في أكتوبر الماضي، شعرت نانسي هوبكنز بسعادة غامرة –على حد قولها– عندما علمت أن امرأتين هما فرانسيس إتش. آرنولد ودونا ستريكلاند كانتا ضمن العلماء الثمانية الذين حصلوا على جوائز نوبل هذا العام. لقد ظلت هوبكنز –وهي عالمة متمكنة من علمها في مجال الأحياء الدقيقة– عقودًا من الزمن تناصر قضايا النساء المشتغلات في مجال العلوم، وذلك منذ أن أدركت في تسعينيات القرن الماضي أن المساحة المخصصة لها في المختبر الذي تعمل فيه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كانت أصغر من تلك المخصصة لأقرانها من الذكور، لا لسبب واضح سوى أنها امرأة.

عندما كانت هوبكنز لا تزال طالبةً في مرحلة الدراسة الجامعية في جامعة هارفارد في ستينيات القرن العشرين، وكانت حينها تعمل في مختبر جيمس واطسون الحاصل على جائزة نوبل، كانت تفترض أن تحقيق التقدم في مجال العلوم يرتكز ارتكازًا كاملًا على قدرات المرء ومهاراته، بمعنى أنه يعتمد على إعداد ورقة بحثية عظيمة، وعلى الدفع بالمجال العلمي إلى الأمام، ومن ثم جني ثمار هذا العمل. ولكن مع مرور الوقت تغيرت قناعات هوبكنز في ضوء تجاربها الخاصة وتجارب قريناتها الإناث، وأصبح تقرير صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا –وهو تقرير كانت هوبكنز قد كتبته في عام 1999 عن التفاوتات بين الجنسين– ركيزةً أساسيةً للجهود الرامية إلى زيادة عدد النساء في المستويات العليا لمجال العلوم، سواء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أو على الصعيد الوطني ككل.

في عام 2005، انسحبت هوبكنز –التي درَسَت الجوانب الوراثية للنمو المبكر وخطر الإصابة بالسرطان– من محاضرة كان يلقيها لورانس سامرز، الذي كان رئيسًا لجامعة هارفارد حينها، وذلك عندما قال في معرض حديثه إن الاختلافات البيولوجية المتأصلة بين الجنسين قد تفسر الأسباب وراء زيادة عدد الرجال على عدد النساء في مجال العلوم، وهو الزعم الذي جادلت هوبكنز بأن البيانات لا تدعمه. ووفقًا لما جرى تداوله، كان النزاع الذي أُثير حول تصريحات سامرز أحد العوامل التي دفعته إلى اتخاذ قرار مفاجئ بالاستقالة من منصبه في أوائل العام التالي لهذه الواقعة. في الآونة الأخيرة، عكفت هوبكنز –التي تحمل الآن رسميًّا لقب أستاذ متقاعد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا– على دراسة طرق الوقاية من السرطان والكشف المبكر عن المرض، مع الاستمرار في الوقت ذاته في مناصرة قضايا النساء المشتغلات في مجال العلوم.

كانت جوائز نوبل التي أُعلن عنها في أكتوبر الماضي سببًا دفَع هوبكنز -التي تبلغ من العمر حاليًّا 75 عامًا- إلى التفكير من جديد في دور نوع الجنس في الاعتراف بالإنجازات العلمية. وفي وقت تزامن مع أحدث جولة من جولات الإعلان عن الجوائز، شاركت هوبكنز أفكارها مع مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American في حوار جرى عبر البريد الإلكتروني.

[فيما يلي تفريغ منقَّح من المقابلة].

ما رأيكِ في خبر حصول امرأتين على جائزة نوبل في مجال العلوم هذا العام؟

أنا سعيدة للغاية، فيبدو أننا نشهد سلسلةً من النجاحات. أنا أعرف د. آرنولد شخصيًّا، ولذا يبدو الأمر مثيرًا بشكل خاص. [حصلت آرنولد على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2018 بالمناصفة، لتصبح خامس امرأة تفوز بهذه الجائزة منذ تأسيسها في عام 1901].

هل يعكس العدد المنخفض نسبيًّا من النساء الحاصلات على الجائزة في المجالات العلمية –9% فقط على مدار العقد الماضي و3% على مدار تاريخ الجائزة– حقيقة أن الأشخاص الذين يفوزون بالجائزة عادةً ما يكونون متقدمين في السن، بمعنى أنهم قد توصلوا إلى اكتشافاتهم منذ سنوات عديدة عندما كان عدد النساء المشتغلات بالعلوم أقل بكثير؟ أم أن ثمة شيئًا آخر يحدث؟

