في الخامس والعشرين من شهر يونيو، أصدر البنتاجون ومكتب مدير الاستخبارات القومية تقريرهما الذي اجتذب كثيرًا من الاهتمام عن الظواهر الجوية المجهولة، أو ما يُعرف اختصارًا (UAP)، وقد طال انتظار هذا التقرير بفارغ الصبر من جانب المؤيدين لوجود كائنات فضائية والمشككين فيه على حدٍّ سواء، وعلى الرغم من أن التقرير لم يستبعد وجود أصل فضائي للكثير من الظواهر الجوية المجهولة التي تم توثيقها، فإنه افتقر إلى التفاصيل أو المفاجآت.  

ولكننا نعلم بالفعل أن عالمنا يَسهُل على الراصدين من خارج مجموعتنا الشمسية اكتشافُه، ويوضح بحث نُشر في الثالث والعشرين من شهر يونيو بدورية Nature أنه في الخمسة آلاف سنة الأخيرة، كان هناك 1715 نجمًا في الموضع السماوي المناسب لمشاهدة كوكب الأرض المأهول بالسكان يمرّ أمام الشمس، هذا بالإضافة إلى دخول 319 نجمًا آخر إلى هذا الموضع المهيأ خلال الخمسة آلاف سنة القادمة، ومن المعلوم أن سبعةً من هذه النجوم السحيقة تحظى بكواكبها الخاصة التي تدور في فلكها وربما تدعم وجود حياة على سطحها.

تقول جاكي فيرتي، عالِمة فلك بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في مدينة نيويورك ومؤلفة مشاركة للدراسة الجديدة: "بدلًا من التساؤل باستمرار: ما الذي يمكننا اكتشافه من العوالم الأخرى؟ وأين العوالم الأخرى التي يمكننا اكتشافها؟ فلنفكر في الأمر بطريقة عكسية: ما العوالم التي يمكنها اكتشافنا؟ كم عددها؟ وإلى متى يتسنى لها اكتشافنا؟".

تواصلت ليزا كالتينيجر، عالِمة فلك بجامعة كورنيل، مع فيرتي بشأن فكرة رسم خريطة تبيّن النجوم القريبة التي بإمكانها رصد كوكب الأرض في الماضي والمستقبل، وتقول كالتينيجر عن الجدول الزمني المقترح: "أردت أن أضع جدولًا زمنيًّا يغطي مليار سنة!"، ومن جانبها توضح فيرتي قائلةً: "كنت أقول في نفسي: كلا، لا يمكنك الرجوع بالزمن إلا بمقدار محدد".

كان مصدر مجموعة البيانات التي استخدمتها الباحثتان هو ما جمعته بعثة «جايا» Gaia، وهي مركبة فضائية أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2013 لإحصاء أكثر من مليار نجم عبر مجرّة درب التبانة وتعقُّب مساراتها، استعانت المركبة بتقنية لقياس المسافات تُسمى تقنية التباين البصري[H1] ، ويمكن فهمها من خلال الغمز بعين واحدة، ثم الغمز بالعين الأخرى وملاحظة كيف تتحرك الأجسام الموجود في مجال رؤيتك تبعًا لمسافة قربها منك، وعن هذا تقول فيرتي موضحةً: "ثمة مسافة فاصلة صغيرة بين عينيك، وتلك المسافة الموجودة بين عينيك هي التي تتيح لك قياس العمق"، وهذا ما تفعله بعثة «جايا» الفضائية أيضًا، باستثناء أن خطها القاعدي يمتد تقريبًا بامتداد مدار الأرض حول الشمس، لا المسافة الفاصلة بين عيني المرء، وهذا الخط القاعدي الأطول أتاح للمركبة الفضائية قياس مسافات الأجرام السماوية وحركاتها بمزيد من الدقة، وكما هي الحال مع مقلتي عينيك، ثمة بعض الشكوك حول تحديد الخواص الحركية الدقيقة لهذه الأجرام السماوية البعيدة جدًّا، على حد قول فيرتي.

وهكذا، استقرت الباحثتان على إطار زمني مدته 10 آلاف سنة، تمتد بين خمسة آلاف سنة مضت وخمسة آلاف سنة قادمة من الآن، وتقول فيرتي إن الجدول الزمني مقيد، بالنظر إلى أن عمر كوكب الأرض 4.55 مليارات سنة، بيد أن العنصر الزمني لا يزال يمثل أهميةً خاصةً؛ لأن كل شيء في الفضاء يتحرك عبر الزمن، على حد قول رينيه هيلر، عالِم الفيزياء الفلكية بمعهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي، بمدينة جوتينجن الألمانية، والذي لم يشارك في الدراسة، وعن هذا يقول هيلر: "الفضاء ذو طابع ديناميكي، وما يحدث فيه ليس ثابتًا!". 

