مع أن القمر هو أقرب جيراننا السماويين وأكثرهم أُلفة، إلا أن السؤال حول كيفية تشكُّله لا يزال غير محسوم ومثيرًا للجدل بشكل يدعو للدهشة. ثمة اتفاق واسع بين العلماء على أنه قبل حوالي 4.5 مليارات سنة، اصطدم جِرْمٌ كبيرٌ يسمى ثِيا Theia  بالأرض، وهي فكرة تُعرف باسم فرضية الاصطدام العملاق. غير أن ما حدث بعد ذلك لا يزال محل جدل. فبعض العلماء يؤيدون نموذجًا "تقليديًّا"، يذهب إلى أن هذا الاصطدام أحدث كمياتٍ كبيرةً من الحُطام الذي تجمَّع تدريجيًّا ليُشَكِّل القمر، في حين ظلت الأرض على حالها. وبعضهم الآخر يتبنى نماذج أكثر راديكالية، مثل تبخُّر الأرض وثيا ليُنتجا حلقة على شكل كعكة دونات من الحطام الصخري فائق السخونة تُعرف باسم سينستيا synestia، التي شكلت في نهاية المطاف كوكبنا وتابعه. لكن «ليس [من بين النظريات] ما وصل إلى مستوى الإجماع»، كما يشير جاي ميلوش، من جامعة بوردو.

قد تحل دراسة جديدة نُشرت في دورية «نيتشر جيوساينس» Nature Geoscience بعض الأمور. إذ فحص إريك كانو -من جامعة نيو مكسيكو- وزملاؤه عينات من سطح القمر جمعتها بعثات أبولو، ووجدوا أنه كلما تعمقنا تحت هذا السطح، بدا القمر مختلفًا أكثر عن الأرض. تشير هذه النتيجة إلى أن القمر وكوكبنا ليسا مُتطابقَين في التركيب كما كان يُعتقد في السابق، وهو الأمر الذي يُحتمَل معه استبعاد نموذج سينستيا، الذي يفترض أن مادتي الأرض وثيا امتزجتا بشكل تام قبل انفصالهما إلى الأرض والقمر التابع له. قد تُعيد هذه النتائج إلى الأذهان النماذج الأكثر تقليديةً فيما يتعلق بنشأة القمر. ويقول مارك ثيمينس، من جامعة كاليفورنيا، الذي كان أحد مراجعي الورقة البحثية: «ظل الناس يتنازعون حول هذا الأمر طيلة 60 عامًا». ويضيف: «إن حقيقة أنه يمكنك تصنيف جزء من القمر على أنه ناشئ عن الجرم المصطدم، لهي أمر مهم حقًّا».

إحدى الطرق الرئيسية للمقارنة بين تركيبي الأرض والقمر هي بقياس نظائر الأكسجين، أي ذرات الأكسجين ذات الكتلة المختلفة، الموجودة في العينات. يُعتقد أن الأجسام التي تكونت في مواقع مختلفة داخل النظام الشمسي تحتوي على كميات متفاوتة من هذه النظائر. كانت دراسات سابقة قد توصلت إلى أن نظائر القمر تُشبه إلى حدٍّ كبير نظائر الأرض، إذا ما أُخذت متوسطات الأماكن التي أُخذت منها عينات كل جسم منهما. تشير هذه الملحوظة إما إلى حدوث الكثير من الامتزاج بين الأرض وثيا، أو إلى أن ثيا قد تشكل في موقع مشابه للموقع الذي تشكل فيه كوكبنا داخل النظام الشمسي. وسواء كان ثيا قد تَشكَّل في موضع مُغاير، أو إذا كان امتزاج بسيط قد حدث بعد التصادم، فيجب أن تتباين النظائر تبايُنًا أوسع.

ولكن عِوضًا عن أخذ متوسط العينات، دقق فريق كانو في الأماكن التي نشأت فيها على القمر، وكشفوا عن اختلافات ملحوظة. وجد الباحثون أنه على الرغم من أن نظائر الأكسجين بالقرب من السطح كانت مشابهةً لنظائر الأرض، فإن النظائر الأدنى كانت مختلفة. يقول كانو: «شكلت قيم نظائر الأكسجين المتطابقة معضلةً لفرضية الاصطدام العملاق؛ لأن هذه النماذج تُنْبئ بأن القمر لا بد من أن يكون قد تكوَّن في المقام الأول من مادة مصدرها الجِرم المصطدم. ما وجدناه هو أنه يوجد تبايُن فعلي في قيم نظائر الأكسجين، وفق أنواع الصخور المختلفة".

تُشير النتائج إلى أن مُخلفات ثيا اختُزِنَت في عمق الوشاح القمري في أعقاب الاصطدام. في هذه الأثناء، على السطح، انهمر على القمر تدريجيًّا غلاف من صخر من السيليكات المتبخر الناتج عن هذا الاصطدام، ويشوبه بمواد من الأرض. يقول كانو: «كان هذا ينهمر فوق القمر المنصهر. ومع ذلك، لم يختلط اختلاطًا تامًّا داخل محيط الصهارة القمري. لهذا السبب نعتقد أن العينات المأخوذة من [المناطق] الأكثر عمقًا فيها أقل قدر من الشوائب».

يقول ميلوش إن هذه النتائج قد يكون لها آثار مهمة على النقاش حول نشأة القمر. ويقول: «يتمثل التأثير الإجمالي لهذه النتيجة في أنها قد تستبعد نموذج سينستيا، أو على الأقل تُلقي ببعض الشكوك عليه». أما سارة ستيوارت -من جامعة كاليفورنيا (دافيس)، التي اقترحت مع زميلها سيمون لوك نموذج سينستيا عام 2018- فتقول: إن النتائج لا تنفي تمامًا نظريتها حتى الآن. تبقى الأسئلة الرئيسية حول نشأة القمر، وخصوصًا فيما يتعلق بالسبب وراء أن نظائر الأكسجين الأرضية تبدو أكثر تشابهًا مع نظائر ثيا من تلك التي من أماكن أخرى، مثل المريخ. وتقول: «ما زلنا عالقين في معضلة تكوين القمر بواسطة جسم كان يتعين أن يكون قريبًا جدًّا من الأرض، أو عن طريق الكثير من الامتزاج في أثناء الحدث. ولا يزال مقدار [الامتزاج] بالتحديد مسألةً لم تُحْسَم بعد».

ومع ذلك، تُظْهِر النتائج الجديدة أنه لا يزال هناك الكثير مما يمكن تعلُّمه فيما يتعلق بتركيب القمر، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يتمكن العلماء من الاتفاق على نظرية واحدة بشأن الكيفية التي تشكَّل بها التابع الأرضي. يقول ثيمينس: «كثيرون من الناس مهتمون حقًّا بمعرفة كيف تمت نشأته». ولكن إذا توافر دليل دامغ على وجود المادة التي كان ثيا يتكون منها تحت السطح، فقد يساعدنا هذا أخيرًا على اكتشاف من أين جاء هذا الجِرم المصطدم، وكيف أدى إلى تكوُّن جارنا السماوي.