آفي لوب، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة هارفارد، ليس غريبًا على الموضوعات المثيرة للجدل؛ ففي كتاباته الغزيرة، أنتج أبحاثًا رائدة ومثيرة للنقاش حول الثقوب السوداء، وانفجارات أشعة جاما، وبدايات الكون، وغيرها من الموضوعات المعتادة في مجاله، ولكنه على مدار أكثر من عقد تطرق لمسألة أكثر إثارةً للجدل، ألا وهي الكائنات الفضائية وكيف نجدها، حتى وقت قريب، كان أشهر أعمال لوب في هذا المضمار مشاركته في مشروع "بريكثرو ستارشوت" (Breakthrough Starshot) الذي يموّله الملياردير الأمريكي بوادي السيليكون يوري ميلنر لإرسال مركبة فضائية تسمى "أشرِعة الضوء" (light sails)، وهي مركبة فضائية صغيرة، تشبه المرآة وتدفعها أشعة الليزر، لتنطلق في رحلات فائقة السرعة لاستكشاف النجوم القريبة، غير أن هذا كله تغير في أواخر عام 2017 حين تدافع علماء الفلك حول العالم إلى دراسة زائر فضائي غامض، وهو الأول من نوعه، ظهر لبرهة في نطاق تلسكوباتهم.

أطلق مكتشفو ذلك الجسم عليه اسم "أومواموا، وهي كلمة من لغة أهل جزيرة هاواي الأمريكية، ويمكن ترجمتها إلى "المُسْتَطلِع"، وقد أظهر فحص ذلك العابر الفضائي، والذي كان فحصًا عابرًا بدوره، أنه يتمتع بالعديد من الخصائص التي لا تتسق مع التفسيرات الطبيعية المتاحة، منها أن شكل أومواموا الذي ظهر في التلسكوبات -وكان يشبه فطائر "بان كيك" أو سيجارًا طوله 100 متر- لا يشبه أيًّا من المذنبات أو الكويكبات المعروفة، كما أن سطوعه لم يكن مألوفًا، إذ كان انعكاس الضوء على أومواموا على الأقل عشرة أضعاف ما نجدُ في الصخور الفضائية الشائعة في النظام الشمسي، حتى إن بريقه يبدو وكأنه قطعة معدن مصقولة، وربما كان أغرب ما في الأمر أن ذلك الجسم الفضائي حين انطلق مبتعدًا بعد أن اقترب من الشمس، تَسارع بمعدل لا يمكن تفسيره فحسب بقوى جاذبية الشمس التي تتضاءل بالابتعاد عنها، صحيح أن المذنبات العادية قد تتسارع بمعدل مماثل نتيجةً للأثر الدافع على الانطلاق، الذي يشبه انطلاق الصواريخ، الناتج عن تبخر الغازات من سطحها الثلجي لدى تعرُّضها لأشعة الشمس، غير أن الباحثين لم يروا ما يدل على هذا الأثر حول أومواموا.

بالنسبة للوب، التفسير الأكثر منطقيةً كان واضحًا قدر ما هو مثيرٌ للجدل: باعتبار ما توافر من معطيات حول أومواموا، ومنها شكله الذي يشبه فطائر "بان كيك" والانعكاسية الهائلة، وتسارعه غير المألوف، كل هذه الصفات تبدو منطقيةً إذا كان أومواموا في الواقع شِراعًا ضوئيًّا، ربما تخلَّف عن حضارة اختفت منذ أمد بعيد على مجرة أخرى، وبينما قضى لوب سنواتٍ من البحث والتفكير في مسألة كيفية العثور على أدلة على وجود حضارات كونية في عمق الفضاء، فإنه لدى اكتشاف أومواموا ازداد اقتناعه بأن الدليل الذي سعى إليه الباحثون قد سعى هو إليهم، في أواخر عام 2018، نشر لوب بالتعاون مع شميوِل بيالي -وهو باحث ما بعد الدكتوراة بجامعة هارفارد- ورقةً بحثيةً في دورية "أستروفيزيكال جورنال ليترز" Astrophysical Journal Letters، ذهبا فيها إلى أن أومواموا كان أول لقاء بين البشرية والدليل على وجود كائنات فضائية ذكية.

