خلال السنوات القليلة التي سبقَتْ البداية الصاخبة لهذا العقد، الذي بدأ مع بداية عام 2020، عاد الشباب من جديد إلى تعاطي عقار "ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك" المخدِّر، المعروف اختصارًا بمخدر "إل إس دي" LSD. ورغم مرور قرابة 25 عامًا على رحيل تيموثي ليري، الذي عمِلَ ذات يوم أستاذًا لعلم النفس بجامعة هارفارد، وما تبِع ذلك من إطلاق بعض رماد رُفاته إلى الفضاء الخارجي على متن صاروخ فضائي، تشير الإحصاءات إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2018، ارتفع معدل الإقبال على تعاطي عقار "إل إس دي" -أو معدَّل "اليقظة والانسجام"، على حدِّ تعبير ليري- بنسبة تجاوزت 50% في الولايات المتحدة، وهو ارتفاع ربما يكون مدفوعًا بالحاجة إلى الهروب من الواقع باستخدام العقاقير الكيميائية. نُشرت هذه النتائج في عدد يوليو من مجلة "دراجّ آند آلكوهول ديبندنس" Drug and Alcohol Dependence، ويميل مؤلفو الدراسة إلى اعتقاد أن العديد من متعاطي هذه المادة الممنوعة بحُكم القانون إنما يلجؤون إليها سعيًا إلى مداواة أنفسهم من الاكتئاب، والتخفُّف من الضغوط والقلق العام الذي يخيِّم على العالم من حولهم.

يقول أندرو يوكي، المرشح لنيل درجة الدكتوراة في مجال التثقيف الصحي من جامعة سينسيناتي، والمؤلِّف الرئيس للدراسة المذكورة: "الهدف من تعاطي عقار «إل إس دي» هو الهرب من الواقع في المقام الأول. فإذا كان العالم على صفيح ساخن، فقد يلجأ إليه البعض بوصفه وسيلةً علاجية". ويضيف: "الآن، بعدما عصفَتْ بالعالم جائحة «كوفيد-19»، لا يبعُد أن تكون معدلات تعاطي هذا المخدر قد تضاعفت ثلاث مرات".

من أجل التوصُّل إلى نتائج الدراسة، استعان يوكي وزملاؤه بالبيانات التي جُمعت من أكثر من 168 ألف شخصٍ من الأمريكيين البالغين، من خلال الدراسة الاستقصائية الوطنية الأمريكية بشأن تعاطي المخدرات والصحة، وهي عبارة عن استبانة سنوية لقياس مستويات تعاطي المخدرات على مستوى الولايات المتحدة. وشرع الباحثون في تحليل الاتجاهات الإحصائية التي حصلوا عليها بدايةً من عام 2015، ويرجع سبب ذلك الاختيار -في جانبٍ منه- إلى توقيت إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016.

وجد الباحثون أن تعاطي عقار "إل إس دي" خلال السنة السابقة على الاستبانة قد زاد بنسبة 56% على مدار ثلاث سنوات. تركَّزت هذه الزيادة بصفةٍ خاصة داخل فئات بعينها من المتعاطين، تشمل الحاصلين على شهادات جامعية (بزيادة مقدارها 70%)، والأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و34 عامًا (59%)، والفئة العمرية من 35 إلى 49 عامًا (223%)، وكذا الأفراد البالغين من العمر ​​50 عامًا فأكثر (45%). وأما فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، فقد انخفضَتْ نسبة تعاطيهم العقار بنسبة 24%.

أغلب الظن أن الولايات المتحدة لن تشهد في القريب ثورةً ثقافيةً مضادة، تُغذِّيها دعوات تعاطي المخدرات، على غرار الثورة التي قامت في ستينيات القرن الماضي. فما زال عدد الأمريكيين الذين يتعاطون عقار "إل إس دي" في أي سنةٍ من السنين أقلَّ من 1% من إجمالي السكان البالغين. وفي هذا الشأن، يقول جوزيف بالامار، الباحث في مجال العقاقير بمركز لانجون الطبي التابع لجامعة نيويورك، الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة: "إن الإقبال على عقار «إل إس دي» اليوم أقلُّ بكثير مما كان عليه في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم". ويذكُر بالامار أنه في أواخر السبعينيات، على سبيل المثال، أفاد 10% من طلاب السنة النهائية في المدارس الثانوية أنهم سبق لهم تعاطي عقار "إل إس دي"، في حين أن هذه النسبة لا تزيد اليوم على 6%.