اختارت فيرتي وكالتينيجر من مجموعة البيانات التي جمعتها بعثة «جايا» الفضائية، النجوم الموجودة في نطاق 300 سنة ضوئية من مجموعتنا الشمسية، أي تلك النجوم الموجودة "في الجوار"، على حد قول فيرتي، وبفضل مركبة «جايا» الفضائية وغيرها من المسابير، يعرف الباحثون بالفعل مدى السرعة التي يتحرك بها كل نجم، ومن ثم يتلاعبون بمسارات النجوم إلى الماضي وإلى المستقبل عبر الزمن على خريطة افتراضية كبيرة، وأتاح لهم هذا المنهج تحديد الوقت والمكان اللذَين دخلت فيهما هذه النجوم المجاورة، أو ستدخل فيهما، إلى ما يُطلق عليه منطقة عبور الأرض أمام الشمس، أو ما تطلق عليه فيرتي "البؤرة السماوية"، وهي المنطقة التي ربما يصطف فيها النجم في وضع مناسب تمامًا ليُلقي نظرةً خاطفةً على عالمنا عند العبور أمام الشمس.

هذه هي الطريقة نفسها التي نجح علماء الفلك نجاحًا باهرًا بالاستعانة بها على كوكب الأرض في اكتشاف آلاف العوالم حول النجوم الأخرى ودراستها؛ فمن خلال رصد النجوم باستمرار، يستطيع الراصدون البحث عن نمط منتظم لحالات "الخفوت ومعاودة السطوع" الناتجة عن مرور الكواكب المظلمة أمام النجم كما نراه من مجموعتنا الشمسية، وهذه الطريقة المدهشة تخبرنا بما إذا كان هناك كواكب تحيط بالنجم، بل تتيح أيضًا للراصدين أن يستكشفوا التركيب الكيميائي الأساسي لهواء الكوكب عبر ضوء النجوم اللامعة في غلافه الجوي العلوي، وعن هذا يقول هيلر: "عندما يمر الكوكب أمام النجم، يترك بصمةً طيفية، كما نسميها، وهي معلومات عن غلافه الجوي على هيئة ضوء النجوم".

ويتضح أن دراسة كالتينيجر وفيرتي ليست الدراسة الأولى من نوعها للبحث عن أنظمة كوكبية أخرى يمكنها مشاهدة الأرض في أثناء العبور الفلكي؛ فقد رسم هيلر وأحد زملائه خريطةً مشابهةً في عام 2016، على الرغم من أن الدراسات السابقة أحصت 82 نجمًا فقط من شأنها أن تصطف في الموضع المناسب؛ فإنها لم تدمج العنصر الزمني الذي أتاحت مجموعة بيانات بعثة «جايا» الفضائية لكلٍّ من كالتينيجر وفيرتي إدراجه في بحثهما الجديد، ويقول هيلر عن بحثه السابق: "كنّا نفكر فيما إذا كان الآخرون يبحثون عن الكواكب العابرة مثلما نفعل، ولكن من منظور عوالم خارج المجموعة الشمسية، ولعل بعضهم سيحالفه الحظ لرؤية سكان كوكب الأرض يعبرون أمام الشمس".

إن إلقاء نظرة على كوكب الأرض والمجموعة الشمسية من هذا المنظور العكسي لهو أمرٌ بالغ الأهمية، على حد قول كالتينيجر، التي تعلق قائلةً: "أظن أن أكثر الصور إثارةً للرهبة هي صورة النقطة الزرقاء الباهتة التي أسهَم كارل ساجان في التقاطها"؛ ففي تلك الصورة الفوتوغرافية الشهيرة، التي التقطها المسبار الفضائي «فوياجر1» Voyager 1 من خارج مدار كوكب بلوتو، يظهر ثقبٌ ضئيلٌ من الضوء (كوكب الأرض) معلقًا وسط شعاع مائل من أشعة الشمس على خلفية من الفراغ المظلم للفضاء، ولونه السماوي الغامض يشير إلى وجود المسطحات المائية والسحب، الصورة هي تجسيد بصري متعمق لوصف الشاعر وليام بليك الذي يكثر اقتباسه عن تخيّل "العالم في ذرة رمال"، مبينًا كيف يمكن لنقطة صغيرة واحدة تكونت من ضوء الكوكب وتسقط على مكشاف قصيّ أن تكشف عن كميات مدهشة من المعلومات ذات الصلة بعلم الأحياء الفلكي، والمشهد من مسبار «فوياجر1» Voyager 1 هو بمنزلة دليل على حقيقة مثيرة ومبهجة، وهي أن الآخرين يستطيعون مشاهدتنا كما نشاهد أنفسنا من الأعماق السحيقة بين النجوم.

