إن حبكة مسرحية «سيدتي الجميلة»، My Fair Lady، الشهيرة مبنية على الفكرة القائلة بأن الطريقة التي نتحدث بها تحدد موضعنا داخل المجتمع. وفي هذه المسرحية تصير الشخصية الرئيسية، إليزا دوليتل -دون درايةٍ منها- موضوعًا لرهان بين أستاذين في علم الصوتيات، يتفاخر أحدهما (هنري هينجز) بأن باستطاعته إقناع الغرباء بأن إليزا دوقة، وذلك عن طريق تدريبها على الحديث مثل الدوقات، في حين أن إليزا في الواقع ليست سوى ابنة جامع قمامة فقير، تتحدث بلكنة الكوكني الثقيلة. وبنهاية المسرحية الموسيقية تصير إليزا قادرةً على نطق كل كلماتها وكأنها ابنةٌ لطبقة النخبة البريطانية، وتخدع الجميع بشأن أصولها الحقيقية في حفلٍ راقص أُقيم في إحدى السفارات.

وبناءً على مجموعة جديدة من الدراسات العلمية، يبدو أن هيجنز ربما يكون محقًّا؛ فالناس يمكنهم تحديد طبقاتنا الاجتماعية من خلال الطريقة التي نتحدث بها. وقد نشر مايكل كراوس وزملاؤه في جامعة ييل مؤخرًا ورقة بحثية بعنوان "أدلة على إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية في الأحاديث الموجزة" في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس يو إس إيه»، Proceedings of the National Academy of Sciences USA . وتعرض الورقة أدلةً مستقاة من خمس دراسات توضح أن باستطاعة الأشخاص أن يحكموا بصورة صحيحة على المكانة الاجتماعية للشخص بناءً على حديث ذلك الشخص، وأن الناس يستخدمون هذه الأحكام في التمييز ضد المرشحين للوظائف ممن ينتمون إلى طبقات أدنى.

من الصعب تخيُّل نسخة من مسرحية «سيدتي الجميلة» تجري أحداثها في الولايات المتحدة؛ وذلك لأن الأمريكيين، بخلاف البريطانيين، يبدون إما عازفين، أو عاجزين، عن الإقرار بطبقاتهم الاجتماعية بأمانة. وقد وجد استطلاعٌ للرأي أجراه مركز أبحاث بيو عام 2015 أن غالبية الأمريكيين يعتبرون أنفسهم منتمين عمومًا إلى "الطبقة الوسطى"، سواءٌ كانوا يجنون أقل من 30,000 دولار أو أكثر من 100,000 دولار سنويًّا. غير أن الأبحاث الجديدة تبين أن الأمريكيين يجدون أنه من السهل تمييز الطبقة الاجتماعية الخاصة بالآخرين عن طريق الاستماع لهم وهم يتحدثون فحسب.

في واحدة من الدراسات، طلب كراوس وزملاؤه من 229 شخصًا الاستماع لـ27 متحدثًا مختلفًا، كانوا متباينين من حيث العمر والعرق والنوع والطبقة الاجتماعية. سمع أفراد الدراسة كلَّ متحدث من المتحدثين وهو يقول سبع كلمات مختلفة إجمالًا. وبناءً على ذلك الاستماع المقتضب تمكَّن المشاركون بنجاح من تحديد المتحدثين الذين تلقَّوا تعليمًا جامعيًّا في 55 بالمئة من المرات، وهي نسبة تزيد عن تلك التي نتوقعها نتيجة الصدفة. غير أن أحد أوجه قصور هذه الدراسة تَمثَّل في أنها استخدمت التعليم الجامعي باعتباره مكافئًا دالًّا على الطبقة الاجتماعية. علاوةً على ذلك، أراد الباحثون دراسة الفرضية القائلة بأن الناس يستنتجون الطبقة الاجتماعية من أسلوب الحديث وليس من محتوى ما يُقال.

