إبان جائحة «كوفيد-19»، نما لدى كثير منّا وعيٌ ثاقبٌ بجودة الهواء الذي نتنفسه، فإلى جانب القلق حيال انتقال الفيروس في الهواء، صار علينا القلق أيضًا حيال سحب الدخان الكثيفة المتصاعدة من حرائق الغابات التي تزداد ضراوةً، واليوم، تتضمن بعض توقعات الأرصاد الجوية بانتظام مقاييس لجودة الهواء الخارجي، ولكن أغلب الأمريكيين يُمضون نحو 90% من وقتهم داخل منازلهم، وفق بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية، ومن أجل مكافحة التهديدات الصحية المحمولة جوًّا في المنازل وفي أماكن العمل، يتزايد الآن عدد الأشخاص الذين يستكشفون الملوّثات باستخدام أجهزة مراقبة جودة الهواء المحمولة يدويًّا، حتى إنه من المتوقع أن يبلغ حجم السوق العالمية لهذه الأجهزة 4.6 مليارات دولار بحلول عام 2027.

ظهرت أجهزة مراقبة جودة الهواء للمرة الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت في الماضي أجهزةً ضخمةً تتطلب خبراء مدرَّبين لتشغيلها، ولكنها أصبحت منذ ذلك الحين أصغر حجمًا بكثير، وأقل تكلفةً، وأيسر استخدامًا، وتقوم الأجهزة الحديثة بتقييم جودة الهواء عن طريق توجيه شعاع من الليزر عبر صندوق صغير وتحديد مقدار الضوء المتشتت من الشعاع بفعل الجسيمات وغيرها من المواد العالقة في الهواء، وبلغت هذه الأجهزة من الصغر أنه يمكن حملها في يدٍ واحدة، ولا تزيد تكلفة الكثير من الطرازات الرائجة منها على 200 دولار، مما يجعلها في المتناول أكثر من أي وقت مضى، وباجتماع هذا المستوى من التوافر مع سماء شهر الصيف التي أصبحت ملبدةً بالسحب الدخانية بوتيرة متزايدة، إضافةً إلى تفشِّي جائحة «كوفيد-19»، "فجأةً أصبح الناس مهتمين حقًّا بفعل كل ما بوسعهم كي يكونوا على دراية بجودة الهواء في الأماكن الداخلية، ومراقبته في بعض الحالات، وأعتقد أن هذا موقفٌ ممتاز"، حسبما يقول ألكس هوفمان، اختصاصي كيمياء الأيروسولات بجامعة دنفر.

ما الذي يحتويه الهواء؟

تقول كريستين فيدينمير، اختصاصية كيمياء الغلاف الجوي، والمديرة المساعدة للشؤون العلمية بالمعهد التعاوني للبحوث في العلوم البيئية بجامعة كولورادو بولدر: إن الهواء بالأماكن الداخلية يحتوي على ملوّثات من مختلِف الأحجام؛ فالجسيمات التي يبلغ قطرها 10 ميكرونات أو أقل، ويُطلق عليها اسم PM10 (أي الجسيمات العالقة التي يبلغ قطرها 10 ميكرونات)، يمكنها التأثير على صحة الإنسان، وتحتوي على الغبار، والعفن، وحبوب اللقاح، وعادم الديزل، والأوزون، والدخان الناجم عن حرائق الغابات، وثمة جسيمات أخرى تنتج عن أشياء مثل حرق البخور، وإضاءة الشموع، والطهو بشكل خاص؛ فعملية القلي فوق سطح الموقد -على سبيل المثال- لها تأثيراتٌ مؤقتة ولكنها ضخمة إلى حدٍّ مدهش على جودة الهواء بالأماكن الداخلية، وحتى أدق الجسيمات العالقة التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرون (بحجم بكتيريا إي. كولاي تقريبًا) أو أصغر، تمثِّل أخطر فئة من الملوِّثات؛ فعلى الرغم من أن الجسيمات الأكبر حجمًا (كالغبار المتطاير من طريق غير معبَّد) تصيب العين والأنف والحلق بالتهيُّج، فإن جسيمات PM2.5 يمكنها اختراق أعماق الرئتين، بل تستطيع أن تصل إلى مجرى الدم، وفقًا لمعلومات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ولعل استكشاف هذا النوع من الملوِّثات سيكون مفيدًا للغاية "للأشخاص الحسّاسين الملازمين للمنزل (المصابين بالربو، أو داء الانسداد الرئوي المزمن، أو غيرها من الأمراض القلبية/ التنفسية)، إضافةً إلى الأفراد الذين يعيشون في مناطق نائية بعيدة عن أي شبكة مراقبة [لجودة الهواء الخارجي]"، حسبما يقول وودي ديلب، الباحث الرئيسي في دراسة أُجريت عام 2020 على أجهزة مراقبة جودة الهواء، وتضيف فيدينمير أنه يجدر بالمرء استكشاف الجسيمات العالقة بالأماكن الداخلية، "إذا كنت تعيش بالقرب من مصادر تلوث خارجية كبيرة، كالطرق السريعة والمصادر الصناعية الضخمة، فهي تتسبب في تلوُّث خارج منزلك يمكن أن ينتقل إلى داخله".