في الجيل الذي أنتمي إليه، من الواضح أنه كان هناك بالفعل عددٌ من السيدات اللاتي كن يقمن بأعمال علمية بمستوى يضاهي ما هو مطلوب لنيل جائزة نوبل. إلا أن جزءًا من الأسباب التي جعلتني أصبح ناشطة في مجال الدفاع عن قضايا النساء المشتغلات بالعلوم هو أنني اكتشفت –وبشكل يدعو إلى الصدمة– أن المرأة حتى وإن قدمت عملًا يضاهي ما هو مطلوب لنيل جائزة نوبل، فإنها لا تحصل على الجائزة. بعبارة أخرى، بغض النظر عن مدى عظمة الاكتشاف، كان الناس ببساطة لا ينسبون هذا الاكتشاف إلى امرأة؛ فالاكتشاف الذي تتوصل إليه امرأة ينتمي في رأيهم إلى الأثير، أو يعود الفضل فيه إلى العالَم الكبير الواسع. عندما كنت أصغر سنًّا، لطالما اعتقدت أنه إذا أجرت امرأةٌ ما تجربةً عظيمةً بما فيه الكفاية، فإنه لا يمكن لأحد إنكار فضلها. لكنني تعلمت أنني كنت مخطئة؛ فهذه المرأة قد تنجز تجربةً تؤهلها للحصول على جائزة نوبل، ومع ذلك لا تحظى بالاعتراف والتقدير اللازمَين لنيل الجائزة. تُعَد روزاليند فرانكلين المثال الأشهر في عالم الطب. [كانت فرانكلين خبيرةً في دراسة البلورات بالأشعة السينية، ولم يتم الاعتراف بصور الأشعة التي التقطتها بالرغم من الدور المحوري لهذه الصور في اكتشاف تركيب الحمض النووي، والذي نال الفضل في اكتشافه جيمس واطسون وفرانسيس كريك وموريس ويلكنز، فضلًا عن نيلهم جائزة نوبل].

هل ينبع الأمر من مشكلة "خط الأنابيب"؟ أي هل يصل عدد قليل جدًّا من النساء من الأصل إلى مناصب في مجال العلوم تُمَكِّنهن من تقديم إسهامات جديرة بجائزة نوبل؟

أعتقد أن الناس لا يدركون مدى قلة عدد النساء اللاتي يشغلن مناصب ويعملن في مؤسسات من شأنها أن تُنتج علماء يمكنهم الفوز بجائزة نوبل.

لفترات طويلة، استمرت النساء في أداء أعمال ترقى إلى مستوى جائزة نوبل، حتى عندما كانت أعدادهن في مجال العلوم ضئيلةً للغاية، لكنهن لم يتقلدن مناصب كانت تتيح لهن الفوز بالجائزة. قد تكون جوسلين بيل بورنيل مثالًا على ذلك. كانت بورنيل لا تزال طالبة [عندما أجرت أساسيات البحث الذي قاد مشرفها إلى الفوز بجائزة نوبل تقديرًا لاكتشاف النجوم النابضة، تلك النجوم النيوترونية سريعة الدوران التي تنبعث منها الإشعاعات]. بغض النظر عن مدى الاستقلالية التي كان الباحث يتمتع بها، كان واردًا أن يُنسب الفضل إلى رئيس المختبر، وكان واردًا أن تكون العادة في تلك الحقبة الزمنية قد جرت على ألا يتم إدراج أسماء الطلاب، ببساطة لأنهم كانوا مجرد طلاب. وبما أن معظم النساء لم يكن باستطاعتهن الحصول على وظائف كأعضاء في هيئات التدريس أو كمسؤولين عن قيادة أعمال المختبرات، فإن ذلك كان عقبةً هائلةً كما هو واضح.

لقد تلاقت أهداف قانون الحقوق المدنية، وقوانين العمل الإيجابي، والحركة النسائية لتغيير هذا الأمر، غير أن النساء لم يبدأ انضمامهن –واحدة تلو الأخرى– إلى هيئات التدريس بالجامعات البحثية الأمريكية إلا في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

في عام 1995، عندما كنت مسؤولةً عن إدارة اللجنة المعنية بالنساء المشتغلات في مجال العلوم لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كانت نسبة أعضاء هيئة التدريس من النساء في الأقسام العلمية الستة 8% فقط، وفي قسم البيولوجيا كانت النسبة 15%. وقد ظلت نسبة أعضاء هيئة التدريس من النساء في قسم البيولوجيا لدينا تتراوح بين 25 و30% على مدار السنوات العشرين الماضية، وفي اعتقادي تمثل هذه النسبة إلى حدٍّ ما واقع الأمر في الأقسام والكليات المشابهة. وبناءً عليه، لا تزال الأعداد الصغيرة تمثل جزءًا من المشكلة.

