قد يتمكن الذكاء الاصطناعي قريبًا من المساعدة في الفحص للكشف عن مرض ألزهايمر عن طريق تحليل ما يكتبه المرء؛ إذ أعلن فريق من شركتي «آي بي إم» IBM و«فايزر» Pfizer عن أنه قد درّب نماذج الذكاء الاصطناعي على اكتشاف العلامات المبكرة المشيرة إلى الإصابة بمرض ألزهايمر، المعروف بصعوبة الكشف عنه، وذلك عن طريق تحليل الأنماط اللغوية التي تحكم استخدام الكلمات.

كان باحثون آخرون قد سبق أن عملوا على تدريب نماذج متنوعة على البحث عن علامات التدهور الإدراكي -تتضمن علامات الإصابة بألزهايمر- عن طريق استخدام مختلف أنواع البيانات، مثل: أشعات المخ ونتائج الاختبارات السريرية. غير أن ما يميّز الدراسة الأخيرة عن غيرها هو استخدامها لمعلومات سابقة مستقاة من "دراسة فرامنجهام للقلب" متعددة الأجيال، التي تتابع الحالة الصحية لأكثر من 14 ألف شخصٍ على مدار ثلاثة أجيال منذ عام 1948. يقول الباحثون إنهم سيتمكنون من التنبؤ بالإصابة بألزهايمر قبل سنوات من اشتداد الأعراض إلى حدٍّ يُمَكِّن الأطباء من ملاحظتها بأساليب التشخيص العادية، وذلك إذا ما استمرت قدرة النموذج الجديد على رصد التوجّهات التي تحكم هذه البيانات في الدراسات المستقبلية، التي ستشمل مجموعات أكبر عددًا وأكثر تنوّعًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن أداة الفحص هذه لا تتطلب إجراء أشعات أو اختبارات باضعة. وقد نُشرت نتائج الدراسة التي تموّلها شركة «فايزر» وتُجريها شركة «آي بي إم» يوم الخميس في دورية «إي كلينيكال ميديسن» EClinical Medicine.

يقول أجاي رويورو، نائب رئيس قسم أبحاث الرعاية الصحية وعلوم الحياة بشركة «آي بي إم»: إن نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة تقدّم "دفعة للخبراء من ممارسي الطب بشأن كيفية الوقوف على بعض التغيرات الطفيفة في وقت مبكر، قبل التمكّن من إجراء التشخيص السريري. وقد ينبّهك النموذج إلى وجود بعض التغيرات [المشيرة] إلى أنك بحاجة إلى إجراء فحص أكثر شمولًا".

وحتى يدرّب الباحثون هذه النماذج، استخدموا نسخًا رقمية من إفادات المشاركين في "دراسة فرامنجهام للقلب"، إذ طُلِب منهم أن يصفوا صورة لامرأة تبدو منهمكةً في غسل الصحون بينما يتسلل طفلاها ليأخذا وعاء البسكويت دون علمها. تقول رودا أو، مديرة علم النفس العصبي بدراسة فرامنجهام والأستاذة بجامعة بوسطن: إن هذه الأوصاف لم تحافظ على الخط المكتوب به الإفادات الأصلية. (كان فريقها مسؤولًا عن نسخ البيانات للبحث الجديد، لكنه لم يشارك فيما سوى هذا). وحتى من دون الكتابة اليدوية، تمكّن نموذج الذكاء الاصطناعي الرئيسي من الكشف عن سمات لغوية ترتبط في بعض الأحيان بدلائل مبكرة على التدهور الإدراكي، على حد تصريح «آي بي إم». وتشمل هذه السمات أخطاءً هجائيةً معيّنة، وكلمات متكررة، واستخدام العبارات المُبسّطة بدلًا من الجمل المركبة نحويًّا. ويقول رويورو إن هذه الأدلة تتَّسق مع رؤية الاختصاصيين السريريين حول كيفية تأثير مرض ألزهايمر على اللغة.

نجح النموذج الرئيسي في التنبؤ بدقة تصل إلى 70% بالأشخاص الذين سيُصابون في النهاية بالخرف المرتبط بمرض ألزهايمر قبل سن الخامسة والثمانين من المشاركين في دراسة فرامنجهام. غير أن النتائج كانت مبنيّة على بيانات سابقة، ولم تتنبأ في واقع الأمر بأحداث مستقبلية، وهناك تحفظات أخرى على البحث الجديد.

