الرعاية الصحية وبدلات الإعاقة غير معروفة، إذ لا تتوافر إجابات عن أسئلة مثل: كم من "أصحاب الأعراض طويلة الأجل" لن يتمكنوا من العودة إلى العمل؟ وكم عدد الذين سيحتاجون إلى الحصول على بدلات الإعاقة قصيرة الأجل؟ وكم عدد الذين سيُصابون بإعاقة دائمة ويصبحون معتمدين على تأمينات الإعاقة؟ ومع تزايُد أعداد الشباب المصابين بالعدوى، هل سنشهد جيلًا كاملًا من المصابين بأمراض مزمنة؟ لذا علينا أن نسعى للتوصُّل إلى فهم أفضل لحجم المشكلة ومداها، والبدء في التخطيط من الآن.

وبالإضافة إلى المعاناة الشخصية، فللإعاقة طويلة الأجل ثمنٌ باهظٌ يشمل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وتقليص ساعات العمل أو فقدان الوظيفة، إلى جانب العبء الاقتصادي الناجم عن تعويضات العاملين وبرامج الدعم المادي للمعاقين، وتشير التَّقديرات إلى أن ما يصل إلى 30 في المئة من العبء الصحي الناجم عن مرض كوفيد قد ينشأ عن الإعاقات التي يخلفها، وقد صرح مؤخرًا ستيفن مارتن، الطبيب وأستاذ الطب في جامعة ماساتشوستس الأمريكية، في تصريحه للإذاعة الوطنية الأمريكية العامة قائلًا: "إذا انتهى بنا الأمر إلى وجود مليون شخص يُعانون من أعراض مستمرة تسبب الضعف والوهن، فإن ذلك لن يمثل عبئًا هائلًا على كل فرد من هؤلاء الأفراد فحسب، بل أيضًا على نظام الرعاية الصحية الأمريكي وعلى المجتمع ككل".

إن برامج دعم الإعاقة الحالية في الولايات المتحدة غير قادرة على التعامل مع هذه الفئة الجديدة من المرضى ذوي الإعاقات المُزمِنة، وقد يتعرَّض المرضى وأصحاب الأعمال على حدٍّ سواء لطغيان البيروقراطية المتأصلة في النظام، بما فيها آليات تعويضات العُمّال، والتأمين ضد الإعاقة من داخل الضمان الاجتماعي، والتأمين الخاص ضد الإعاقة، فعلى سبيل المثال، من الصعب للغاية التحديد الدقيق لإصابة العمال بالمرض هل كانت داخل محل عملهم أم خارجه، كما أن الاختبارات ليست متاحةً بشكل يمكّن المصابين من توثيق إصاباتهم الأوَّلية، كذلك تأتي متطلبات إدارة الضمان الاجتماعي الأمريكية (SSA) معقدة، إذ تشترط أن تستمر الإعاقة أو يكون من المتوقع استمرارها لمدة 12 شهرًا على الأقل وأن تمنع صاحبها عن ممارسة نشاط "كبير ومُربِح"، لكن علينا أن ننظر إلى الصورة الأكبر، إذ يُمكِن أن تؤدي العوائق التي تحول دون تقديم الدعم لمَن أصيبوا بالإعاقة إلى تفاقم حدة المشكلات الطبية وإطالة المدة التي لا يستطيع خلالها المرضى العودة إلى أنشطتهم الطبيعية.

إليكم ما نحتاجه الآن:

- الأبحاث الساعية إلى فهم أفضل للإعاقة التي يسببها كوفيد طويل الأجل. يعقد العلماء في الوقت الراهن شراكات مع مجموعات المرضى المتعافين مثل «شبكة دعم الناجين» لتحديد هذه الأعراض على نحوٍ أفضل، بينما أطلقت المعاهد القومية الأمريكية للصحة (NIH) الدعوات لتقديم مقترحات مدعومة بتمويل قدره 1.15 مليار دولار قَدَّمه الكونجرس مؤخرًا؛ فنحن بحاجة إلى وضع دراسات اقتصاديات الصحة ضمن الأولويات حتى نتمكن من الوقوف على التبعات الاقتصادية لحالات الإعاقة المرتبطة بالفيروس.

- الخدمات السريرية لعلاج كوفيد طويل الأجل. يجري إنشاء عيادات لرعاية المرضى "أصحاب الأعراض طويلة الأجل"، ولكنها تتطلب مواردَ بشريةً وتمويليةً كافية، وقد أصدر كلٌّ من «ﻣﺮاﻛﺰ ﻣﻜﺎﻓﺤﺔ اﻷﻣﺮاض واﻟﻮﻗﺎﻳﺔ ﻣﻨﻬﺎ في الولايات المتحدة» (CDC) و«الجمعية الطبية الأمريكية» (AMA) مؤخرًا دلائلَ إرشاديةً تضم إجراءات الرعاية المتبعة، كما سيؤدي تنسيق جهود جمع البيانات على المستوى المحلي (والعالمي) إلى التَّعجيل بتقديم الأفكار البنَّاءة.

- برامج تعويض العُمّال والتَّأمين الخاص ضد الإعاقة. ينبغي التَّوَصُّل إلى توافقٍ وطنيِّ بشأن المعايير التي تؤهل الأشخاص للحصول على الدعم المادي، ولهذا، يجب على مسؤولي سياسات التأمين الاستعانة بأبحاث اقتصاديات الصحة لمواجهة الكلفة المستقبلية.

- برامج الإعاقة على مستوى الدولة. يجب أن تُعطى «إدارة الضمان الاجتماعي» (SSA)، الأولوية لتقدير أعداد المرضى الذين سوف يحتاجون إلى الدعم المالي وخدمات الإعاقة قصيرة وطويلة الأجل، وأن يكون ذلك متبوعًا بنمذجة التَّمويل اللازم لذلك، كما يجب إعادة فحص المتطلبات اللازمة لضمان جودة المعونة المقدمة (ومن بينها أنواع الوثائق الطبية المطلوبة وفترات الانتظار).

من المفهوم أننا لم نضع أيدينا حتى الآن على جميع المشكلات المتعلقة بالإعاقة الناجمة عن مرض كوفيد، كما أننا لم ندرك تمامًا جميع الآثار المترتبة على هذا الداء المهلك (والذي لم يزل غامضًا إلى حدٍّ ما)، وعلى كل حال، فمنذ أوائل عام 2020 ونحن نكافح من أجل معالجة الأزمة الراهنة ووضع آليات للتعامل مع المشكلات الجديدة التي تظهر يومًا بعد يوم، إلا أنه قد آن أوان التخطيط بشكلٍ استباقيٍّ لمواجهة التبعات الحتمية والبالغة التي سيُدخلها كوفيد طويل الأجل على برامج الإعاقة الأمريكية.

هذه مقالة رأي وتحليل، والآراء التي عَبَّر عنها المؤلف أو المؤلفون لا تعكس بالضرورة آراء دورية «ساينتفك أمريكان» «Scientific American».