في إعلان طال انتظاره، صدقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يوم الإثنين الماضي، على استخدام لقاح فايزر-بيونتيك المضاد لكوفيد-19 والمعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال لتحصين المراهقين من سن 12 إلى 15 عامًا، وكانت اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين التابعة لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها قد اجتمعت يوم الأربعاء الماضي لمناقشة مسألة إعطاء اللقاح للمراهقين، وأوصت رسميًّا بالبدء في تحصين تلك الفئة العمرية.

ومع أن عدوى كوفيد-19 لا تكون –عادةً- خطيرةً لدى الأطفال كما هي لدى البالغين، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن المرض لا يسبب ضررًا للأطفال، كما أن زيادة حالات الإصابة بين أفراد المجتمع تعرِّض الجميع لخطر أكبر، على حد قول كوثر طلعت، عالِمة الوبائيات بكلية بلومبيرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز وأحد الباحثين الرئيسيين في تجارب لقاح فايزر-بيونتيك على البالغين وعلى الأطفال من سن ستة أشهر إلى 12 عامًا.

تضيف طلعت قائلةً: «بتحصين السكان الأكبر سنًّا، فإننا ندفع الفيروس نحو الفئات الأصغر سنًّا، وأي شخص يصاب بعدوى الفيروس يُحتمل أن تتطور لديه نسخة متحورة، من منظور مجتمعي، علينا تلقيح الجميع، ومن ضمنهم الأطفال، إذا أردنا إيقاف انتقال الفيروس وتكوُّن أشكال متحورة جديدة»، تشير طلعت إلى أن المراهقين -على الأخص- قد ينشرون العدوى من جَرَّاء سلوكهم الاجتماعي، لكن من المهم أيضًا تلقيح جميع الأطفال في نهاية الأمر؛ «لأن كل فرد يتلقى اللقاح يشكّل درعًا إضافيًّا في مواجهة انتقال الفيروس»، أعربت طلعت كذلك عن قلقها بشأن الآثار طويلة الأمد لكوفيد-19 على الأطفال وصحتهم النفسية، وتؤكد حديثها قائلةً: «إن تلقيح الأطفال هي السبيل التي ستمكّنهم من استعادة الحياة الطبيعية».

تلقيح المراهقين والأطفال خطوة محورية

أصيب ما يزيد على 3٫85 ملايين طفل بكوفيد-19 في الولايات المتحدة، وفقًا للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، وقد تسبب فيروس كورونا المستجد في احتجاز ما يزيد على 15٫700 طفل في المستشفيات ووفاة أكثر من 300 طفل في الولايات والأقاليم التي قدمت بياناتها، علاوةً على ذلك، أضحى الأطفال يشكّلون نسبةً أكبر من حالات الإصابة بكوفيد-19: تمثل الإصابات بين الأطفال 24 في المئة من الإصابات المسجلة في الأسبوع الأول من شهر مايو، و14 في المئة من جميع الإصابات المسجلة منذ بدء الجائحة، بزيادة تقدر بأربعة في المئة في الفترة من 11 أبريل حتى 6 مايو.

بدأ بعض الخبراء يتشككون في احتمالية تحقيق مناعة القطيع ضد كوفيد-19، أي وجود عددٍ كافٍ من السكان ممن لديهم مناعة ضد المرض بما يضمن توقف انتشاره، لكن إذا كانت مناعة القطيع ممكنة، فمن المستبعد جدًّا تحقيقها دون تلقيح الأطفال، كما تؤكد طلعت، وتضيف أنه كي نبلغ مناعة القطيع ينبغي أن يكتسب 70 في المئة إلى 85 في المئة من السكان -وفق تقدير الخبراء- مناعةً ضد كوفيد-19، إما نتيجةً لعدوى سابقة أو بفعل تلقِّي اللقاح، ويمثِّل الأفراد الأقل من 18 عامًا نحو ربع سكان الولايات المتحدة، لن يتلقى جميع البالغين اللقاح، وسيظل بعضهم عرضةً للإصابة بالمرض لاحقًا بسبب أمراض المناعة الذاتية أو غيرها من حالات مرضية كامنة، على حد قولها، وحتى مع استبعاد مناعة القطيع من الحسابات، يظل للقاحات دور محوري في تحجيم الوباء.

في هذا السياق، يقول نيثن بونسترا، طبيب الأطفال في مستشفى بلانك للأطفال في دي موين بولاية أيوا: «لن نستطيع السيطرة على الوباء إذا استثنينا الأطفال، لا سيما المراهقين، من المهم تلقيح كل مَن نستطيع تلقيحه حال توافر اللقاحات».

