في البداية، كانت هناك المادة والمادة المضادة، وبعد ذلك، لم يكن هناك سوى المادة. فما السبب؟ هذا السؤال هو أحد الألغاز المحورية في علم الفيزياء. وقد توصَّل المُنظِّرون على مدى عقود إلى حلول محتملة، ويتضمن معظمها وجود جُسيمات إضافية تتجاوز الأنواع المعروفة في الكون. وفي الأسبوع الماضي، أعلن العلماء عن نتائج مُثيرة تشير إلى أحد الحلول المحتملة، لكن البيانات لا ترقى إلى مستوى الاكتشاف الحاسم. وبصرف النظر عن ماهية الجواب النهائي، فإن حل السؤال قد يُمكِّننا من معرفة ما هو أكثر من مجرد اكتشاف السبب وراء عيشنا في كونٍ يتشكَّل من المادة؛ فمن شأنه أن يكشف أسرارًا من الحقبات الأولى للكون، أو حتى يربطنا بالمادة المظلمة الخفية التي تُحيِّر العلماء.

تنقسم معظم النظريات التي تتناول الكيفية التي هيمنت بها المادة على المادة المضادة إلى فئتين رئيسيتين. تُعرف الفئة الأولى من تلك النظريات بنشأة الباريونات بالتآثر الكهروضعيف، وهي تفترض نسخًا إضافية من جسيم بوزون هيجز، وهو الجسيم المسؤول عن اكتساب كل شيء آخر لكتلته. وإذا كان لأقرباء جسيم هيجز وجود، فمن الممكن أن يكونوا قد ساعدوا في بدء مرحلة انتقالية مفاجئة، على غرار تحوُّل الماء من سائل إلى غاز، في وقت مبكر في الكون، وهذا ربما يكون قد أدى إلى توافر المادة أكثر قليلًا من المادة المضادة في الكون. وعندما يحدث اتصالٌ بين المادة والمادة المضادة، فإن كلًّا منهما تُدمر الأخرى تمامًا، لذلك من الوارد أن تكون معظم الأشياء في الكون الصغير قد دُمِّرت، مُخلِّفةً وراءها فائضًا بسيطًا من المادة لتتشكَّل منه المجرات والنجوم والكواكب المحيطة بكوكبنا.

أما النظرية الرائدة الأخرى التي يُطلق عليها تكوين لبتو، فإنها تستند إلى النيوترينوات، وهي جسيمات أخف بكثير جدًّا من الكواركات، وتجتاز الكون على نحو أثيري، ونادرًا ما تتوقف لتتفاعل مع أي شيء على الإطلاق. ووفقًا لهذا السيناريو، بالإضافة إلى النيوترينوات العادية التي لدينا علمٌ بها، هناك نيوترينوات ثقيلة للغاية وضخمة جدًّا إلى حد اعتقاد أنها ربما تكون قد تشكَّلت فحسب من الطاقات ودرجات الحرارة الهائلة التي وُجدت بعد الانفجار العظيم مباشرةً، عندما كان الكون ساخنًا وكثيفًا للغاية. وعندما انحلَّت هذه الجسيمات إلى أنواع أصغر حجمًا وأكثر استقرارًا، وفقاً لأصحاب تلك النظرية، ربما يكون قد نتج عنها نواتج ثانوية من المادة تزيد قليلًا على النواتج الثانوية من المادة المضادة، وهو ما أدى إلى النسق الذي نراه اليوم.

لغزان بسعر لغزٍ واحد

يُقدم التصريح الأخير الذي أدلى به علماء تجربة «توكاي تو كاميوكا» Tokai to Kamioka المعروفة اختصارًا باسم (T2K) في اليابان دلائل واعدةً فيما يتعلق بمفهوم تكوين لبتو. وترصد التجربة النيوترينوات وهي تجتاز 300 كيلومتر تحت الأرض وتتغير بين ثلاثة أنواع أو نكهات، هذه قدرة غريبة تمتاز بها النيوترينوات ويُطلق عليها التذبذب. اكتشف باحثو تجربة «توكاي تو كاميوكا» وجود تذبذبات في النيوترينوات أكثر من وجودها في مضادات النيوترينوات، مما يُوحي بأن الاثنين لا يتصرفان على أن كليهما صورة طبق الأصل من الآخر فحسب، لكنهما يتصرفان أيضًا على نحوٍ مختلف في واقع الأمر. ويُعرف هذا الاختلاف بين الجسيم ونظيره من المادة المضادة باسم «خرق تناظر الشحنة السوية»، وهو دليل قوي يمكن أن يكون مفيدًا في السعي لفهم الكيفية التي سبقت بها المادة المادة المضادة بعد نشأة الكون. يقول تشانج كي يونج من جامعة ستوني بروك وأحد أعضاء فريق تجربة «توكاي تو كاميوكا»: "نحن لا نعد ذلك اكتشافًا بعد"، استبعدت التجربة في الوقت الحالي احتمال انعدام خرق النيوترينوات تناظر الشحنة السوية، وذلك بمستوى ثقة يعادل 95%، وتعرض دلائل تُشير إلى أن الجسيمات ربما تُظهر أقصى قدر ممكن من خرق تناظر الشحنة السوية المسموح به. ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من البيانات وإلى تجارب مستقبلية على الأرجح لقياس مدى اختلاف النيوترينوات ومضادات النيوترينوات بدقة.

