تُعد الإصابة الكُلوية الحادة واحدةً من أكثر مسببّات الوفاة شيوعًا في المستشفيات، وهي حالة ينتج عنها توقف مفاجئ في وظيفة العضو الحيوي المسؤول عن تنقية الدم. في عام 2014 وحده، تعرض ما يقرب من أربعة ملايين شخص في الولايات المتحدة للإصابة الكُلوية الحادة (المعروفة اختصارًا بـAKI)، والتي كانت تُعرف من قبل باسم الفشل الكلوي الحاد، وفقًا للتقارير الصادرة عن مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، كما أنها تسبب مئات الآلاف من حالات الوفاة سنويًّا. وعادةً ما يحتاج الناجون منها إلى غسيل كلوي مكلّف، قد يستمر شهورًا أو سنوات. وسعيًا للوقاية من الإصابة بهذه الحالة في المقام الأول، طوّر الباحثون برنامج ذكاء اصطناعي يمكنه التعرُّف على المرضى المعرضين للخطر قبل الإصابة بأيام.

تكمن صعوبة الوقاية من الإصابة الكُلوية الحادة في أن أسبابها تتباين تبايُنًا كبيرًا. يقول جوزيف فازالوتي، اختصاصي أمراض الكُلى ورئيس الخدمات الطبية في مؤسسة الكُلى الوطنية، والذي لم يكن مشاركًا في تطوير البرنامج الجديد: "تحدث هذه الحالة عادةً في أثناء العمليات الجراحية الكُبرى، أو كأحد مضاعفات الجراحة ونتيجةً لتعفن الدم. وقد تُسبِّب بعض الأدوية الإصابة الكُلوية الحادة كآثار جانبية أو استجابة مناعية". وتتضمن مسببات الحالة الأخرى انسداد المسالك البولية، أو مضاعفات الحروق، أو النوبات القلبية، وتحدث جميعها باستمرار في المستشفيات. يمكن أن تحدث الإصابة الكُلوية الحادة بسرعة –دون إنذار يُذكر. وتشير الزيادة في الفضلات المعروفة باسم الكرياتينين في الدم إلى تراجُع حاد في وظيفة الكُلى، ولكن بحلول الوقت الذي يمكن فيه للأطباء اكتشاف زيادة الكرياتينين، تكون الإصابة قد حدثت بالفعل. ولا يمكن لمقدمي الرعاية حينها إلا تخفيف الضرر.

ولذلك لجأ الباحثون في شركة ديب مايند هيلث DeepMind Health -وهي شركة تابعة لشركة ديب مايند للذكاء الاصطناعي التي تمتلكها شركة جوجل- وزملاؤهم إلى الذكاء الاصطناعي. فصمموا خوارزمية ذكاء اصطناعي تهدف إلى تحديد العوامل التي تشير إلى أن شخصًا ما معرض لخطر الإصابة الكلوية الحادة وإلى التنبؤ بالإصابة قبل 48 ساعة من حدوثها. وقد تنبأت هذه الخوارزمية بإجمالي حالات الإصابة الكلوية الحادة بنسبة دقة بلغت 55.8، ولكن في الحالات الشديدة التي تستلزم غسيلًا كلويًّا فيما بعد، بلغت النسبة 90.2. وقد ورد تفصيل هذا البحث في دراسة نُشرت يوم الأربعاء في دورية Nature.

لتدريب هذه الخوارزمية، عمل باحثو الدراسة على تغذيتها بعينة من 703782 سجلًّا صحيًّا إلكترونيًّا لبالغين مجهولي الهوية من وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية. إذ تضمنت هذه البيانات أكثر من 600 ألف مؤشر صحي مختلف يمكن لنموذج الذكاء الاصطناعي استخدامه، من بينها نتائج تحاليل الدم والعلامات الحيوية ووصفات الأدوية والإجراءات السابقة، إضافةً إلى معلومات متعلقة بالأمور العملية، مثل النقل بين الأجنحة أو الحجز في وحدة الرعاية المركزة. في البداية، اضطر الباحثون إلى تضييق نطاق العوامل عبر تقسيمها إلى عوامل غير ذات صلة وعلامات خطر محتمل. ويقول نيناد توماسف، مهندس باحث في DeepMind: "لقد استخدمنا قوة التعلم العميق للعثور على المؤشرات المهمة في البيانات". وفي النهاية تم تحديد 4000 عامل من العوامل ذات الصلة التي يمكن أن تؤدي دورًا في التنبؤ بالإصابة الكلوية الحادة.