يستند الترخيص الجديد الصادر عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى بيانات من إحدى تجارب المرحلة الثالثة لاختبار اللقاح، وهي تجربة مضبطة بالغُفُل وقد أُجريت على 2260 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا، تلقى 1131 منهم جرعتي لقاح فايزر-بيونتيك، وكما هو الحال بالنسبة للبالغين، كانت الأعراض الجانبية الأكثر شيوعًا هي الشعور بالألم في موضع الحقن والإرهاق والصداع والحمى والقشعريرة وآلام في العضلات أو المفاصل، وكانت هذه الأعراض أقوى بعد الجرعة الثانية، ولا يوصى بإعطاء اللقاح لأي فرد أصيب من قبل بتحسُّس مفرط عقب التعرُّض لأحد مكونات اللقاح.

كانت الأهداف الرئيسية للتجربة هي تقييم مأمونية اللقاح وقدرته على تحفيز استجابة مناعية، لكن البيانات أوضحت كذلك أن اللقاح حقق وقاية ضد الإصابة بكوفيد-19 المصحوبة بأعراض بين المشاركين الذين تلقوه وذلك بنسبة 100 في المئة، فضلًا عن ذلك، فإن اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي المرسال قد أثبتت بالفعل مأمونيةً فائقة لدى البالغين، كما تشير طلعت.

وتعلق طلعت قائلةً: «لم يسبق قَط أن كان لدينا لقاح متاح للأطفال سبق إعطاؤه بالفعل لما يزيد على 100 مليون فرد بالغ»، في إشارة إلى إجمالي عدد لقاحات الحمض النووي المرسال التي أُعطيت للأفراد في الولايات المتحدة، ثم تؤكد: «ذلك سجل أداءً مذهلًا من ناحية المأمونية».

كم عدد المراهقين الذين سيتلقون اللقاح؟

يتبقى أمامنا سؤالان مهمان: كم عدد أولياء الأمور الذين سيسمحون لأبنائهم المراهقين بتلقِّي التطعيم؟ ومتى ستتاح اللقاحات للأطفال الأصغر سنًّا؟

الإجابة عن السؤال الأخير هي أن جرعات اللقاح المخصصة للأطفال الصغار ستكون متاحةً على الأرجح في خريف هذا العام، وقد بدأت شركة فايزر في إجراء تجارب المرحلة الأولى -وهي الخطوة الأولى في طريق الحصول على الموافقة على اللقاح- على الأطفال من سن ستة أشهر حتى 11 عامًا، وتأمل الحصول على ترخيص إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لإعطاء اللقاح للأطفال من سن عامين إلى 11 عامًا في أوائل شهر سبتمبر، تستغرق التجارب على المجموعات الأصغر سنًّا وقتًا أطول لأن الباحثين يجب عليهم اختبار جرعات مختلفة من اللقاح -10 أو 20 أو 30 ميكروجرامًا من اللقاح في كل جرعة- كي يحددوا الجرعة التي تؤدي إلى أقل قدر من الأعراض الجانبية وتظل فعالة، وسوف يتلقى المراهقون من سن 12 عامًا حتى 15 عامًا الجرعات نفسها التي تُمنح للبالغين.

وفي هذا السياق، يقول بول أوفيت، طبيب الأطفال المتخصص في الأمراض المعدية ومدير مركز اللقاحات في مستشفى الأطفال بفيلادلفيا: «في حالة الفئات العمرية الأصغر سنًّا، نحتاج إلى إجراء المزيد من الدراسات المكثفة حول معدل الجرعات كي نضمن توافر بيانات واضحة في هذا الصدد قبل الانتقال إلى المرحلة الثالثة من التجارب»، تجدر الإشارة إلى أن أوفيت هو عضو في إحدى اللجان الاستشارية التابعة لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والتي من المقرر أن تجتمع الشهر القادم لتحديد توقعات الإدارة فيما يتعلق بالبيانات الضرورية لترخيص أحد اللقاحات لإعطائها للفئات السكانية الأصغر سنًّا.

أما فيما يخص عدد المراهقين الذين سيتلقون اللقاح، فإن المشهد يبدو في الوقت الحالي مشابهًا لنظيره بالنسبة للبالغين؛ فوفق الدراسات الاستقصائية الراهنة التي تجريها مؤسسة عائلة كايزر، ثلاثة من كل عشرة أولياء أمور (30%) يخططون لإعطاء اللقاح المضاد لكوفيد-19 لأبنائهم الذين تتراوح أعمارهم من 12 إلى 15 عامًا حالما تصبح الجرعات متاحة، وذكر ربع المواطنين (26 في المئة) أنهم «سينتظرون ليروا» كيفية استجابة المراهقين الآخرين للقاح قبل إعطائه لأبنائهم، في حين أفاد ربع آخر من السكان (23 في المئة) برفضهم القاطع لإعطاء اللقاح لأبنائهم.

 قد يرغب بعض المراهقين في تلقِّي اللقاح على الرغم من رفض أولياء أمورهم، لذا جمّع موقع فاكستين الإلكتروني (VaxTeen) القوانين الخاصة بموافقة الوالدين في كل ولاية لتحديد الأماكن حيث يستطيع المراهقون تلقِّي اللقاح دون إذن أولياء أمورهم.