لاقت الورقة البحثية اهتمامًا كبيرًا لدى الصحفيين، غير أنها لم تحقق النجاح والضجة نفسها بين معظم زملاء لوب الذين يركزون على علم الأحياء الفلكي، والذين يصرون على أنه رغم غرابة أومواموا، فإن خصائصه تضعه ضمن نطاق الظواهر الطبيعية، والقول بغير ذلك -وفق منتقدي لوب- هو في أحسن الأحوال استخفاف، وفي أسوأ الأحوال مدمر للجهد الذي استمر سنواتٍ طوالًا للتخلص مما تركته التقارير الساذجة حول مشاهدات للأجسام الطائرة المجهولة وحالات الاختطاف على أيدي كائنات فضائية من وصم على مجال علمي لا شك في أهميته ومشروعية أسئلته.

لذا، قرر لوب أن يقنع الجمهور برأيه، وذلك من خلال كتابه: Extraterrestrial: The First Sign of Intelligent Life Beyond Earth (زائر من الفضاء: الإشارة الأولى إلى حياة ذكية خارج كوكب الأرض)، وهو كتاب يتناول قصة حياة المؤلف بقدر ما يتناول الألغاز المحيطة بأومواموا، أجرت مجلة "ساينتفك أمريكان" حديثًا مع لوب عن الكتاب، وعن نظريته الخِلافية، وعن الأسباب التي دفعته إلى اعتقاد أن البحث العلمي في أزمة.

[فيما يلي نسخة محررة من الحوار.]

مرحبًا يا آفي، كيف حالك؟

أنا بخير، ولكنني لا أحصل على كفايتي من النوم؛ إذ أحاول تلبية كل دعوات وسائل الإعلام للحديث عن الكتاب، مثلًا، أجريت لقاءً مع برنامج Good Morning Britain الساعة الواحدة والنصف صباحًا، ثم برنامج Coast to Coast في الثالثة صباحًا، فضلًا عن لقاءات على قنوات تليفزيونية أمريكية مفتوحة وباشتراك، وفي جدولي الآن نحو 100 لقاء في مدونات صوتية (بودكاست) خلال الأسابيع القليلة القادمة، كما سجلت بالفعل لقاءات طويلة مع مذيعَي البودكاست الشهيرين ليكس فريدمان وجو روجان لبرنامجيهما، ولا بد أن أقول إن هذا الاهتمام الكبير أمرٌ جديدٌ تمامًا علَيّ؛ إذ يحظى الكتاب باهتمام شديد، ليس هذا فحسب، بل إن عشرة من صناع الأفلام والمنتجين من هوليوود تواصلوا معي خلال الأسابيع القليلة الماضية، حتى إنني قلت ممازحًا للشركة التي تمثلني فيما يتعلق بحقوق النشر إنه لو أنتجت هوليوود فيلمًا سينمائيًّا من وحي كتابي، فأنا أود أن يؤدي الممثل براد بِت دوري.

(ضاحكًا) صحيح، فالشبه بينكما كبير! ولكن بالنظر إلى غزارة كتاباتك، كان انطباعي دومًا أنك لا تحصل على ما يكفي من النوم على أية حال.

روتيني اليومي هو الاستيقاظ في الخامسة صباحًا والخروج للركض؛ فلا شيء أجمل من أن يبدأ النهار هادئًا مع أصوات الطيور والبط والأرانب فحسب، وصحيح أيضًا أنه بسبب الجائحة التي تواجه العالم، كانت الشهور العشرة الماضية هي الأغزر إنتاجًا في حياتي المهنية، فلا أحتاج إلى الانتقال إلى مقر العمل، ولا أقابل الكثير من الأشخاص، والأهم من ذلك أني لست مضطرًّا إلى التفكير كثيرًا فيما يقوله الآخرون.

بالحديث عن الأولويات والأمور المهمة، إليك أمرًا أظن أننا نتفق عليه، ألا وهو أننا في مجال العلوم يجب أن نحرص على الحفاظ على صدق وأمانة بعضنا، أقول هذا فقط لأنك تقول في كتابك "زائر من الفضاء" إنك لا تسعى إلى أضواء الشهرة وإنك غير مهتم بالترويج لشخصك، فكيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا، بالنظر إلى كل هذه اللقاءات الإعلامية؟

 دعني أشرح لك، أعتقد أن التحدث إلى وسائل الإعلام فرصة مهمة؛ لأنها تتيح لي أن أنشر رسالتي على نطاق أوسع مع جمهور لن يتسنى له التعرُّف عليها من دون وسائل الإعلام هذه.

