ملحوظة: هذه نسخة مُحدّثة من مقالنُشر في مايو 2020، تحت عنوان "عامل رئيسي واحد سيحدد ما إذا كان «كوفيد-19» سينحسر هذا الصيف"

تم تسجيل أول إشارة إلى طبيعة الإصابة الموسمية بأمراض الجهاز التنفسي المعدية في عام 400 ق.م. تقريبًا، عندما كتب أبُقراط،الطبيب اليوناني القديم الشهير، أول وصف لحدوث فاشية شتوية لمثل هذه الأمراض، ومنذ ذلك الحين، أخذنا نفكّر مليًّا في أثر التعاقب الموسمي على تفشِّي الأمراض التنفسية، وكان هذا لأسباب وجيهة؛ لأنه حتى قبل ظهور «كوفيد-19»، كان للأمراض التنفسية أثرٌ وخيمٌ على الصحة العالمية؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، تفيد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها(CDC)بأن الإنفلونزا تسببت في عدد وفيات وصل إلى 61 ألف حالة سنويًّا منذ عام 2010، وتشير منظمة الصحة العالمية(WHO) إلى أن 650 ألف حالة وفاة سنويًّا ترتبط بالإنفلونزا الموسمية على مستوى العالم.

حتى الآن، اكتشف العلماء ما لا يقل عن تسعة فيروسات مختلفة يمكنها أن تسببعدوى الجهاز التنفسي وتظهر بشكل موسمي في نمط تفشِّيها بالمناطق معتدلة المناخ، من بينها ثلاثة أنواع من الفيروسات -فيروسات الإنفلونزا، وفيروسات كورونا البشرية، والفيروس المَخلَوِيّ التنفسي البشري(RSV)- تبلغ ذروة الإصابة بها بشكل واضح في شهور الشتاء.

أحد الاحتمالاتالبدهية هو أن تغيرات الطقس الموسمية تتسبب بشكل مباشر في حدوث ارتفاع شديد في الإصابة بالأمراض التنفسية، إلا أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا؛ ففي الواقع، من المرجح أن ترتبط الإجابة عن سبب حدوث المرض بشكل موسمي ببيئاتنا الداخلية أكثر من ارتباطها ببيئاتنا الخارجية.

فاليوم يقضي -على الأرجح- معظمنا نحو 90% من الوقت في البيئات الداخلية، وهذه مسألة جوهرية؛ إذ أصبحت مبانينا أكثر تطورًا على مدار القرن السابق أو نحو ذلكمع استحداث أنظمة التدفئة المركزية وتطوير أغلفة المباني المعزولة والمنيعة على الهواء بشكل متزايد، والنتيجة هي أننا أصبحنا منفصلين أكثر فأكثر عن التقلبات المناخية اليومية والموسمية التي تحدث بالخارج، وخاصةً في فصل الشتاء.

وقد بدأت الأبحاث، ومنها هذا البحث، في توضيح العلاقة القائمة بين انتقال الفيروسات عبر الهواء ودرجة الحرارة والرطوبة، والتي تتأثر بكلتا البيئتين الداخلية والخارجية.

ومن الواضح أن ما يحدث في الشتاء هو أن التدفئة الداخلية تُحدث فارقًا بين درجات الحرارة في الداخل والخارج، ولكن ما نفهمه بشكل متزايد هو أنه بتدفئة مبانينا نتسبب في خفض معدلات الرطوبة النسبية الداخلية (RH)، الأمر الذي له تأثيرٌ كبيرٌ على انتشار الأمراض؛ فعلى سبيل المثال، أظهرت قياسات نسب الرطوبة في 40 شقة سكنية بنيويورك وفي ستة مباني تجارية عالية الجودة في الغرب الأوسط الأمريكي انخفاض الرطوبة النسبية في الداخل إلى أقل من 24% في الشتاء، بعبارة أخرى، تشير الدلائل إلى أنه مع دخول الهواء البارد من الخارج المصحوب بقدر ضئيل من الرطوبة في البداية إلى مكان مغلق ومع تسخينه حتى درجة حرارة تتراوح بين 20 و24 درجة مئوية (68 إلى 75 درجة فهرنهايت)، فإن معدل الرطوبة النسبية بالداخل يهوي بشدّة.

