هذه أوقاتٌ عصيبة، وأنا أجدُ سلوايَ أينما استطعت، وقد وجدتُها مؤخرًا في كتاب "فجر كل شيء: تاريخٌ جديد للإنسانية" The Dawn of Everything: A New History of Humanity، الذي ألَّفه كلٌّ من عالِم الآثار ديفيد وينجرو، وعالِم الأنثروبولوجيا ديفيد جرايبر، الذي تُوفِّيَ بعد وقتٍ قصيرٍ من إتمام الكتاب، ويُعَد هذا الكتاب تحقيقًا أكاديميًّا مكثَّفًا مكونًا من 692 صفحة، يتناول أصول الحضارة، ويُقدِّم رؤيةً مثيرة ومبهجة عن الإمكانيات البشرية.

في كتابهما، يشن جرايبر ووينجرو هجومًا مثيرًا على فكرة الحتمية، التي تقضي بأنَّ العوامل البيولوجية والبيئية تجعل بعض سمات وجودنا حتميًّا، ويُبيِّن العالِمان أنَّ البشر عاشوا بطرقٍ شديدة التنوُّع، لا يمكن أن تستوعبها أي نظرياتٍ علمية بسيطة، ويؤكِّدان، بناءً على تحليلهما للماضي، أنَّ علينا ألَّا نتقبَّل المستويات الساحقة من عدم المساواة التي يشهدها العصر الحاضر، فبإمكاننا تحسين هذا الوضع.

ويُشكِّك العالِمان في صحة العديد من نماذج دراسة البشر التي تحظى بقبولٍ واسع، يعود تاريخ أحد هذه النماذج إلى عصر توماس هوبز، فيلسوف القرن السابع عشر، الذي اعتبر أنَّ حياة الإنسان البدائي كانت "بغيضةً وبهيمية وقصيرة"، وعبارة عن "حربٍ بين جميع البشر"، وكان هوبز يُشدِّد على أنَّنا نحتاج إلى قادةٍ أقوياء مدعومين بجيوشٍ مسلحة، لإنقاذنا من نزعاتنا الهمجية.

ولأسبابٍ واضحة، تحظى أفكار هوبز باستحسان أولئك الذين يحبون الوضع الراهن، غير أنَّ جرايبر ووينجرو دحضا سردية هوبز، من خلال الإشارة إلى المجتمعات الزراعية المعقدة في آسيا والشرق الأوسط والأمريكتين، التي حكمت نفسها بطرقٍ غير هرمية.

لكن بخلاف أغلب كارهي هوبز، لا يتفق العالِمان مع فيلسوف القرن الثامن عشر جان جاك روسو، تخيَّل روسو أنَّ البشر الأوائل عاشوا حياةً بريئةً وسعيدة، تتسم بالمساواة، وبذلك فالحضارة ليست هي طوق نجاتنا إطلاقًا، بل إنَّها هي ما نحتاج إلى الخلاص منه، إلَّا أنَّ نظرة روسو هذه إلى الإنسانية تُبسِّط المسألة أكثر ممَّا ينبغي، شأنها في ذلك شأن نظرة هوبز؛ فالمجتمعات القَبَلية يمكن أن تكون هرميةً ومولعةً بالحرب، ويمكن أن تكون مؤمنةً بالمساواة والسلام أيضًا، حسبما أوضح المؤلفان.

كما يرى جرايبر ووينجرو أنَّ كلًّا من هوبز وروسو كانا مخطئَين في مسألةٍ أخرى مهمة، فكلاهما افترض أنَّ أسلافنا، والبشر "البدائيين" الذين كانوا يعيشون في الأمريكتين والمناطق الأخرى، كانوا "أغبياء"، عاجزين عن التفكير في أشكال التنظيم الاجتماعي لديهم، ويُشدِّد العالِمان في هذا الشأن على أنَّ مَن عاشوا في عصور ما قبل التاريخ لم يكونوا سُذَّجًا على الإطلاق، بل كثيرًا ما كانوا واعين بذواتهم اجتماعيًّا، ومبدعين، ومولَعين بالتجريب.