وما هي رسالتك بالتحديد؟ أظنك لا تتحدث فحسب عن أومواموا هنا.

صحيح، رسالتي هي أن هناك خَطبًا ما في مجتمع البحث العلمي اليوم، وهو شيء يؤثر على كونه مجتمعًا صحيًّا.

 الكثير من العلماء الآن تحركهم دوافع أنانية، كالحصول على التقدير والجوائز، أو استعراض ذكائهم وقدراتهم أمام أقرانهم، إنهم يتعاملون مع العلم كما لو أنه مناجاة ذاتية بين الباحث ونفسه، وليس حوارًا بينه وبين والطبيعة؛ فهم يخلقون فقاعات مغلقة تتضخم فيها أصداء أصواتهم وتتلَمّع صورتهم، وذلك بالاعتماد على طلابهم ومساعديهم من باحثي ما بعد الدكتوراة الذين يكررون أفكارهم، ولكن ليس هذا هو مقصد العلم وهدفه؛ فليس هدف العلم إشباع ذواتنا، ليس هدفه أن يُشعرنا بالتمكين والقوة أو أن يلمع صورتنا المهنية، وإنما غاية العلم أن نسعى لفهم العالم من حولنا، والمفروض أن يكون تجربة تعلُّم نتجرأ فيها على خوض المخاطر وعلى ارتكاب الأخطاء باعتباره خطوةً من خطوات التعلم؛ فعندما تعمل على دراسة أمر جديد أو أفكار جديدة لا يمكنك أن تحدد مسبقًا الطُّرُق الأصح للمضي قدمًا، بل تعتمد على نتائج التجارب التي تجريها لتحدد لك ذلك.

وهذه هي المشكلة الأخرى في ممارسات البحث العلمي اليوم؛ فالعلماء لا تحفزهم دوافع غير صحيحة فحسب، بل لم تعد الأدلة هي ما يرشدهم أيضًا، إن الاعتماد على الأدلة يجعل الباحث دومًا أكثر تواضعًا؛ لأنك تتوقع شيئًا وتختبره، ثم قد تثبت لك الأدلة في بعض الأحيان أنك كنت مخطئًا، اليوم لدينا الكثير من العلماء المشهورين الذين يلجؤون إلى الألعاب الحسابية حول الكثير من المسائل العلمية التي لا يمكن اختبارها، مثل نظرية الأوتار، ونظرية الأكوان المتعددة، وحتى نظرية التضخم الكوني، ذات مرة، في أحد المنتديات العامة، طرحت السؤال: "هل نظرية التضخم قابلة للدحض العلمي؟" على الفيزيائي آلان جوث، صاحب نظرية التضخم الكوني، وكان رده أن ذلك سؤالٌ سخيف؛ لأنه في ضوء أي بيانات كونية تثمر عنها التجارب، يمكننا أن نجد نموذجًا للتضخم يناسبها، ولا عجب إذًا أن تتمتع نظرية تضخم الكون بمكانة بارزة، لأنها يمكن أن تفسر أي شيء! ولكن في نظري هذا موقف ضعيف للغاية؛ لأن نظرية كل شيء تكون في بعض الأحيان نظرية لا شيء، فقد لا يكون هناك فرق بين الاثنين.

 تلك الفقاعة من الأمور الخيالية تشبه في نظري أثرَ المخدر؛ فقد ينتشي المرء من أثر المخدرات، فيتخيل نفسه أغنى من إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم الآن، فهذه فكرة ممتعة، وستُشعرك بالرضا، وقد تتباهى بها بين أصدقائك، وإذا كنت عضوًا في جماعة تشاركك أفكارك، ويدعم كل فرد فيها عمل الآخرين ويحترمه، بل يتبادل الأعضاء الجوائز داخل تلك الجماعة فسيكون هذا رائعًا، أليس كذلك؟ ولكن عندما تريد سحب تلك النقود، إذا أردت إنفاق الأموال التي تظن أنك تمتلكها، وقتها تدرك أنك لا تمتلك شيئًا في الواقع، بالضبط على غرار الذهاب إلى ماكينة سحب النقود في هذا المثال، إجراء التجارب هو ما يعيدك إلى أرض الواقع، وفي مضمار العلوم، نحتاج دومًا إلى ما يعيدنا إلى أرض الواقع، أي أن نضع توقعات يمكن اختبارها، وأن نشارك في الأمر بشكل مباشر، وإلا فإننا لن نتعلم شيئًا جديدًا، ولا أعتقد أن الكثيرين يدركون هذا إدراكًا صحيحًا الآن.