وإضافةً إلى الجسيمات، فالغازات المعروفة بالمركَّبات العضوية المتطايرة VOCs تنطلق في الهواء بفعل مواد التنظيف، والغراء، والورنيش المستخدم في صنع الأثاث، وقد اكتُشفت هذه المواد في الأماكن الداخلية بمعدلات تتراوح بين ضعفين إلى خمسة أضعاف معدلاتها في الهواء الخارجي -و"قد يكون بعض هذه المركَّبات مسرطنًا، مثل الفورمالدهايد أو البنزين"، وفق قول فيدينمير.

وأخيرًا، فإن جزيئات ثاني أكسيد الكربون ليست ملوّثاتٍ داخلية، ولكن مستويات ثاني أكسيد الكربون يمكن أن تؤدي دور الوكيل لكمية الجسيمات الضئيلة، والقُطيرات التي يُطلق عليها اسم أيروسولات ويمكنها أن تحمل الفيروسات ويستنشقها الإنسان دخل الغرف، وبالتالي تكون وكيلًا لانتقال عدوى «كوفيد» بالأماكن الداخلية، ويعقِّب هوفمان: "إذا لاحظت ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون، فهذا يعني وجود مصدر له! فإن كان المصدر بشريًّا، فيمكننا افتراض أن مستويات الأيروسولات ترتفع هي الأخرى"، أما إذا انخفضت مستويات ثاني أكسيد الكربون، فهذه إشارة إلى أن نظام تهوية الغرفة ينجح في إحلال هواء منعش يحتوي على مستويات أقل من الكربون محل الهواء الآسن.

كيف يمكن استخدام مراقب جودة الهواء

تتوافر بالأسواق العشرات من أجهزة مراقب جودة الهواء معقولة الأسعار، ومعظمها يقيس الجسيمات العالقة، أو المركبات العضوية المتطايرة، أو ثاني أكسيد الكربون، أو مزيج من هذه الأشياء الثلاثة، وبعض هذه الأجهزة يراقب ويعرض المستوى الحالي فقط لجودة الهواء، وبعضها الآخر يخزّن القراءات المسجَّلة على مدار الوقت، والعديد من هذه الأجهزة تصاحبها تطبيقات على الهواتف الذكية تقوم بتنزيل البيانات وتخزينها لتعرضها بصيغ تسهل قراءتها على الشاشة، وتقدم دائرة إدارة جودة الهواء بالساحل الجنوبي -وهي كيان مستقل بولاية كاليفورنيا- معلومات عن الأنواع المتوافرة من أجهزة المراقبة.