فالذكاء الاصطناعي ركّز على أكبر المجموعات سنًّا من المشاركين في دراسة فرامنجهام، الذين يمثلون غالبًا العرق الأبيض من غير ذوي الأصول الإسبانية. وترى رودا أو أن هذا يحدّ من إمكانية تعميم النتائج بحيث تشمل مجتمعات أكثر تنوعًا في الولايات المتحدة وباقي العالم. بالإضافة إلى ذلك، لم يتضح بعدُ كيف سيكون أداء الذكاء الاصطناعي عند دراسة مجموعات أكبر حجمًا؛ إذ إن مجموعة بيانات الدراسة التي أجرتها دورية «إي كلينيكال ميديسن» لم تشمل سوى 40 شخصًا من الذين أصيبوا بالخرف في النهاية و40 شخصًا آخرين يمثّلون المجموعة الضابطة لم يُصابوا به، حسبما أوضحت جيكاترينا نوفيكوفا، مديرة التعلم الآلي في مختبرات وينترلايت لابس بمدينة تورنتو. لم تشترك نوفيكوفا في الدراسة الجديدة، وتتساءل عما إذا كان أداء الذكاء الاصطناعي الذي درّبته شركة «آي بي إم» سيتغير عند التنبؤ بظهور مرض ألزهايمر في مراحل زمنية مختلفة قبل التشخيص.

برغم ذلك، فإن نوفيكوفا ورودا أو تثنيان على الدراسة بصفتها إسهامًا عظيمًا في المجال قد يلفت مزيدًا من الانتباه إلى دور الذكاء الاصطناعي في الكشف عن ألزهايمر، وبالتالي، يجذب مزيدًا من الموارد لهذا المجال. تقول نوفيكوفا: "ما يعجبني شخصيًّا في هذه [الدراسة] هو أنها من المساعي الشحيحة المبذولة لتحليل البيانات الواقعية واسعة النطاق التي تم جمعها على مدار فترة زمنية طويلة جدًّا".

تذهب رودا أو إلى أن النماذج الجديدة ربما تكون أكثر دقةً إذا ما تمكنت من دمج الخط المكتوب يدويًّا؛ إذ من شأن هذه القدرة توفير دلائل إضافية، مثل: أدلة على وجود ارتجافات طفيفة، والانتقال بين طرق رسم الحروف، وأحجام الحروف الضئيلة. وتوضح رودا أو قائلةً: "هناك الكثير من … السمات التي لم يأخذها [الباحثون] بعين الاعتبار، والتي إذا ما وُضعت جنبًا إلى جنب مع السمات اللغوية، ستزيد على الأرجح من قدرة النموذج على التنبؤ". بالإضافة إلى ذلك، فإن نماذج «آي بي إم» لم تتضمن بيانات من اللغة الشفهية. إن توظيف قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الكلام في تشخيص مرض ألزهايمر يُعدّ من المجالات البحثية المتنامية، وقد ركّزت أنظمة أخرى على اكتشاف التغيرات الحادثة في العينات الصوتية. وتتضمن هذه العينات دلائل لا تتوافر في العينات المكتوبة، مثل الوقفات في أثناء الكلام.

وسواءٌ أكانت العينات اللغوية مكتوبةً أم منطوقة، فإنها توفّر مصدرًا للمعلومات لا يتطلب أي تدخل باضع نسبيًّا يتيح متابعة الصحة الإدراكية للأشخاص، بالمقارنة مع أشعات المخ وغيرها من الاختبارات المعملية. بالإضافة إلى ذلك، فإن جمع البيانات اللغوية يمكن أن يتم عن بُعد وعلى نحوٍ غير مكلف، وإن كان ذلك لا يزال يتطلب موافقة الأشخاص أصحاب العينات مع إحاطتهم بالأمر، وكذلك ضمانات لحفظ الخصوصية -على حد قول رويورو– وخاصةً أن بعض الناس قد لا يرغبون في معرفة احتمالات إصابتهم بألزهايمر، وهو مرضٌ لا شفاء منه في الوقت الحالي.

ربما يتضح أن تدريب النماذج على العينات المنطوقة بدلًا من العينات المكتوبة عمليٌّ أكثر للوصول إلى أكبر عدد من الناس على المدى البعيد، وذلك لأن الكتابة تتطلب محو الأمية بعكس الكلام. وقد انصبّ جُلُّ تركيز نوفيكوفا وزملاؤها في مختبرات ونترلايت لابس على تعليم الذكاء الاصطناعي كيفية تحليل الخصائص السمعيّة واللغوية للكلمات المنطوقة. وعكفت رودا أو على تسجيل الكلام والخط اليدوي باستخدام أقلام رقمية تستطيع نقل الخط اليدوي؛ وذلك لأهداف بحثية. ويبدو أن شركة «آي بي إم» تتبنى هذه الأفكار نفسها، وستطبقها في أبحاثها المستقبلية.

يقول جييرمو سيتشي الذي شارك في تأليف الدراسة الجديدة ويعمل باحثًا رئيسيًّا في مجالي الطب النفسي الحاسوبي والتصوير العصبي بشركة «آي بي إم»: "نحن بصدد استغلال هذه التقنية من أجل الوصول إلى فهم أفضل لأمراض، مثل الفصام [والتصلب الجانبي الضموري] ومرض باركنسون، ونقوم بذلك في دراسات استباقية تحلّل عينات من الكلام المنطوق أُخِذَت بعد الموافقة من اختبارات شفهية إدراكية مماثلة".