فهذا الهواء الخالي نسبيًّا من الرطوبة يهيئ سبيلًا واضحةً لانتشار جسيمات الفيروسات المحمولة جوًّا، مثل فيروس «سارس-كوف-2»SARS-CoV-2، المُمْرِض المسبب لمرض «كوفيد-19»، ويصمد فيروس «سارس-كوف-2» بشكل أفضل عند درجات الحرارة المنخفضة والرطوبة المتدنية؛ فنصف حياة الفيروس التقديرية كان أطول من 24 ساعة عند درجة حرارة تبلغ 10 درجات مئوية (50 درجة فهرنهايت) ورطوبة نسبية تبلغ 40%، في حين كانت 90 دقيقةً فقط عند درجة حرارة 27 درجة مئوية (80 درجة فهرنهايت) ورطوبة نسبية 65%، ويشير البحث الذي أجريناه إلى أن الهواء الجاف يقلل أيضًا قدرة أهداب أجسامنا -نتوءات تشبه الشعر على الخلايا المبطنة للممرات الهوائية- على إزالة الجسيماتالفيروسية ويمنعها من الوصول إلى الرئتين، وفي النهاية، فإن قدرة الجهاز المناعي على الاستجابةللمُمْرِضات يتم تثبيطها في البيئات الأكثر جفافًا، وفي الواقع، أوضحت دراسة تم إجراؤها في نيوساوث ويلز بأستراليا وجود علاقة عكسية بين الرطوبة النسبية وانتقال فيروس «سارس-كوف-2».

ومع استمرار جائحة «كوفيد-19»، يمكن لهذا البحث أن يؤدي دورًا حيويًّا في كيفية إدارتنا ومقاومتنا للمرض؛ فحتى يتم توفير الأعداد الكافية من اللقاحات لتغطية نسبة كبيرة من سكان العالم، يجب علينا أن نستمر في ممارسة التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وتجنُّب الأماكن الداخلية المزدحمة، بالإضافة إلى تلك الإجراءات، يمكننا أن نزيد نسبة الرطوبة في البيئات الداخلية من أجل التصدي لتفشِّي الفيروس وتجنُّب المزيد من الأمراض الأكثر خطورةً من «كوفيد-19».

لذا، فإنني وزملائي من المختصين بعلم البيولوجيا المناعية ومكافحة العدوى نناشد المجتمع العلمي وغيره لدعم الالتماس الذي قدمناه لحث منظمة الصحة العالمية على وضع العلاقة بين رطوبة الهواء في الأماكن الداخلية وانتقال الفيروسات، ومن ضمنها فيروس «سارس-كوف-2»، على قائمة أولويات الجدل الدائر حول الصحة العالمية بشكل عاجل، ونطالب منظمة الصحة العالمية بإعداد إرشادات واضحة حول الحدّ الأدنى لرطوبة الهواء داخل المباني، ونوصي بالإبقاء على الرطوبة النسبية من 40% إلى 60%؛ لتعظيم الفوائد من الرطوبة دون سلبيات الرطوبة المفرطة التي تعزز نمو العفن.

نأمل من خلال هذه الخطوة أن نقلل انتشار «سارس-كوف-2» والفيروسات الأخرى المُنتقلة عبر الهواء، وأن نحمي السكان والطلاب والمرضى والموظفين، كما أنها ستكونبالغ الأهمية لتأمين المباني العامة، مثل دور رعاية المسنين والمستشفيات والمدارس والمكاتب، والأمر لا يقتصر على عودة الحياة في أمريكا وبقية العالم إلى سابق عهدها، بل يتعلق أيضًا بتوفير الحماية للعاملين في مجال الرعاية الطبية، وبينما توجد بالتأكيد شبكة معقدة من التأثيرات الفاعلة، فإننا نعرف الآن ما يكفي عن تأثير الرطوبة النسبية في البيئات الداخلة على المرض، بما يستدعي اعتبارها عاملًا ذا دلالة معتبرة؛ فالتحكم في الهواء الداخلي هو الجبهة القادمة التي سنكافح عندها لتحسين صحة الإنسان وخفض انتقال أنواع متنوعة من الفيروسات، وضمنها «سارس-كوف-2».