كي ينطلق سائقو سيارات السباق سريعًا عبر المنعطفات متخذين "مسار التسابق" الأسرع دون فقدان التحكم، عليهم الضغط على المكابح، وتحريك مقود السيارة، وزيادة السرعة في تتابعات موقوتة زمنيًّا بدقة، وتعتمد هذه العملية على حدود الاحتكاك التي تحكمها قوانين فيزيائية معروفة، وبالتالي يمكن للسيارات ذاتية القيادة أن تتعلم أداء دورة كاملة بأقصى سرعة ممكنة (وهو ما حققه بعض تلك السيارات بالفعل)، لكن هذه المهمة تزداد تعقيدًا بكثير عند وجود سيارات أخرى في محيط السائق الآلي، بيد أن العلماء تمكّنوا مؤخرًا من سبر أغوار هذا التحدي افتراضيًّا عبر تدريب برنامج ذكاء اصطناعي كي يسبق منافسيه البشريين في لعبة السباقات شديدة الواقعية «جران توريزمو سبورت» Gran Turismo Sport، ومن شأن النتائج التي توصلوا إليها أن توجّه الباحثين في مجال السيارات ذاتية القيادة نحو طرق جديدة لتوظيف هذه التكنولوجيا على أرض الواقع. 

لقد تغلبت برامج الذكاء الاصطناعي بالفعل على اللاعبين البشريين في ألعاب فيديو معينة، مثل «ستاركرافت 2» Starcraft II و«دوتا 2» Dota 2، ولكن «جران توريزمو» تختلف عن الألعاب الأخرى في جوانب لافتة للانتباه، على حد قول بيتر وورمان، مدير شركة «سوني إيه آي أمريكا» Sony AI America، الذي شارك في تأليف الدراسة الجديدة التي نشرتها دورية Nature، ويشرح وورمان قائلًا: "في معظم الألعاب، تحدد بيئة اللعبة القواعد الناظمة وتحمي بعض اللاعبين من بعض، لكن في السباق، تكون السيارات على مقربة شديدة بعضها من بعض، فتسري مجموعة من قواعد السلوك بالغة التهذيب ينبغي على برامج الذكاء الاصطناعي اللاعبة تعلُّمها وتطبيقها، فلكي تفوز في السباق، عليها احترام خصومها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مسارات القيادة الخاصة بها، والحرص أيضًا على عدم إفساح الطريق للسيارات الأخرى".

ولتعليم البرامج القواعد الأساسية، استخدم الباحثون في «سوني إيه آي» تقنية «التعليم المعزز العميق» deep reinforcement learning؛ إذ كافأوا برنامج الذكاء الاصطناعي على أداء سلوكيات معينة، مثل الالتزام بمضمار السباق واحترام قواعده السلوكية، وعدم فقدان التحكم في المركبة، ثم تركوه يجرب طرقًا مختلفة من التسابق من شأنها أن تمكّنه من تحقيق تلك الأهداف، درّب فريق «سوني إيه آي» نسخًا مختلفةً متعددةً من برنامج الذكاء الاصطناعي الذي ابتكروه، وأطلقوا عليه «جران توريزمو صوفي» Gran Turismo Sophy (واختصارًا «جي تي صوفي»)؛ إذ تخصصت كل نسخة في قيادة طراز معين من السيارات على مضمار سباق محدد، ثم جعلوا البرنامج ينافس أبطال لعبة «جران توريزمو» من البشر، في التجربة الأولى، التي أُجريت في شهر يوليو الماضي، حقق البشر أعلى نتيجة إجمالية على مستوى سباقات الفرق، أما في التجربة الثانية، التي أُجريت في أكتوبر 2021، فقد حقق برنامج الذكاء الاصطناعي إنجازًا كبيرًا؛ إذ نجح في هزيمة خصومه من البشر على المستوى الفردي ومستوى الفِرق كذلك، محققًا أسرع دورات على مضمار السباق.