وبفحص هذه المؤشرات، يمكن للخوارزمية حساب ما إذا كان المريض في خطر أم لا قبل وقوع الضرر الكلوي بمدة مناسبة. ويعلق دومينيك كينج، قائد فريق تطوير المنتج: "إن اكتساب الأطباء القدرة على التنبؤ [بالإصابة الكلوية الحادة] قبل يومين من التعرض لها بدلًا من مجرد الاستجابة لها بعد حدوثها يرجع إلى ثراء البيانات". ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن الأطباء بإمكانهم الاستفادة من هذا الوقت الإضافي لمنع الضرر أو تخفيفه. فيمكنهم اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية، مثل إعطاء المرضى السوائل عن طريق الأوردة أو مدرّات البول، أو التأكد من أن الدواء المُستخدم غير سام لكُلى المريض. كذلك في وسع الأطباء معالجة المضاعفات المرتبطة بفقدان وظائف الكُلى بشكل أسرع.

وبالرغم من أن فازالوتي يصف الدراسة بـ"الواعدة"، فإنه يتشكك في إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة المستشفى الاعتيادية. ويشير إلى أن السجلات الصحية للمحاربين القدامى مثقلة بالمعلومات مقارنةً بالتقارير الطبية النمطية، كما أن هؤلاء المرضى يحظون بمتابعة جيدة في جميع المرافق العلاجية (ولهذا السبب تحديدًا رغب باحثو ديب مايند في استخدام هذه البيانات). ولذلك، هل سيكون لهذه الخوارزمية فاعلية في الظروف الاعتيادية الأخرى، والتي لا يمتلك فيها الأطباء السجلات الصحية لحالات المرضى قبل دخولهم المستشفى؟

علاوةً على ذلك، يسلط فازالوتي الضوء على نقطتين إضافيتين تثيران بعض المخاوف، وتتعلقان بعمل باحثي ديب مايند، وهما: انخفاض عدد النساء المشاركات (6 في المئة فقط من العينة) في الدراسة ووجود الكثير من النتائج الإيجابية الكاذبة. ويعلق بقوله: "إن الباحثين بحاجة إلى تنقيح [الخوارزمية] بمزيد من الدراسات؛ لتقليل النتائج الإيجابية الكاذبة". وفي الجانب المقابل، يرى كينج أن النتائج الإيجابية الكاذبة "مصدر قلق غير حقيقي، ولا وزن له"؛ لأن نصفها إما معرفات إيجابية صحيحة لقصور الكُلى -تم التنبؤ بها قبل أكثر من 48 ساعة فقط- أو كانت "نتائج إيجابية كاذبة لاحقة"، ما يعني "أن نوبةً من الإصابة الكلوية الحادة قد حدثت، واستمر النموذج في توقُّع ارتفاع الخطر لبعض الوقت بعد ذلك". ومن الـ50 في المئة المتبقية، كانت غالبية الحالات بين الأشخاص الذين يعانون من مشكلة مسبقة في الكلى.

ويشير الباحثون المشاركون في هذه الورقة البحثية الجديدة إلى أن هذا البرنامج يُعَد علامة فارقة أولية، ولكنها مهمة في استخدام الذكاء الاصطناعي في البيئات السريرية، وإنهم بحاجة الآن إلى تحسين نموذجهم. وفي نهاية الأمر، يخطط الباحثون لمحاولة تطبيق النموذج للتنبؤ بحالات مرضية أخرى في مجال الرعاية الصحية، على غرار "تعفن الدم وفشل الكبد ومضاعفات مرض السكري"، على حد قول كينج، الذي يضيف: "نحن نرى إمكانات هائلة لهذه الخوارزمية، لا سيما فيما يتعلق بحالات مرضية أخرى يمكن الوقاية من التعرُّض لها".