يُبيِّن المؤلفان كذلك عدم كفاية النماذج المستوحاة من أفكار ماركس وداروين؛ فالماركسيون ينظرون إلى التاريخ على أنَّه صراعٌ على الموارد المادية، كالغذاء والأرض والمياه، أما الداروينيون فيُرجِعون أصل كل شيءٍ إلى انتشار الجينات، وهذه النماذج، كنموذجي هوبز وروسو، لا تُبرِز التنوع الهائل في السلوكيات البشرية، سواءٌ في الحاضر أو في الماضي.

بينما تقرأ هذا الكتاب، تُدرك أنَّ أطروحته واضحةٌ وضوحًا طاغيًا، فكلُّ ما يقوله جرايبر ووينجرو ببساطة هو أنَّ البشر في عصور ما قبل التاريخ كانوا أذكياء ومعقدين ومرحين ومنحرفين مثلنا في الوقت الحالي، وصحيحٌ أنَّنا -باعتبارنا بشرًا- نشترك في رغبتنا في السير مع القطيع، لكن بإمكاننا أيضًا أن نكون متمردين، فإذا رأينا جيراننا ينتهجون نهجًا معينًا، قد نرفض هذا النهج، ونتبنى نهجًا مختلفًا بدافع المُخالَفة فقط ليس إلَّا.

ينتقد المؤلفان كذلك ستيفن بينكر، أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد، والذي صار خبيرًا بارزًا في مجاله، واصفين إيَّاه بأنه "النسخة المعاصرة النموذجية من هوبز"؛ ففي كتابيه الأكثر مبيعًا، كتاب "ملائكة الطيبة في فطرتنا" The Better Angels of Our Nature وكتاب "التنوير الآن" Enlightenment Now، يطرح بينكر منظورًا يمزج بين أفكار هوبز وداروين، إذ يعتبر أنَّ الحضارة، وخصوصًا تلك التي ظهرت في أوروبا منذ عدة قرون خلال عصر التنوير، هي علاج ميولنا العنيفة.

ويدافع بينكر عن الحضارة المعاصرة بمخططاتٍ بيانية توضح ازدياد مستويات الثروة والصحة والحرية والسلام، وأنا أقدِّر هذا الجانب من عمل بينكر، الذي أراه بمنزلة ترياقٍ صحي لليأس والإيمان بالحتمية، ولذا دعَوتُ بينكر إلى إلقاء خطابٍ في كليتي العام الماضي.

لكنَّ إيمانه بأنَّ المؤسسات المعاصرة تستطيع حلَّ مشكلات تغير المناخ، وعدم المساواة، والعنصرية، والتمييز الجنسي، وغيرها من المشكلات الأخرى، يبدو إيمانًا ساذجًا جدًّا، وهو دائمًا ما يُبالغ في تقدير عنف البشر قبل قيام الدول، ويُقلِّل من قَدر العنف الذي تمارسه الدول الغربية المعاصرة، وبينما يوبخ بينكر بقيتنا، واصفًا إيانا بأنَّنا لسنا على القدر الكافي من العقلانية والعلم، فأنا أرى أنَّ المؤلفين لديهما مسوِّغٌ منطقي فيما يتعلق باتهامه بتجاهُل البيانات التي تتعارض مع وجهة نظره الهوبزية.

وهذا الكتاب ليس القول الفصل في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا؛ فالمؤلفان يرغبان في إحداث تغييرٍ جذريّ في نقاشاتنا حول ماهيتنا، وما يُمكن أن نكون عليه، ليجعلا تلك النقاشات منفتحةً على وجهات نظرٍ جديدة، وقد نجحا في ذلك؛ فكتابهما أثار ردود فعلٍ قوية، بعضها يشيد به والبعض الآخر ينتقده.