لكن اللاعبين البشر تقبَّلوا خسارتهم بروح رياضية فيما يبدو، بل إن بعضهم استمتع باختبار ذكائه في منافسة الذكاء الاصطناعي، وفي هذا السياق، تتحدث إريكا كاتو ماركوس، مديرة الإستراتيجيات والشراكات في شركة «سوني إيه آي»، قائلة: "من التعليقات التي سمعناها من السائقين في اللعبة أن بعضهم تعلَّم حيلًا جديدةً من المناورات التي نفّذتها صوفي"، على سبيل المثال، تقول إيميلي جونز، متسابقة الدور النهائي في بطولات جران توريزمو العالمية 2020 المعتمدة من الاتحاد الدولي للسيارات، والتي نافست برنامج «جي تي صوفي» في السباق لاحقًا: "إن المسارات التي اتخذها برنامج الذكاء الاصطناعي كانت جِدَّ صعبة، يمكنني على الأرجح تجربتها مرةً واحدة، لكنها فائقة الصعوبة حقًّا، حتى إنني لا أجرؤ على تنفيذها في سباق"، ومع أنها ذكرت أن التنافُس مع برنامج ذكاء اصطناعي جعلها تشعر بقدرٍ من انعدام الحيلة، فإنها تصف التجربة بكونها مدهشة.

تضيف جونز: "على غرار الكثير من الرياضات، يتمحور التسابق في الأساس حول الاقتراب أقرب ما يكون إلى تحقيق الدورة المثالية، لكن إدراك ذلك فعليًّا أمرٌ مستحيلٌ، أما في حالة صوفي، فقد ذُهلت لمشاهدة البرنامج يحقق ما يستحق وصفه بالدورة المثالية، فلا يمكن لأحدهم التفوق على السرعة التي بلغها".

يواصل فريق شركة «سوني» حاليًّا تطوير برنامج الذكاء الاصطناعي، ويصرّح وورمان: "لقد درّبنا لاعبًا آليًّا -وهو عبارة عن نسخة من «جي تي صوفي»- لكل طراز سيارة على كل نوع مضمار، ومن المسائل التي نبحثها: هل يمكن تدريب برنامج واحد قادر على قيادة أي سيارة وعلى أي مضمار سباق في اللعبة؟"، وعلى الصعيد التجاري، تتعاون شركة «سوني إيه آي» كذلك مع الشركة المطورة للعبة «جران توريزمو»، وهي شركة «بوليفوني ديجيتال» Polyphony Digital التابعة لشركة «سوني إنترأكتيف إنترتاينمينت» Sony Interactive Entertainment، من أجل دراسة إمكانية دمج نسخة من «جي تي صوفي» في تحديث مستقبلي للعبة، وسيتطلب تنفيذ ذلك من الباحثين تعديل أداء برنامج الذكاء الصناعي كي يتحول من خصم لا يُقهر إلى خصم تصعُب هزيمته، حتى للاعبين الأقل مهارةً من الأبطال الذين اختبروا البرنامج حتى الآن.

ولأن لعبة «جران توريزمو» تقدم محاكاة قريبة جدًّا من الواقع لطرازات سيارات بعينها ومضامير سباق محددة –وتحاكي كذلك المتغيرات الفيزيائية المتفردة التي تحكم كل سيارة ومضمار– فقد يكون لهذا البحث تطبيقات أخرى خارج نطاق ألعاب الفيديو، "أعتقد أن أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في هذه اللعبة، والتي تميّزها عن لعبة «دوتا»، هو بيئتها القائمة على قوانين الفيزياء"، وفق قول بروك تشان، مهندسة البرمجيات في شركة «أوبن إيه آي» OpenAI لأبحاث الذكاء الاصطناعي والمؤلف المشارك في مشروع «أوبن إيه آي فايف» OpenAI Five، الذي نجح في هزيمة اللاعبين البشريين في لعبة «دوتا 2»، وتتابع تشان: "على الرغم من أنها مجرد لعبة إليكترونية، فهي قادرة على محاكاة سمات عالم الواقع إلى حدٍّ يتيح لنا تدريب برنامج الذكاء الاصطناعي على اكتساب مزيد من الفهم للعالم الطبيعي". (لم تشارك تشان في دراسة «جي تي صوفي»).