هل كانت هناك أية قدوة نسائية تحتذين بها عندما كنتِ طالبة؟

عندما كنت أدرس في جامعة هارفارد، لم يكن هناك في الأساس أعضاء لهيئة التدريس من النساء. وعندما كنت طالبة، كان واضحًا بالنسبة لي أنني إذا أردتُ مواصلة الدراسة لكي أصبح عالِمةً بعد التخرج من الجامعة أو من كلية الدراسات العليا، فإن أمامي خيارين اثنين فقط: إما أن أعمل كأخصَّائي تِقَني أو أن أتزوج من رجل صاحب نفوذ في المجال العلمي، وحينها يمكن أن أصبح قادرةً على الحصول على وظيفة كعضو في هيئة التدريس. حقيقةً لم تكن هناك أية وسيلة أخرى تراءت لي حينها لأتمكَّن من مواصلة العمل في المختبر.

هل تعتقدين أن التوازن بين الجنسين سوف يتحسن بشكل طبيعي مع مرور الوقت عندما يصل المزيد من النساء إلى المستويات العلمية العليا، أم أن هناك شيئًا ما يجب أن يتغير في هذه الأثناء؟

آمُل –وأتوقع كذلك– أنه بمرور الوقت سوف تتسبب زيادة أعداد النساء في انعكاس تأثير مشكلة "خط الأنابيب". ولكن الأمر سوف يتطلب الكثير من الجهد. إذا كان مَنْح بعض جوائز نوبل وفوز البعض بالجائزة أمرَين حتميَّين، فلا تزال هناك موضوعات أخرى أو أشخاصٌ آخرون كان يمكنهم الفوز بهذه الجوائز بدلًا من الآخرين. ولذا أقول إن السياسة وما شابهها تؤدي دورًا ما، كما قيل لي. ومن المؤكد أن ما قيل لي صحيح؛ لأنه في الحقيقة هناك العديد من الموضوعات التي كان يمكن –بل كان يجب– أن تفوز بالجائزة ولكنها لم تفز بها. أتصور أن هذا أيضًا يسهم في قلة عدد النساء الحاصلات على الجائزة. ولذا علينا أن نتأكد من ترشيح النساء لهذه الجوائز، والترويج والدعاية لهن، كما يحدث مع الرجال.

هل تفعل لجنة جائزة نوبل ما يكفي لضمان إتاحة الفرصة للنساء لمحاولة الحصول على الجوائز؟

من المثير للاهتمام هذا العام أن واحدةً من الفائزين الثلاثة بالجائزة في مجال الفيزياء، وهي دونا ستريكلاند، كانت لا تزال طالبة دراسات عليا عندما أجرت العمل البحثي الحاصل على الجائزة، وقد تشاركت ستريكلاند الجائزة مع المشرف على أطروحتها. لقد ركزت لجنة جائزة نوبل، إذًا، اهتمامها فيما وراء المُسَمَّى الوظيفي الذي كان الباحث يحمله وقت أدائه للعمل، وأخذت في الاعتبار ما قدمه هذا الشخص من إسهامات علمية، وهذا أمر رائع؛ ففي بعض الأحيان يعمل الطالب في واقع الأمر كمساهم في البحث، وليس مجرد شخص عديم الخبرة يفعل ما يطلبه منه مشرفه.

يسعدني أيما سعادة أن لجنة جائزة نوبل تؤكد أهمية التعرُّف على النساء الجديرات بالفوز بالجائزة، وهذا هو ما ينبغي للجنة أن تفعله. اللجنة، إذًا، تُقدِّر التقدم الكبير الذي حدث على مدار العقدين الماضيين في فهم التحيز اللاواعي وكيف أنه يمنعنا من الاعتراف بالقيمة الكاملة للعمل الذي تؤديه المرأة. وبالمناسبة، تلك الاكتشافات المتعلقة بالتحيز نفسها تستحق جائزة نوبل في رأيي. وكما تعلمنا على مدار العقدين الماضيين، يتعين علينا –حتى نتغلب على التحيزات التي تعترينا جميعًا، ولكي ننظر إلى إسهامات المرأة بشكل منصف- أن نبذل جهدًا واعيًا في هذا الشأن. علينا أن نتحقق من البيانات، وأن ننظر إلى الحقائق.

لماذا يُعَد وجود نساء بين الفائزين بالجائزة أمرًا مهمًّا؟ ألا ينبغي أن يكون هذا القرار مبنيًّا على النواحي العلمية بشكل بحت، بغض النظر عن نوع الجنس؟

بلى! بطبيعة الحال يجب أن يستند القرار إلى النواحي العلمية. ولكن من المهم للغاية بالنسبة للنساء الشابات أن يشهدن اعترافًا بالمرأة وتقديرًا لها عند تحقيقها لإنجازات على أعلى المستويات. لو لم يحدث هذا، فإن هؤلاء النساء الشابات قد يفقدن الثقة بأنفسهن. عندما يرى المرء شخصًا يشبهه يحقق نجاحًا، فإن لسان حاله يقول: "إذا كان له أن يحقق هذا النجاح، فأنا أيضًا يمكنني أن أكون مثله".