حتى وإن حقق الفيزيائيون اكتشافًا حاسمًا لخرق تناظر الشحنة السوية لدى النيوترينوات، فإنهم لن يكونوا بهذا قد أوجدوا حلًّا جذريًّا للمسألة الكونية المتعلقة بالمادة المضادة. تقول سيدا إيبك، اختصاصية الفيزياء النظرية بجامعة كاليفورنيا في إرفاين: إن مثل هذا الاكتشاف سيكون "ضروريًّا، لكنه ليس كافيًا" لإثبات تكوين لبتو. المطلب الثاني للنظرية هو أن يتضح أن النيوترينوات والنيوترينوات المضادة هما الشيء نفسه. كيف يكون هذا التناقض الظاهر ممكنًا؟ يُعتقد أن المادة والمادة المضادة متطابقتان باستثناء أن كلًّا منهما تحمل شحنة كهربية معاكسة للأخرى. ويمكن للنيوترينوات التي بلا شحنات أن تكون الاثنتين في الوقت ذاته. إذا كان هذا الاحتمال هو واقع الحال، فإنه قد يفسر أيضًا سبب كون النيوترينوات خفيفةً للغاية، ربما أقل من واحد على ستة ملايين من كتلة الإلكترون. وإذا كانت النيوترينوات والنيوترينوات المضادة هي الشيء نفسه، فإنها قد تكتسب كتلةً ليس من خلال التفاعل مع مجال هيجز (المرتبط بجسيم بوزون هيجز)، وهو ما تفعله معظم الجسيمات، ولكن من خلال عملية أخرى تُسمى آلية التأرجح. وقد تكون كتلها الضئيلة متناسبة عكسيًّا مع كتل النيوترينوات الثقيلة التي ظهرت في بداية الكون. تقول إيبك: "عندما تكون إحداهما مرتفعة، تكون الأخرى منخفضة، مثل الأرجوحة".

تقول جيسيكا تيرنر، اختصاصية الفيزياء النظرية في مختبر مُعجِّل فيرمي الوطني (فيرميلاب) في مدينة باتافيا بولاية إلينوي: "إن تكوين لبتو طريقة بارعة جدًّا لتوضيح الأمور. فأنت تجيب أولًا عن سبب توافر المادة أكثر من المادة المضادة، وثانيًا، تفسر سبب امتلاء النيوترينوات بمثل هذه الكتل الصغيرة". والأدلة التي تفيد بأن النيوترينوات هي نظيراتها من المادة المضادة يمكن أن يكون مصدرها التجارب التي تبحث عن تفاعل افتراضي يُسمى اضمحلال بيتا المضاعف عديم النيوترينوات، والذي لا يُمكن أن يحدث إلا إذا كانت النيوترينوات قادرةً على تدمير نفسها كما تفعل المادة والمادة المضادة عند اتصالهما. لكن حتى هذا الاكتشاف لن يُقدم برهانًا شافيًا لحدوث تكوين لبتو. تقول تيرنر إنه "إذا قستَ أقصى خرق يمكننا رؤيته لتناظر الشحنة السوية، ولاحظتَ أن النيوترينونات كانت هي ذاتها جسيماتها المضادة، فيمكننا أن نقول إن هذا هو الدليل الظرفي، وليس دليلًا مباشرًا".