يتحدث بونسترا بالفعل مع العائلات حول اللقاح، ويذكر أن معظمهم متحمس لتلقي جرعات التطعيم، عندما يسألونه عن رأيه في اللقاح يجيبهم بأنه آمن إلى حدٍّ كبير، ثم يشاركهم مخاوفه حيال فيروس كورونا، فيقول: «يوجد الكثير مما نجهله عن الفيروس وتأثيره طويل الأمد على الأطفال، وأخشى أن نكتشف أنه يسبب قدرًا كبيرًا من الالتهاب في أماكن مثل القلب والرئتين، ليس ثمة وجه للمقارنة، فمخاوفي حيال ما قد يسببه المرض من ضرر للأطفال تفوق كثيرًا قلقي من اللقاح».

يشعر أوفيت كذلك بالقلق حيال آثار كوفيد-19 طويلة الأمد واحتمالية ظهور المزيد من النسخ المتحورة مع استمرار العدوى، إذ يقول: «إذا استمر الفيروس في الانتشار، فسوف تزداد وتزداد فرصة ظهور نسخ متحورة منه، لا سيما النسخ التي نخشى ظهورها، أي تلك المقاوِمة تمامًا للمناعة المكتسبة بعد التعافي من العدوى الطبيعية أو عبر التحصين»، ويشير أوفيت كذلك إلى أنه على الرغم من أن حالات الوفيات الناتجة عن الإصابة بكوفيد-19 بين الأطفال أقل كثيرًا من نظيراتها لدى البالغين، فإنها تشبه نسبة الوفيات السنوية من جَرَّاء الحصبة والجديري المائي التي سُجِّلت قبل انتشار اللقاحات الواقية من تلك الأمراض، والأمر ذاته ينطبق على الأنفلونزا، كما تشير طلعت، التي تضيف: «يتوفى 100 إلى 180 طفلًا سنويَّا بسبب الأنفلونزا، ونحن نحرص على إعطاء لقاح الأنفلونزا كل عام لأن موت طفل واحد هو فاجعة مؤلمة».

اللقاحات تعني العودة إلى الحياة الطبيعية

لكن ربما كان الدافع الأقوى وراء تطعيم أولياء الأمور لأبنائهم هو استعادة وتيرة الحياة الطبيعية، على حد قول كارين إرنست، المديرة التنفيذية لمجموعة «أصوات داعمة للقاحات»، وهي مجموعة دعم وطنية لأولياء الأمور.

تقول إرنست: «من المهم للغاية تطعيم الأطفال؛ لأننا نرغب في أن يستعيدوا طفولتهم الطبيعية، أن يذهبوا إلى المدرسة ويتخلصوا من أقنعة الوجه ويقضوا أوقاتًا ممتعة مع أصدقائهم»، وهي تجري حاليًّا تحضيرات لمواجهة الموجة الحتمية من المعلومات المغلوطة التي ستصاحب الحملات الداعية إلى تطعيم الأطفال، لكنها ترى أن الطريقة المُثلى لضمان تقبُّل جيد للقاحات هي إتاحة اللقاحات قدر الإمكان، ويتضمن ذلك التحدث مع أولياء الأمور -أيًّا كان موقعهم الجغرافي ومستواهم الفكري- والإجابة عن أسئلتهم دون إطلاق أحكام عليهم.

تقول إرنست موضحةً: «يحتاج الناس إلى مَن يشرح لهم بوضوح لِمَ يعتبر اللقاح آمنًا بالنسبة للمراهقين، والأسباب التي تجعل تلقيح الأطفال مهمًّا»، ومع أن الأطفال لم يعد بوسعهم استعادة العام الذي فاتهم، فإن اللقاح قد يجنِّبهم فقدان عام آخر، مضيفةً: «هذه الاعتبارات ينبغي أن تكون جزءًا من تحليل المخاطر والمنافع الذي يجريه أولياء الأمور عند التفكير في اللقاح: المسألة تتعلق بالسماح لأطفالنا باسترجاع طفولتهم الآن».

إن العودة إلى الحياة الطبيعية تعني أيضًا ذهاب الأطفال إلى مدارسهم مرةً أخرى، وتلك مسألة جوهرية فيما يتعلق بتعليم الكثير من الأطفال وصحتهم النفسية والجسدية، وفي الصدد، يقول بونسترا: «إذا كنا ننوي إرجاع الأطفال إلى المدارس -وأرى أنه ينبغي علينا فعل هذا- فإننا نحتاج إلى أن نضمن مأمونية هذا الإجراء قدر الإمكان، والخطوة الأولى في هذا السبيل هي ضمان أن يتلقَّى اللقاح أكبر عدد ممكن من الأطفال».