تقول فيدينمير إنه إذا كانت الأولوية هي تعقُّب تلوث الهواء، "فستكون الخطوة الأولى أن أبحث عن مراقب يستكشف الجسيمات العالقة؛ لأننا نعلم أن الكثير من التأثيرات الصحية مرتبطٌ بمستويات الجسيمات والجسيمات العالقة"، كما تقترح أن المستشعرات ستكون إضافةً مقبولة، ولكنها ليست ضرورةً ملحَّة كمراقبات الجسيمات العالقة، وهي تعمل أيضًا على اكتشاف وجود الأوزون والمركبات العضوية المتطايرة، والكثير من أجهزة مراقبة جودة الهواء يعرض قراءة قياس الجسيمات العالقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرون (PM2.5)، ويترجمها إلى درجة على مؤشر جودة الهواء AQI مع رسم بياني ملوّن للتوضيح، ومؤشر جودة الهواء AQI هو "مؤشر طوّرته وكالة حماية البيئة الأمريكية ليتيح للناس إجراء تقييم سريع للمخاطر المرتبطة بحالتهم الصحية، وتتمتع الأجهزة بعتبات محددة مختلفة تناسب الأفراد الحسّاسين بناءً على حالاتهم الصحية السابقة"، على حد قول بريت سينجر، العالِم بقسم أنظمة المباني المتكاملة بمختبر لورنس بيركلي الوطني، واستنادًا إلى هذه البيانات، يستطيع الناس اتخاذ قرارات بشأن التصرُّف حيال تنقية الهواء داخل منازلهم، ويمكن أن يكون ذلك بتشغيل شفاط مدخنة المطبخ لمدة نصف ساعة (وهذه وسيلة منخفضة التكلفة لتنظيف الهواء داخل المنزل)، أو شراء وحدة منفصلة لتنقية الهواء يمكن تشغيلها في حال تكرار توقُّف شاحنات الديزل أمام نوافذ المنزل ومحركاتها تدور، أو خلال إحدى حوادث تصاعد الدخان من حرائق الغابات.

وبالحديث عن جهاز لمراقبة جودة الهواء من شأنه المساعدة في الوقاية من «كوفيد-19»، يوصي هوفمان بنوع محدد من مستشعرات ثاني أكسيد الكربون، يقول هوفمان: "من المهم أن يشتري الناس الأجهزة المعروفة بمستشعر الأشعة تحت الحمراء غير المشتت NDI، أغلب هذه الأجهزة يتمتع بتلك الخواص الآن، ولكن توجد أيضًا الأجهزة المعروفة بمستشعرات الحالة الصلبة، والتي لا أنصح بشرائها في هذا السياق"، ويستطرد هوفمان موضحًا أنه بما أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء الخارجي يبلغ 450 جزءًا في المليون (ppm)، فإن "ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون عن 800 جزء في المليون يعني بدء الدخول في منطقة الخطر"، إذ يُحتمل أن يشير ذلك إلى حدوث ارتفاع في تركيز أيٍّ من أيروسولات «كوفيد-19» أيضًا، وبالوصول إلى هذه المستويات، يوصي هوفمان بفتح النافذة للمساعدة على تدفُّق بعض الهواء النقي، ولكنه يؤكد أن هذا الرقم هو مجرد تقريب، أي أنه لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بخطر الإصابة بـ«كوفيد-19»؛ فعلى سبيل المثال، عندما يتحرك الهواء عبر نظام فلترة للهواء عالي كفاءة الجسيمات (HEPA)، فقد يحافظ على مستوى ثاني أكسيد الكربون نفسه حتى مع التخلُّص بأمان من جزيئات الفيروس، وحتى مع استخدام فلاتر الهواء، فإن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون فوق 2,000 جزء في المليون يعني أن الموقف لا يزال خطيرًا، وفق قول هوفمان؛ فالوصول إلى هذا المستوى يشير إلى وجود أناس كثير يتنفسون، في حين أن الفلاتر تعمل بسرعة محدودة.