في  بداية الأسبوع الثالث من شهر يناير، ذُهِلَ العالم حينما تسبَّب الانفجار الهائل والمدمر لبركان "هونجا تونجا-هونجا هاباي" في اندفاع سحابةٍ ضخمة من الغاز والرماد والركام نحو الغلاف الجوي، وهذه السحابة البنية، التي كان حجمها يتزايد بسرعةٍ كبيرة، بدت واضحةً جليةً في صور الأقمار الصناعية.

ومع انجراف السحابة، تساقَط الرماد على جزرٍ أخرى في مملكة تونجا البولينيزية، منها جزيرتها الكُبرى تونجاتابو، وقد عرقل هذا الوضع جهود الاستجابة، التي حاولت التخفيف من الأضرار الأخرى التي خلَّفها الثوران البركاني، وعلى الأخص تلك الناجمة عن التسونامي الذي تسبَّب فيه، إذ غطى الرماد المتساقط مدرجات مطار فوا أموتو الدولي في جزيرة تونجاتابو، ووفق التقارير الصحفية، عمل المتطوعون على تنظيف المدرجات من الرماد حتى تتمكن طائرات الإغاثة من الهبوط. 

يثير هذا الرماد أيضًا بعض المخاوف الصحية، بيد أنَّها ليست تلك المخاوف التي قد تخطر على بالنا في المعتاد، ولتوضيح هذه المخاوف، أجرت مجلة "ساينتفك أمريكان" Scientific American مقابلةً مع كلير هورويل، الأستاذة المتخصصة في مجال الصحة الجيولوجية  بجامعة دورهام الإنجليزية، ومؤسِّسة ومديرة "الشبكة العالمية للمخاطر الصحية للبراكين" International Volcanic Health Hazard Network، التي تقدم معلوماتٍ واستشاراتٍ قائمةً على الأدلة فيما يتعلق بالمخاطر الصحية للثورانات البركانية، وتتضمن الفقرات التالية نُسخةً مُحرَّرة من هذه المقابلة.
هل هناك مخاطر صحية لاستنشاق الرماد البركاني؟ وكيف من الممكن أن يختلف هذا عن استنشاق الدخان الناجم عن حرائق الغابات؟
عندما يبدأ الرماد البركاني في التساقُط، قد يشبه الثلج بعض الشيء، لكنَّه في الحقيقة يتكون من جسيماتٍ دقيقة من الصخور، بعض هذه الجسيمات يكون في حجم حبات الرمل، وبعضها الآخر مثل الدقيق، وهذه الجسيمات الصغيرة الأخيرة قد تدخل إلى الرئتين في أثناء التنفس. 

يعتقد الناس أنَّ هذه الجزيئات الصخرية حادةٌ وزجاجية، وأنَّها قد تُخلِّف جروحًا في الرئتين حين نتنفَّسها، وهم مُحقُّون في أنَّ الرماد يحتوي على زجاجٍ بركاني (صهارة مُتصلِّبة)، لكنَّ حجم هذا الزجاج متناهي الصغر، إلى درجةٍ يصبح معها غير حاد، وصحيحٌ أنَّ هذه الجسيمات الزجاجية أطرافها مدببة بعض الشيء، لكنَّها لن تُسبِّب لك أي جروح.

ويختلف الرماد البركاني عن دخان حرائق الغابات؛ لأنَّه يتكون من صخور، وليس من نباتاتٍ محترقة، كما أن جسيمات دخان احتراق الأخشاب أدق حجمًا من جسيمات الرماد البركاني، ومتقاربة في أحجامها بدرجةٍ أكبر منها، وهو ما يجعلها تبقى عادةً عالقةً في الهواء بدلًا من أن تتساقط، وقد ثَبت أنَّ هذا الدخان عالي السُّمِّيَّة، في حين لم تُثبِت الدراسات الإكلينيكية والمخبرية المُجراة على الرماد البركاني أنَّه يمثل خطورةً كبيرة، ومع ذلك، فقد صرَّحت منظمة الصحة العالمية (WHO) بأنَّ جميع الجسيمات المُعلَّقة في الهواء (PM) قد تُسبِّب أمراضًا تنفسية، كما أنَّ هناك أدلةً على أنَّ هذه الجسيمات تؤثر على جميع أعضاء الجسم، ولهذا فالأحرى بنا اتخاذ الحذر، ومحاولة الحد من تعرُّضنا للرماد البركاني.