غير أنَّ بالامار يرى أن الانخفاض في نسبة تعاطي العقار خلال تلك الفترة الممتدة نسبيًّا لا يُعزَى -بالضرورة- إلى تراجع الإقبال على عقاقير الهلوسة، بل حدث نتيجةً لتوافر أنواع جديدة من العقاقير المخدرة -ومنها عقار "تو سي-بي" 2C-B- حلَّتْ محلَّ عقار "إل إس دي". ويضيف: "ومع ذلك، ربما يكون «إل إس دي» هو أكثر عقاقير الهلوسة شعبيةً على الإطلاق، ولن يندثر مطلقًا".

وكما هو الحال مع "السيلوسيبين" psilocybin (المركَّب النشط فيما يُعرف بالفطر السحري)، فقد لا يكون الدافع إلى تعاطي مخدِّر "إل إس دي" -بين الذين يتناولونه بغرض الترفيه- مقتصرًا على محاولة الهرب، وإنما قد يُقبِلون عليه أيضًا "بُغية استكشاف حدود قدراتهم العقلية، وتعزيز عافيتهم"، وذلك وفق قول ديفيد نَت، أخصائي علم النفس العصبي في جامعة إمبريال كوليدج لندن، الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة هو الآخر. ويلفت نَت إلى أنه -في أغلب الأحيان- يكون الحصول على "إل إس دي" أسهل من الحصول على "السيلوسيبين"، إضافةً إلى أنه يسهُل حَمل الأوَّل والتنقُّل به، مقارنةً بحمل حقيبة فيها كمية من الفطر المجفف في حالة الثاني.

لا يُسأل مُتعاطو "إل إس دي" المشاركون في الدراسة الاستقصائية الأمريكية بشأن تعاطي المخدرات والصحة عن سبب إقبالهم على هذا العقار، أو مقدار الجرعة التي يتعاطونها. ويعتقد نَت أن الإقبال المتزايد على الجرعات الصغيرة يمكن أن يفسر الزيادة الإجمالية في معدل تعاطي عقار "إل إس دي". تحتوي الجرعة الصغيرة على كمية من عقار الهلوسة تتراوح بين أقل من 10% و50% من الجرعة الكفيلة بإدخال الشخص في نوبة هلوسة، وعادةً ما يلجأ إليها الأشخاص في محاولة لشحذ القدرات العقلية، أو زيادة الإبداع، أو الحدِّ من أعراض الاكتئاب والقلق.

ويفترض بالامار، من جهته، أن الزيادة الطفيفة في تعاطي عقار "إل إس دي" ترتبط على الأرجح بزيادة الإقبال على المشاركة في المهرجانات والحفلات الراقصة. ففي دراسة نُشرت في شهر أبريل الماضي، خلص بالامار، ومعه المؤلف المشارك في الدراسة، إلى أن نسبة المتعاطين للعقار خلال العام السابق زادت من 10% إلى 17% بين مرتادي حفلات موسيقى الرقص الإلكترونية بمدينة نيويورك، بين عامي 2016 و2019.

وأمَّا يوكي فيذهب إلى أنَّ الزيادة في تعاطي عقار "إل إس دي" لا ترجع بالضرورة إلى أحد العاملَين دون الآخر (أي الإقبال على الجرعات الصغيرة وارتياد الحفلات)؛ فلعلَّهما يُسهمان معًا في هذه الزيادة. ربما يتعاطى أحدُهم جرعةً كاملةً من العقار "وهو في طريقه إلى حفل لفريق فيش الغنائي"، وجرعةً صغيرة وهو "متَّجه إلى العمل"، على حدِّ قول يوكي. وكذلك يتشجَّع البعض على تناول المخدر بعد القراءة عن الدراسات التي تستكشف الاستخدامات العلاجية لعقاقير الهلوسة. وتتمحور غالبية هذه الأبحاث حول "السيلوسيبين" قصير المفعول، الذي لا يزال قيد التجارب الإكلينيكية –الجارية حاليًّا، أو المُزمع إجراؤها مستقبلًا– من أجل اختباره كعلاج مُحتمل للاكتئاب، والقلق، وفقدان الشهية، والوسواس القهري، وبعض أنواع الصداع الشديد، وكذا إدمان التدخين والكوكايين والكحول. ويذكر نَت أن الدراسات التي تتناول عقار "إل إس دي" أقل انتشارًا، ليس لأن المادة تفتقر إلى القدرة العلاجية، ولكن لأن إجراء الأبحاث عليها "مستحيل عمليًّا" في معظم البلدان. ومن ثم، يبدو أن هذا المخدر يحمل وصمةً أكبر، نظرًا إلى قلة البحوث المرتبطة باستخداماته العلاجية.