ولهذا السبب أجروا تجربةً في دراسة أخرى، طُلب فيها من 302 من المشاركين إما الاستماع أو قراءة نسخة مكتوبة لما يعادل 90 ثانيةً من الحديث المسجل، كان المتحدثون فيها يتكلمون عن أنفسهم من دون أن يذكروا بوضوح أي شيء عن طبقتهم الاجتماعية (على سبيل المثال وظائفهم). وقد طُلب من المشاركين أن يحددوا الطبقة الاجتماعية لكل متحدث عن طريق استخدام تدريج تصاعدي مكون من عشر درجات يشير إلى زيادة الدخل، والتعليم، والمكانة الوظيفية. وقد وجدوا أن المشاركين الذين استمعوا للتسجيلات الصوتية كانوا أكثرَ دقةً في الحكم على المكانة الاجتماعية للمتحدثين. وتشير هذه النتيجة إلى أننا نستنتج الطبقة الاجتماعية للأشخاص بالأساس من الطريقة التي يتكلمون بها أكثر مما يقولونه فعلًا.

ومن أجل بيان ما إذا كانت لهذه الاستنتاجات تَبِعاتٌ في العالم الواقعي، أجرى كراوس وزملاؤه تجربةً ثانية، تتضمن محاكاةً لسيناريو توظيف. اختار الفريق 20 مرشحًا محتملًا لإحدى الوظائف من مجموعة تبلغ 110 متقدمين من أجل التدريب على خوض مقابلة خاصة بوظيفة مدير مختبر، تتطلب طيفًا عريضًا من المهارات الفنية والشخصية. وقد اختير المرشحون الـ20 لأنهم كانوا يمثلون أقصى درجات الاختلاف بين الطبقتين الاجتماعيتين العليا والدنيا من إجمالي مجموعة المرشحين. وقد أعد الباحثون تسجيل فيديو لكل مرشح وهو يجيب عن السؤال: "كيف تصف نفسك؟"، ثم استعانوا بـ274 مشاركًا، جميعهم لديه خبرة توظيف سابقة، من أجل الاستماع لتسجيل صوتي من هذه الفيديوهات، أو قراءة نسخة مكتوبة من المحتوى. وقد بينت النتائج أن المشاركين تمكَّنوا من الحُكم بدقة على الطبقة الاجتماعية للمرشحين، وأن هذا التأثير كان أقوى في حالة المشاركين الذين استمعوا للتسجيلات الصوتية. علاوةً على ذلك، رأى المشاركون أن المرشحين المنتمين إلى الطبقات الأعلى كانوا أكثر كفاءةً، وأنهم أكثر ملاءمةً للوظيفة، والأكثر ترجيحًا أن يتم توظيفهم. كما أنهم كافؤوهم براتب ابتدائي أعلى، وبعلاوات أكبر عند التوقيع.

تشير هذه الأبحاث -عند النظر إليها معًا- إلى أنه على الرغم من عدم ارتياحنا حيال الموضوع، فإن الأمريكيين قادرون على تَبيُّن الطبقة الاجتماعية لبعضهم البعض بسهولة بناءً على قصاصات صغيرة من الحديث. كما أننا نستخدم هذه المعلومات في التمييز ضد الأشخاص الذين يبدو أنهم ينتمون إلى طبقة اجتماعية أدنى. فغالبيتنا واعون بأن قوانين التوظيف تحمينا من التمييز المجحف بسبب سمات خارجة عن سيطرتنا، مثل النوع أو العرق. وهذه الأبحاث تحدد الطبقة الاجتماعية بوصفها طريقةً أخرى محتملة ربما يميز بها القائمون على التوظيف ضد المرشحين، وربما دون أن يدركوا ذلك.

بالتأكيد ثمة حاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث قبل أن نستقي نتائج مؤكدة بشأن الكيفية التي تؤثر بها الطبقة الاجتماعية على التمييز. على سبيل المثال، سيكون من المفيد أن نفهم مدى استقرار أنماط الحديث لدى الأشخاص مع مرور الوقت وبعد التعرُّض لمواقف مختلفة. وبالإضافة إلى ما تقدم، بمقدور الباحثين اختبار ما إذا كان جَعْلُ مديري التوظيف واعين بالانحياز المرتبط بالطبقة الاجتماعية سيغير من أحكامهم على المرشحين أم لا. ونأمل أن تستحث هذه الورقة البحثية مزيدًا من العلماء لينتبهوا للطرق التي يؤدي بها الحديث دورًا جوهريًّا في خلق عدم المساواة الاجتماعية واستدامته.