ومعظم الأصحاء يمكن لأجسامهم أن تتحمل استنشاق كمياتٍ مركَّزة من الرماد لبعض الوقت دون الإصابة بأي مشكلاتٍ صحية كبيرة، وقد يكون ذلك مزعجًا لهم إلى حدٍّ ما، إذ يمكن أن يصيبهم بالسعال وباحتقانٍ في الحلق، كما قد يصيبهم بالحكة واحتقانٍ في العينين، الخوف من هذا الرماد يتعلق أكثر بالمصابين بالأمراض التنفسية أو أمراض القلب والأوعية الدموية؛ فاستنشاق الرماد قد يتسبب في تدهور حالتهم الصحية، ولهذا عليهم التأكد من توافر أدويتهم معهم، وتناولها وفق الجرعات المقررة لهم، والحصول على المساعدة الطبية إذا ما شعروا بأعراضٍ مقلقة، مثل أزيز الصدر وضيق التنفس.

وهناك بعض المخاوف من احتمالية إصابة الناس بأمراضٍ رئوية خطيرة من جرَّاء استنشاق الرماد، لكن ليست هناك تقريبًا أي أدلةٍ طبية تدعم تلك الاحتمالية، ذلك لأنَّ الناس عادةً لا يتعرضون لكميات الرماد اللازمة لإصابتهم بمثل هذه الأمراض، أو لأنَّ فترة تعرُّضهم للرماد عادةً ما تكون قصيرةً وغير كافية، ولحسن الحظ، فإنَّ معدل سقوط الأمطار على مملكة تونجا يبلغ حوالي 1.5 متر كل عام، وهو ما يجعلنا نأمل انجراف الرماد سريعًا مع المطر، وبالتالي ستكون فترات تعرُّض الناس للرماد قصيرةً، حتى وإن استمر ثوران البركان لبعض الوقت.

إضافةً إلى هذا، فبعض المعادن التي يحتوي عليها الرماد قد تكون أكثر سُمِّيةً من غيرها، ومن المعادن التي تقلق الناس معدن السيليكا البلورية، لأنَّها مادة مسرطنة، ويمكن أن تتسبب في مرضٍ رئوي يترك ندوبًا في الأنسجة، يُسمَّى "السُّحار السيليسي" Silicosis، لكنَّنا أوضحنا أنَّ هناك أسبابًا قويةً تُسوِّغ لمَ قد لا تمتلك السيليكا البركانية القدرة على التسبُّب في مثل هذه الأمراض، كما أنَّ الدراسات الإكلينيكية حول العالم -على الرغم من قلتها- لم تجد أي حالات تفشٍّ لمثل هذه الأمراض، وعلاوةً على هذا، فمن غير المتوقع أن يحتوي رماد بركان "هونجا تونجا-هونجا هاباي" على كمياتٍ كبيرةٍ من السيليكا البلورية؛ لأنَّ الصهارة المندلعة منه لها تركيبٌ مختلف، فهي صهارة "أنديزيتية" أو "بازلتية أنديزيتية"، وبالتالي لا تحتوي على ما يكفي من ثاني أكسيد السيليكون، كما أنَّ طريقة ثوران البركان لم تكن مواتيةً لتكوُّن تلك المادة.

وفي الثورانات البركانية عمومًا، تُعد المخاطر الصحية للرماد طفيفةً إذا ما قورنت بالمشكلات الأكبر الخاصة بالصحة العامة في مخيمات الإيواء، والتي تتعلق بتوفير المياه النظيفة، وبالنظافة، وبمنع انتشار الأمراض.