تُدرِج إدارة مكافحة المخدِّرات في الولايات المتحدة مُركَّب "إل إس دي" ضمن عقاقير "الجدول الأول"، التي تُعرَّف بأنها عقاقير تُعرِّض متعاطيها لخطر الإدمان الشديد، دون أن تكون لها أي قيمة طبية حقيقية. في حين تذهب أبحاث مُهمة أخرى إلى أن المادة لا تسبب الإدمان الجسدي، وأن تناوُل جرعة زائدة من عقار "إل إس دي" لا يُعدُّ مهددًا للحياة على وجه العموم، بل يَخمُد مفعولها في غضون 72 ساعة. ووفقًا لدراسة نُشرت في مجلة "ذا جورنال أوف ستاديز أون آلكوهول آند دراجْز» The Journal of Studies on Alcohol and Drugs، أفاد أشخاص كانوا قد تناولوا جرعةً زائدةً من المخدر دون قصد، بأنهم شعروا بتحسُّن على المدى البعيد. ففي عام 2015، على سبيل المثال، تناقلَت الأنباء أن امرأةً تبلغ من العمر 49 عامًا قد تناولت جرعةً من عقار "إل إس دي" تزيد على الجرعة الطبيعية التي تُتناول بغرض الترفيه بنحو 550 مرة، ظنًّا منها أنها جرعة كوكايين. ووفقًا لما أفادت به شبكة "سي إن إن" CNN الإخبارية الأمريكية، أُصيبَت المرأة بفقدان الوعي والعجز لمدة يوم واحد تقريبًا، وصرَّحت بعد ذلك بأن الألم المزمن الذي كانت تعانيه في قدميها وكاحليها بسبب داء "لايم" قد تحسن تحسنًا ملحوظًا. ويقول يوكي: "يكشف لنا هذا عن أن عقار «إل إس دي» ليس ضارًّا إلى الحد الذي يتصوَّره الجميع". إلا أن هناك -بطبيعة الحال- استثناءات معروفة؛ إذ يمكن للعقار أن يؤدي مثلًا إلى تفاقُم أعراض الفصام، وغيره من الاضطرابات الذهانية.

عند النظر إلى الدراسات القليلة التي بحثَتْ آثار عقار "إل إس دي" واستخداماته العلاجية المحتملة، نجد أن كثيرًا من نتائجها مشجِّعة. فقد خلصتْ ورقة بحثية أُجريت عام 2014 إلى أن تناوُل العقار داخل منشأة طبية آمن، وقد تكون له فوائد ممتدة. ورصدَتْ دراسة أخرى، أُجريت عام 2015، أن العقار قد عزز المشاعر التي يثيرها الاستماع للموسيقى، وهو تأثير يعتقد مؤلفو الدراسة أنه ربما يكون مفيدًا في العلاج الذي يعتمد جزئيًّا على عقاقير تسبب الهلوسة. وفي دراسة ثالثة، أُجريت عام 2017، لاحظ الباحثون أنه عند تناوُل العقار في بيئة مُحكَمة، فإنه يعزز المهارات الاجتماعية، والثقة، ومشاعر الانفتاح. كما أفاد المؤلفون أن تناول العقار قد خفَّف من حدَّة القلق لمدة شهرين لدى المرضى الذين يعانون حالات مرضية مهدِّدة للحياة، ولم تنجُم عنه مضاعفات عند استخدامه في سياق طبي. وتشير أدلةٌ أخرى إلى إمكانية استخدام العقار لخفض حدَّة الاكتئاب والقلق، وعلاج إدمان الكحول، والتخفيف من أعراض داء التوحُّد، شأنه في ذلك شأن "السيلوسيبين".

ويقول يوكي: "قد يَصلُح «إل إس دي» علاجًا عامًّا للقلق ولاضطرابات نفسية أخرى. ولكن نظرًا إلى أنه مُدرَج ضمن عقاقير «الجدول الأول»، فإن إجراء أي أبحاث عليه يتطلب الخضوع للكثير من الإجراءات الروتينية، إلى حدِّ أن بعض الباحثين الذين تواصلت معهم وأعربوا عن رغبتهم في دراسته يقولون إن الأمر لا يستحق كل هذا العناء". 

يدعو يوكي إلى نزع الصبغة السياسية عن عقار "إل إس دي"، على النحو الذي يتيح إمكانية دراسة فوائده العلاجية المحتملة، وكذا تأثيراته على الأشخاص الذين يتناولونه بغرض الترفيه. وفي الوقت نفسه، يرى يوكي أن الجهود المبذولة للحدِّ من تعاطي المخدرات ينبغي أن توجَّه إلى مكافحة المواد الأكثر ضررًا، مثل الميثامفيتامين والكوكايين والفينتانيل، التي يبدو أنَّ عليها إقبالًا متزايدًا هي الأخرى. ويقول يوكي: "هذه العقاقير يمكن أن تُودي بحياتك، وليس الأمر كذلك في حالة «إل إس دي». إننا بحاجة إلى تصحيح الرسائل التي نبعث بها إلى المجتمع".