Oumuamua appears as a faint dot in the center of this image
النقطة الباهتة المحاطة بدائرة زرقاء في وسط الصورة هي "أومواموا"، وهذه واحدة من أفضل الصور المتاحة له، إذ تدمِج مشاهدات من العديد من التلسكوبات المختلفة. Credit: ESO/K. Meech et al.

إذًا التكهنات العلمية حول نظرية الأوتار ونظرية الأكوان المتعددة أمر سيئ، لكن التكهنات حول حضارات الكائنات الفضائية ومرور آثارها عبر النظام الشمسي لا بأس بها؟ ألا يمكن القول إن رد ظاهرة ما إلى "الكائنات الفضائية" هو أيضًا من نوع النظريات التي تفسر كل شيء؟

الفرق هو أنه في حالة الكائنات الفضائية يمكننا وضع توقعات واختبارها، ثم إن التكهنات المطروحة كلها تكهنات متحفظة.

إذا كان أومواموا ينتمي إلى مجوعة من الأجسام الفضائية التي تتحرك في مسارات عشوائية، فبناءً على اكتشافه بتليسكوب المسح البانورامي ونظام الاستجابة السريعة (Pan-STARRS)، يمكن توقع أننا سنرصد قريبًا، في المتوسط، جسمًا واحدًا في الشهر بعد أن يدخل مرصد فيرا سي روبين الخدمة، يمكننا كذلك تأسيس نظام من الأجهزة -وربما الأقمار الصناعية- الذي لن يرصد السماء فحسب، بل يمكنه التفاعل مع اقتراب هذه الأجسام حتى يمكننا تصويرها عند اقترابها بدلًا من ملاحقتها وهي تبتعد، لأنها تتحرك بسرعة هائلة، كما أنه لا ينبغي أن يكون كل هذا العمل في الفضاء: فيمكننا تصور نيازك نشأت في منظومات نجمية بعيدة، ويمكننا البحث عنها أيضًا، ولو وجدنا أيًّا منها انتهى به المطاف على سطح كوكب الأرض، فربما نستطيع أن نفحصه بأيدينا.

 يتساءل الناس لماذا أحظى بهذا الاهتمام من وسائل الإعلام، السبب الوحيد في هذا هو أن زملائي لا يستخدمون البديهة والحس السليم، قارن مثلًا بين نظرية الأوتار والأكوان المتعددة وما أقوله أنا وغيري من الباحثين، وهو أنه، بناءً على بيانات بعثة كيبلر التابعة لوكالة ناسا، نحو نصف ما يسبح في المجرة من نجوم مشابهة للشمس لديها كوكب في مثل حجم الأرض تقريبًا يقع على مسافة منها مقاربة للمسافة بين الأرض والشمس، مما يعني إمكانية وجود مياه سائلة وكيمياء للحياة كما نعرفها على سطح تلك الكواكب، ومن ثم فلو أنك قدرت احتمالات وجود الحياة في مجرة درب التبانة، فما احتمال أن نكون وحدنا في المجرة؟ سيكون ذلك الاحتمال ضئيلًا للغاية على الأرجح! فعندما نقول إنه في حالة توفير ظروف مشابهة للأرض، نحصل على نتائج مشابهة، فإن هذا بالنسبة لي تقديرٌ متحفظٌ إلى أقصى درجة، ولذا، أتصور أن هذا التقدير سيحظى بقبول واسع، وأن يُقبِل الزملاء عليَّ بالأحضان قائلين: "أحسنت يا آفي، أنت على حق، يجب أن نبحث عن هذه الكائنات، لأن احتمال وجودها مرجح جدًّا"، بدلًا من ذلك، لا أجد إلا معارضةً وانتقادًا يعكس فقدان البوصلة الفكرية، وإلا فكيف نفسر كل الجهد الذي يُبذل في دراسة الأبعاد الإضافية التي تقول بها نظرية الأوتار أو نظرية الأكوان المتعددة، في حين أنه لا دليل لدينا على وجود أيٍّ منها؟ لكنها تُعد مجالاتٍ بحثيةً شائعةً الآن! هذا ضربٌ من الجنون.