كيف يستطيع الناس حماية أنفسهم من استنشاق الرماد البركاني؟

على الناس أن يحدُّوا من تعرُّضهم للرماد بأن يبقوا داخل المباني، وأن يغلقوا الأبواب والنوافذ، هذا قد يكون صعبًا في المناطق الاستوائية مثل مملكة تونجا، والتي يُحتمل أن تكون المباني فيها مُصمَّمةً بحيث تتعرض لدرجةٍ كبيرة من التهوية، ويُمكن للناس تغطية المنافذ الكبيرة في مبانيهم بأغطيةٍ بلاستيكية أو بملاءات الأسرَّة، لكن من المهم ألَّا يتسبب ذلك في ارتفاع درجة حرارة المباني من الداخل إلى حدٍّ خطير.
وحين يضطر الناس إلى الخروج من منازلهم، لإزالة آثار الكارثة أو للذهاب إلى أعمالهم أو مدارسهم مثلًا، يمكنهم تقليل تعرُّضهم للرماد بارتداء الكمامات الفعالة، وقد يحتاجون كذلك إلى ارتداء الكمامات في منازلهم إن دخلها الرماد واحتاجوا إلى تنظيفه.

وقد أجرينا دراسةً لقياس فاعلية أنواعٍ مختلفة من أغطية وكمامات الوجه في الحماية من الرماد البركاني، ووجدنا أنَّه كما في حالة "كوفيد-19" ودخان حرائق الغابات وغير ذلك من جسيمات الهباء الجوي أو الجسيمات المُعلَّقة في الهواء، فإنَّ أفضل أنواع الكمامات هي الكمامات التنفسية المعتمدة (مثل "إن 95" N95، أو "إف إف بي 2" FFP2، أو "بي 2" P2، وفق المنطقة التي تعيش فيها)، وذلك لأنَّ المادة غير المنسوجة التي تُصنَع منها تُرشِّح الجسيمات بكفاءةٍ ممتازة، كما أنَّ هذه الأنواع من الكمامات تغطي الوجه بإحكام، وقد وجدنا كذلك أنَّ الكمامات الجراحية فعالة بدرجةٍ كبيرة، لكنَّها غير مصممة لتغطي الوجه بإحكام، ومن ثمَّ فهي توفر عمومًا مستوىً أقل من الحماية، أمَّا الأقمشة فلم تكن فعالةً بدرجةٍ كافية في تجاربنا.

لهذا، إذا كان المتوافر لديك هو الكمامات الجراحية، يمكنك في هذه الحالة تثبيت قطعةٍ صغيرة من القماش على الجزء العلوي من الكمامة، حتى تجعلها ملاصقةً لوجهك على نحوٍ أكثر إحكامًا، أمَّا إذا لم يتوافر لديك غير القماش، فحاول أن تطويه عدة مرات، هذا من شأنه أن يُحسِّن قدرته على ترشيح الجسيمات قليلًا، وهناك بعض المؤسسات التي توصي بتبليل الكمامات، لكنَّنا لم نجد أي فائدةٍ لذلك، بل إنَّ هذا قلَّل من قدرتها على ترشيح الجسيمات في بعض الأحيان.

قد يسقط الرماد في موارد المياه.. فهل يهدد هذا جودتها؟ وكيف نتصرَّف إن تلوَّثت؟

تعتمد بعض الدول بالفعل على تجميع مياه الأمطار وتخزينها للوفاء باحتياجاتها من المياه، أو تستمد مياهها مباشرةً من الجداول والأنهار أو البحيرات المفتوحة، وقد تتلوث موارد المياه هذه بفعل الرماد، الذي يؤدي في الأغلب إلى تعكيرها وتغيير لونها، مما يجعل طعمها كريهًا، وقد يبث الرماد في المياه مواد سامة، لكنَّ هذه المواد من غير المُرجَّح أن تُمثِّل خطرًا على الصحة في حالة بقائها في المياه لفتراتٍ قصيرة. 

وبعض السكان الذين يعيشون خارج المناطق الحضرية في مملكة تونجا يعتمدون في احتياجاتهم على تجميع مياه الأمطار بأنفسهم، ولهذا يتعيَّن عليهم تغطية الخزانات، لكن عليهم أيضًا التأكد من أنَّ الرماد لا ينجرف مع المياه من فوق أسطح الخزانات ليصل إلى مخزونهم، لذلك ربما عليهم أن يفصلوا مواسير المياه، وأن ينظفوا الأسطح والمزاريب، ثم يعيدوا توصيل المواسير لتجميع مياه الأمطار النظيفة، وقد تكون هناك حاجة إلى توفير موارد بديلة لمياه الشرب لبعض الوقت، وذلك لتعزيز الكميات المتوافرة حاليًّا.