ويعلق جيه. كريستيان جيرديس، أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة ستانفورد، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، قائلًا: "«جران توريزمو» أداة محاكاة جيدة جدًّا؛ فهي توظف بعضًا من عناصر الألعاب التقليدية، ولكنها تحاكي كثيرًا من الفوارق الناشئة عن مختلف السيارات ومضامير السباقات المتنوعة بدقة فائقة، وأرى أن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها التي تقترب أكثر من غيرها من إثبات أن برامج الذكاء الاصطناعي قادرة على منافسة البشر في بيئة السباق".

بيد أن بعض الباحثين لا يتفق تمامًا مع هذا الرأي، "على أرض الواقع، على المرء التعامل مع سائقي الدراجات، والمشاة، والحيوانات، والأغراض التي تسقط من الشاحنات في عرض الطريق، وينبغي على السائق أن يتمكن من تجنُّبها، وسوء أحوال الطقس، وأعطال السيارات، وأمورٍ من هذا القبيل، وكلها مواقف لا تظهر في عالم الألعاب"، على حد قول ستيفن شلادوفر، المهندس الباحث في برنامج «شركاء من أجل تكنولوجيا النقل المتقدمة في كاليفورنيا» Partners for Advanced Transportation Technology التابع لمعهد بيركلي لدراسات النقل بجامعة كاليفورنيا، والذي لم يشارك أيضًا في البحث المنشور بدورية Nature.

من ناحية أخرى، يرى جيرديس أنه لا يزال بإمكاننا الاستفادة من نجاح «جي تي صوفي» لأنه يتحدى بعض المسلَّمات حول الطريقة المعتمدة لبرمجة السيارات ذاتية القيادة، ففي وسع المركبات الآلية اتخاذ قرارات بناءً على قوانين الفيزياء أو وفق تدريب برنامج الذكاء الاصطناعي الذي يقودها، ويشرح جيرديس ذلك قائلًا: "إذا طالعت الأبحاث المنشورة في هذا المجال -وأخذت في اعتبارك أيضًا الأشياء التي يضعها الناس على الطريق- فستلاحظ أن مخططات الحركة تعتمد عادةً على قواعد الفيزياء في تحسين الأداء، في حين يختص الذكاء الاصطناعي بالجوانب المتعلقة بالملاحظة والتنبؤ"، لكن في حالة «جي تي صوفي»، اعتمد تخطيط الحركة (كاتخاذ القرار بشأن كيف تعبر السيارة منعطفًا بأقصى سرعة يسمح بها أداؤها دون التسبب في حادثة) في البرنامج على الجزء الخاص بالذكاء الاصطناعي في تصميمه، ثم يستطرد قائلًا: "أعتقد أن الدرس المستفاد لمطوري السيارات الآلية هو أنه ثمة معلومات في هذا البحث تفيد بأنه ينبغي لنا إعادة النظر في بعض أفكارنا المسبقة، ولا سيما المتعلقة بأن جوانب بعينها من هذه المسألة يُفضّل بحثها بالاستعانة بقوانين الفيزياء؛ فربما يستطيع الذكاء الاصطناعي الإسهام بدورٍ فيها أيضًا".

كما يشير جيرديس إلى أن إنجاز «جي تي صوفي» ربما يحمل دروسًا تفيد مجالات أخرى حيث يتفاعل البشر والأنظمة الآلية معًا، ويضيف موضحًا أن الذكاء الاصطناعي في لعبة «جران توريزمو» لا بد أن يراعي الموازنة بين مسألتين عسيرتين، وهما: بلوغ أسرع مسار حول حلبة السباق والتعامل بسلاسة مع بشر لا يمكن في الأغلب التنبؤ بتصرفاتهم، ويستطرد قائلًا: "إذا كان لدينا بالفعل نظام ذكاء اصطناعي قادر على اتخاذ عدد من القرارات المعقدة في تلك البيئة، فربما يكون قابلًا للتطبيق في مجالات أخرى غير القيادة الآلية، مثل الجراحات التي تستعين بالروبوتات، أو الآلات التي تساعد في الأعمال المنزلية؛ فالمهمات التي تتضمن تعاونًا بين البشر والروبوتات لتحريك شيءٍ ما تكون -من حيث بعض الجوانب- أصعب كثيرًا من المهمات التي يحاول الروبوت أداءها بنفسه".