الارتباط بالقطاع المظلم

يُشير الفيزيائيون إلى أن الخيار النظري الآخر المطروح، وهو الباريونات بالتآثر الكهروضعيف، قد يكون أسهل في بحثه. تقول مارسيلا كارينا، رئيسة قسم الفيزياء النظرية في مختبر مُعجِّل فيرمي الوطني: إنه في حين أن تشكيل النيوترينوات الثقيلة المشاركة في تكوين لبتو، سيتجاوز على الأرجح قدرات مُعجِّلات الجسيمات، فإن بوزونات هيجز الإضافية التي تنبأت بها هذه النظرية قد تظهر فقط في مُصادم الهادرونات الكبير. حتى وإن كانت الآلة لا تصنعها بشكل مباشر، فيمكن لأقرباء هيجز هؤلاء أن يتفاعلوا على نحوٍ خفي مع بوزونات هيجز التقليدية التي تُنتجها، ولكن يظل ممكنًا اكتشاف ذلك.

كما تتطلب الباريونات بالتآثر الكهروضعيف خرق تناظر الشحنة السوية في الكون، لكن ليس في النيوترينوات تحديدًا. في الواقع، اكتُشف بالفعل خرقٌ لتناظر الشحنة السوية في الكواركات، رغم أنه كان بكميات قليلة جدًّا جعلت من الصعب تفسير عدم التوازن بين المادة والمادة المضادة. وأحد الأماكن التي يمكن أن يتوارى فيها خرق تناظر الشحنة السوية ما يُعرف بالقطاع المظلم، وهو نطاق المادة المظلمة غير المرئية التي يُعتقد أنها تُشكِّل الجزء الأكبر من المادة في الفضاء. وربما يختلف سلوك المادة المظلمة عن سلوك المادة المضادة المظلمة، ويمكن لهذا الاختلاف أن يُفسر الكون على النحو الذي نعرفه. تقول كارينا: "مجال عملي هو محاولة ربط عدم توازن المادة-المادة المضادة في الكون بفكرة أننا ندرك حاجتنا إلى شيء لم نَرَه حتى الآن لتفسير المادة المظلمة".

ولا يمكن أن نُقيم الأدلة على الباريونات بالتآثر الكهروضعيف من خلال اكتشاف جسيمات هيجز إضافية فحسب، بل أيضًا من خلال التجارب العديدة التي تبحث عن المادة المظلمة والقطاع المظلم. علاوةً على ذلك، إذا كان تحوُّل طوري كوني قد وقع بعد وقت قصير من الانفجار العظيم، حسبما تفترض النظرية، فربما يكون قد أحدث موجاتٍ ثقالية يُمكن اكتشافها عن طريق تجارب مستقبلية، مثل هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائي (LISA)، وهو كاشف فضائي للموجات الثقالية، من المقرر إطلاقه في ثلاثينيات الألفية الثانية.

ولكن في نهاية الأمر، قد يفاجئنا الكون. فربما لم يحدث أيٌّ من تكوين لبتو ولا الباريونات بالتآثر الكهروضعيف. تقول إيبك: "هذان ليسا الخيارين الوحيدين، فعالم النظريات شاسع جدًّا". عملت إيبك مؤخرًا على نموذج يتضمن خرقًا لتناظر الشحنة السوية في التفاعل القوي للكواركات داخل البروتونات والنيوترونات، على سبيل المثال، ويستكشف المُنظِّرون أفكارًا أخرى كذلك. تقول تيرنر: "أعتقد أننا في حاجة إلى السماح لأنفسنا ببحث جميع الاحتمالات. تكشف الطبيعة عن مكنوناتها، ولا يمكننا التحكم في الأمر. كل ما هنالك أننا نبذل قصارى جهدنا لفهمها".

في غضون ذلك، سيتوافر قياس حاسم لخرق تناظر الشحنة السوية في النيوترينوات، على الأقل، في المستقبل القريب. ثمة مشروعات قادمة مثل «تجربة النيوترينو العميقة تحت الأرض» Deep Underground Neutrino Experiment المعروفة اختصارًا باسم (DUNE) وتجربة «هايبر كاميوكاندي» (Hyper-K) التي تخلف تجربة «توكاي تو كاميوكا»، وهذه المشروعات لا بد أنها تمتاز بالحساسية اللازمة لإجراء حسابات دقيقة. يقول إد بلاشر، المتحدث باسم «تجربة النيوترينو العميقة تحت الأرض»، من جامعة شيكاغو: "بيانات تجربة «توكاي تو كاميوكا» تُثير اهتمامًا كبيرًا على ما يبدو، وهي تجعلني أشعر بحماسة بالغة أن ثمة شيئًا مثيرًا للاهتمام يمكن دراسته في الجيل القادم من التجارب المستقبلية".