ومع كل هذا، فمخاطر تلوث موارد المياه بالمواد الكيميائية الناتجة عن سقوط الرماد لا تُقارَن بتاتًا بالمخاوف المتعلقة بكميات المياه المتوافرة (وجود قدرٍ كافٍ من المياه لكل شخص يوميًّا لأغراض الشرب، والطهي، وغسيل الأواني، وغسل اليدين، والاستحمام)، والمتعلقة أيضًا بالسلامة الميكروبيولوجية لمياه الشرب، فمسببات الأمراض التي تحملها المياه مخاطرها أسرع وأكثر فداحةً من أي مخاطر كيميائية، ولذلك يُنصح بتطهير مياه الشرب عن طريق الغلي، أو استخدام المرشحات، أو إضافة المطهرات الكيميائية عديمة الرائحة، وفقًا لتوصيات وكالة حماية البيئة الأمريكية.

كيف يمكن للرماد أن يؤثر على الزراعة والأنظمة البيئية المحلية؟

تفيد التقارير الأولية بأنَّ مملكة تونجا تغطيها عدة سنتيمترات من الرماد، ومن المتوقع أن يكون هذا الرماد قد سقط على المحاصيل الزراعية وغيرها من النباتات، وثقل وزن الرماد ربما يكون قد أتلف هذه المزروعات، كما أنَّ طبقة الرماد المتكونة فوقها ستعوق عملية البناء الضوئي، إضافةً إلى هذا، فجسيمات الرماد ربما تكون مغلفةً بطبقةٍ حمضية، وهذا سيتسبب في احتراق أوراق النباتات، ومن المأمول أن يؤدي سقوط الأمطار إلى إزالة الرماد سريعًا من على هذه المحاصيل، وبصفةٍ عامة، يمكن تناول الفاكهة والخضراوات التي سقط عليها الرماد، لكن بعد غسلها.

وقد تتأثر الماشية كذلك بسقوط الرماد، لأنَّه ربما يغطي المعالف والمراعي، وبهذا قد تحتاج الحيوانات إلى كمياتٍ إضافية من الغذاء والمياه، لكن بصفةٍ عامة، فمخاطر تعرُّض الماشية للجوع والجفاف، وللأضرار الجسمانية المترتبة على تناول الرماد مع الطعام (كانسداد الأمعاء والتآكل السريع للأسنان) أعظم بمراحل من مخاطر تعرُّضها للآثار السامة للرماد، وإن كان الرماد الذي يحتوي على كمياتٍ كبيرة من الفلوريد يتسبب في إصابة الحيوانات بحالة التسمم بالفلور، إذا تناولته مع طعامها.

متى ينتهي تهديد الرماد للصحة العامة؟

من الصعب إجابة هذا السؤال؛ فنحن في هذه المرحلة لا نعرف إلى متى سيستمر ثوران بركان "هونجا تونجا-هونجا هاباي"، من الوارد أن ينتهي ثورانه قريبًا، لكنَّ بعض الثورانات البركانية قد تستمر لأسابيع أو شهور، بل وحتى أعوام!
ومع ذلك، فالوتيرة المنتظمة لسقوط الأمطار على مملكة تونجا وغيرها من جزر المحيط الهادئ ستساعد البلاد التي سقط عليها الرماد؛ إذ يُؤمل أن تؤدي الأمطار إلى انقشاع الرماد الناتج عن هذا الثوران البركاني الكارثي سريعًا، وأن تزيل أي رمادٍ قد يسقط لاحقًا، كما أنَّ الأمطار سوف تُسهم في وقف انتشار الرماد العالق في الهواء، والذي قد يعود للانتشار من جديد بفعل الرياح، أو وسائل النقل، أو الأنشطة مثل عمليات نزح الرماد عن الطرق وأسطح المباني.