ومن المعروف أن سبعةً من النجوم التي شملتها كالتينيجر وفيرتي في خريطتهما ربما تستضيف كواكب صخريةً خارج المجموعة الشمسية يُعتقد أنها مرشحة بدرجة مقبولة لتؤوي مياهًا سائلةً على سطحها، وبالتالي توفر المأوى لأشكال الحياة كما نعرفها، وأحد هذه الكواكب يُطلق عليه اسم «روس 128 ب» Ross 128 b، كان في منطقة عبور الأرض أمام الشمس لحوالي ألفي سنة؛ إذ "رصد" كوكبنا في الفترة بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن العاشر بعد الميلاد، وهي فترة زمنية شهدت عهد الإسكندر الأكبر، وسقوط روما، وأوج حضارة المايا، بيد أن أفضل مشهد معروف لم يتحقق بعد، وهو موجود في محيط نجم أخر يُدعى «ترابيست-1» TRAPPIST-1، ويحيط بهذا النجم سبعة كواكب في حجم كوكب الأرض تقريبًا، وتقول كالتينيجر إن أربعة كواكب منها تقع على المسافة المناسبة من نجم «ترابيست-1» بحيث تدعم الحياة كما نتصوّرها، وهذا النجم وعوالمه التابعة سيدخل إلى منطقة عبور الأرض أمام الشمس في غضون 1600 سنة تقريبًا.

ويقول بعض الفلكيين إن هذه النجوم والأنظمة ذات الصلة ينبغي أن تكون على رأس أولويات الجهود الحالية والمستقبلية الرامية إلى البحث عن الكواكب الخارجية التي ربما تدعم الحياة، بل ربما تحمل أيضًا حضارات تكنولوجية فضائية، وعن هذا تقول جيل تارتر، الرئيس الفخري لبحوث البحث عن حياة خارج كوكب الأرض بمعهد «سيتي» SETI (البحث عن ذكاء خارج الأرض) والتي لم تشارك في الدراسة الجديدة: "أود أن أضع الأهداف المذكورة على رأس القائمة".

بالعودة إلى كوكب الأرض مرةً أخرى، كيف يمكن لنا أن نستعد لتوقيت دخول النجم «ترابيست-1» إلى مجال رصدنا بعد1600 سنة أو الاستعداد لتوقيت دخول أي كوكب خارجي؟ كيف نستعد لهذا الأمر؟ يقول هيلر إنه ليس من الـمُجدي نسبيًّا أن نضع خططًا للقرن السابع والثلاثين باستخدام تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، ولعل البشرية لن تكون موجودةً حتى ذلك التوقيت من المستقبل، وهو خيار يضعه هيلر بتردد في الحسبان إرضاءً لشطحات الخيال، وعلى حد قوله، يمكننا تنصيب نوع من اللافتات أو الأجهزة العملاقة التي تدور في مدار مشترك لتعكس ظلها على أشعة الشمس المارة بجوار كوكبنا، ولكنها ستظل محجوبةً إذا ما ضغط أحدهم على زر معين مرةً في السنة، ويقول مازحًا: وهكذا، سيكون من شأن اللافتة أن تتمدد بمجرد أن نرحل (أو ننسى الضغط على الزر) لتعرض رسالةً تقول: "يسعدنا عدم التعرُّف إليكم" لأي مخلوق يمر بها مصادفةً في أثناء غيابنا.

وتصرّح فيرتي بأنه بالإضافة إلى توجيه عمليات البحث عن حياة خارج كوكب الأرض، فإنها تأمل أن تكون هذه الخريطة الجديدة مصدرًا للإلهام وتفتح الآفاق أمام العقول، وعلى حد قولها، فتح المشروع مداركها نحو التفكير في احتمالات مقابلة عوالم أخرى، وتضيف فيرتي قائلةً: "ينتابني شعور غامض بأن المركبات تمر في الليل [لتؤدي هذه المهمة]"، ويقول هيلر إنه يساوره شعور غريب بأن أحدهم يحاول التواصل معنا، وعن هذا يقول: "تخيل العيش داخل غرفة جميع نوافذها مفتوحة، وأنت تنجز جميع أعمالك دون أن تعلم أن جميع النوافذ مفتوحة، هل ستتصرف على نحوٍ مختلف إذا علمت بأنك مراقَب طوال حياتك؟".