وبينما كنت أقرأ الكتاب، وجدتُ نفسي أرد على جرايبر ووينجرو؛ فهُما يسألان فيه كيف عجزنا عن التخلص من هياكلنا الاجتماعية الهرمية، التي تتسم بالهيمنة الذكورية إلى حدٍّ كبير، لكنَّهما لا يقدمان إجابةً واضحة، لذا أود أن أجيب أنا عن هذا السؤال، بالإجابة التي أقترحُها في كتاب "نهاية الحرب" The End of War.

فالحرب عنصرٌ خبيث وذاتي الانتشار، يمتد حتى إلى المجتمعات التي لا تريد الانخراط فيه إطلاقًا، فإذا هُدِّد مجتمعٌ سلمي من جارٍ عدواني، تكون خياراته محدودةً؛ إذ لا يُمكنه سوى الفرار، أو الاستسلام، أو رد العدوان، وحالما تندلع الحرب وتصبح وضعًا قائمًا، غالبًا ما تؤدي إلى هيمنة الذكور، والعبودية، وأشكالٍ أخرى من القمع، وفق ما يُبيِّن جرايبر ووينجرو.

وقد فكرتُ مليًّا أيضًا في تفسيرٍ لبعض الممارسات الثقافية الأكثر غرابةً التي يتناولها كتابهما بالتفصيل، فلماذا مثلًا قام بعضُ مَن كانوا يعيشون على البحث عن الطعام وجمعه -والذين يُفترض أنَّهم كانت لديهم أشياءٌ أفضل ليقضوا فيها أوقاتهم- بتشييد آثارٍ حجرية وبِنىً ترابية مُتقَنة؟ ولماذا كان الناس في بعض الثقافات يعتبرون قادتهم كالآلهة، بل إنهم على ما يبدو سمحوا بأن يُضحَّى بهم عند موت ملوكهم ليبقوا برفقتهم في الحياة الآخرة؟

ربما يُمكن تفسير هذه العادات الغريبة من خلال نظرية السيطرة على الخوف، التي ترى أنَّ الخوف من الموت هو أساس العديد من سلوكياتنا؛ فنحن نُشيِّد الآثار ونؤلِّه القادة سعيًا إلى تجاوُز فنائنا، والبشر المعاصرون ليسوا محصنين تمامًا من هذه الدوافع غير العقلانية.

لكنَّ لديَّ انتقادًا وحيدًا للكتاب؛ إذ كنتُ أتمنى لو أشاد المؤلفان بعالِمة الأنثروبولوجيا مارجريت ميد، واعترفا بتناولها لأطروحتهما من قبل، فهي أيضًا رأت أنَّ لدينا خياراتٍ أكثر ممَّا نظن؛ إذ دحضت الادعاء بحتمية الهيمنة الذكورية والعسكرية، وذلك بالإشارة إلى الثقافات المُسالِمة التي تسودها النساء، صحيحٌ أنَّ دراساتها الأكاديمية تعرَّضت للتشكيك، لكنَّ معظم هؤلاء المشككين ذوو أيديولوجيات مُعارِضة لقِيَمِها التقدمية.

أخيرًا، فإنَّ كتاب المؤلفين يسألنا عن أهمية كل هذه الاستنتاجات، وعمَّا يجب أن نفعل لنجعل العالم أفضل، وصحيحٌ أنَّ جرايبر ووينجرو يُكنَّان عداءً واضحًا للحكومات الكبيرة والشركات الضخمة، والنظام الهرمي عمومًا، لكنَّهما لا يُقدِّمان حلولًا محددة، وهذا تصرفٌ حكيم على الأرجح، لكن لديَّ اقتراحًا في هذا الشأن.

فكما تُعَد الحرب مفتاحًا لفهم الكيفية التي علقنا بها في هذا الوضع، فهي كذلك المفتاح للوصول إلى مستقبلٍ أفضل، فإذا أنهينا الحرب وثقافتها، وهيمنة النزعة العسكرية، سيسهل علينا علاج عديدٍ من أمراضنا الاجتماعية الأخرى، هذا هو تخميني، وأملي، وقد قلتها من قبل، وسأقولها مرةً أخرى: يجب أن نبدأ في الحديث عن كيفية إنهاء الحرب، نهائيًّا وإلى الأبد.