واسمح لي أن أضع هذا في سياق محدد، كما يتضح للجميع أنا لست باحثًا متمردًا من خارج المؤسسة البحثية؛ فأنا أشغل مناصب قيادية في مؤسسات بحثية؛ فأنا رئيس مجلس الفيزياء وعلوم الفلك بالأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، يتولى هذا المجلس الإشراف على المسح العقدي لعلمي الفلك والفيزياء الفلكية، وهو مسح يقرر الأولويات العلمية لوكالة ناسا ومؤسسة العلوم الوطنية، عندما يصدر في وقت لاحق من هذا العام، الآن أرى علماء فلك يتحدثون عن التكلفة الكبيرة للأجيال الجديدة من التلسكوبات والتي تبلغ مليارات الدولارات، والهدف الأساسي منها هو اكتشاف حياة خارج الأرض بالبحث عن الأكسجين في الغلاف الجوي لكواكب خارج المجموعة الشمسية، هذا بلا شك هدف نبيل، ولكن لو نظرت إلى حال كوكب الأرض في أول ملياري سنة من عمره لم يحتوِ الغلاف الجوي للأرض على نسبة مرتفعة من الأكسجين، رغم أنه كان يتضمن الكثير من الحياة الميكروبية، هذه هي النقطة الأولى، والنقطة الثانية أنه حتى لو وُجد أكسجين فربما يكون قد نشأ عن عمليات طبيعيةٍ مثل تكسُّر جزيئات الماء، وبالتالي، حتى لو أُنفقت تلك المليارات من الدولارات ووُجد الأكسجين، بل وربما الميثان أيضًا، فإن الجدال سيظل دائرًا إلى الأبد، انظر مثلًا إلى حجم النقاش حول الاكتشاف المحتمل للفوسفين على كوكب الزهرة، وهو جزيء أقل شيوعًا بكثير من الأكسجين، على أي حال، ما أحاول قوله هو أن تلك الأجهزة نفسها -لا حاجة إلى المزيد من الاستثمارات- يمكن استخدامها للحصول على أدلة قطعية على وجود حياة وذكاء وتطور تكنولوجي خارج الأرض، كيف سيبدو هذا؟ البحث عن آثار تلوث صناعي في الغلاف الجوي الذي تبحث فيه، بالإمكان مثلًا البحث عن مُرَكّبات الكلوروفلوروكربون، فهي جزيئات معقدة تنتج على الأرض لأنظمة التبريد فقط، فلو عثرنا على تلك الجزيئات على كوكب آخر فهي دليل قوي؛ إذ يستحيل إنتاجها بصورة طبيعية، ومن ثم سيكون لديك دليل قطعي على وجود حياة، بل وأكثر من ذلك، على ذلك الكوكب.

إذًا ما المشكلة في القول بأن البحث عن آثار التلوث الصناعي أمرٌ جديرٌ بتنفيذه؟ ما الذي قد يمنع بعض العلماء من الإقرار بأنهم يودون أن يظل البحث عن آثار تكنولوجية لحضارات فضائية فرعًا بحثيًّا هامشيًّا وبأقل قدر ممكن من التمويل إلا أن يكون ذلك حاجزًا نفسيًّا من نوع ما؟ كل ما أقوله هو أن هذه المشروعات البحثية يجب أن يكون لها الأولوية، وهي تظل مشروعات غير جامحة؛ لأنها ستوفر لنا معلومات مؤكدة عن وجود حياة في الفضاء، ولكن نقيض ذلك هو ما يحدث الآن.

تطرح في كتابك مفهومًا تُسمّيه "رهان أومواموا"، على غرار "رهان باسكال" الذي اقترحه الرياضي بليز باسكال الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي يقول بأن الفوائد المصاحبة لافتراض وجود إله تفوق مثالب ذلك الافتراض، وبالمثل، تقول بأن افتراض أن أومواموا أحد أعمال الكائنات الفضائية سيكون في المحصلة أمرًا مفيدًا؛ لأنه قد يحفز ثورةً في علوم وتكنولوجيا الفضاء ترتكز حول البحث الدؤوب عن حياة ذكية خارج الأرض، وتقولُ كذلك إنه حتى لو لم يثمر البحث عن العثور على حياة في الفضاء، فإننا سنُحَصّل فهمًا أفضل للسياق الكوني لكوكبنا، كما أن ما يُنفَق من استثمارات على هذا المسعى سيحسِّن قدرتنا على الإجابة عن أسئلة أخرى عن الكون، بل وربما يساعدنا على تجنُّب خطر الانقراض.

ولكن لو كانت المخاطر كبيرة، فماذا عن وجهة النظر المعاكسة التي تقول بأن التوجه بالكلية إلى الترويج لأن أومواموا شيء صناعي هو أمر ينطوي على مجازفة وعلى خطر؟ يقول منتقدوك إن مضارّ نظريتك تتجاوز فوائدها، على سبيل المثال، ذكرتَ أنك سجلت حوارًا لبودكاست جو روجان، وهو من أشهر سلاسل البودكاست في العالم، ولا شك أن هذا مفيدٌ في تشجيع الإقبال على شراء كتابك، ولكن بالنظر إلى سمعة روجان السابقة في نشر معلومات مغلوطة وخطيرة في برنامجه، هل ترى أن تسجيل حوار معه خطوة حكيمة؟ وهل تقبل أيضًا أن تكون متحدثًا في تجمُّع المؤمنين بالأجسام الطائرة مجهولة الهوية خارج الـمنطقة 51 (معسكر سري بصحراء نيفادا تابع للقوات الجوية الأمريكية)؟ وأين ترسم الحدود للتوعية الجماهيرية التي تخاطر بتعزيز ما يُسمى عنصر الإثارة الذي عرقل التقدم في البحث عن حياة ذكية خارج الأرض على مدار عقود؟

حسنًا، إليك وجهة نظري، إلى حدٍّ كبير، الجمهور هو الذي يموِّل العلم، والجمهور شديد الاهتمام بالبحث عن حياة خارج الأرض، لذا، يجب أن أسأل: إذا كان الجمهور يدعم العلماء، فكيف لهم أن يتجنبوا هذا السؤال الذي يمكن الإجابة عنه بالتكنولوجيا التي يعملون على تطويرها؟

هناك بطبيعة الحال الكثير من قصص الخيال العلمي حول الكائنات الفضائية، وكذا الكثير من التقارير غير الموثقة عن أجسام فضائية طائرة مجهولة الهوية، ولكن لو افترضنا مثلًا أن هناك بعض الأدبيات البحثية عن الخصائص السحرية لجائحة كوفيد-19 لا تمت بصلة إلى الواقع، أيعني هذا أن العلماء يجب ألا يعملوا على تطوير لقاح لمكافحة الجائحة؟ كلا! بالنسبة لي، البحث عن الآثار التكنولوجية لما قد يكون حياةً خارج الأرض لا يختلف عن البحث في طبيعة المادة المظلمة، لقد استثمرنا مئات الملايين من الدولارات في البحث عن جسيمات ضخمة ضعيفة التفاعل، وهي الجسيمات المرشحة لتكون عنصر المادة المظلمة، وحتى اليوم، أخفقت هذه الأبحاث، لكن هذا لا يعني أن تلك الاستثمارات أُهدِرت؛ فاستكشاف الاحتمالات المختلفة -حتى تلك التي لا تعِد بالكثير- جزء من عملية البحث العلمي.

وأما فيما يتعلق بالمخاطرة، فالمفترض أننا في مجال العلوم نطرح كل الأفكار للمناقشة، فلا يمكننا أن نتجنب أفكارًا بعينها لأننا نخشى تبعات مناقشتها؛ لأن تحاشي النقاش في ذاته ينطوي على مخاطرة كبيرة، هذا بالضبط مثل أن نطلب من جاليليو أن يتوقف عن الحديث عن دوران الأرض حول الشمس، وأن يتجنب النظر في تلسكوبه؛ لأن ذلك سيكون خطرًا على الفلسفة والأفكار الشائعة في زمانه، فتلك تجربة لا ينبغي أن نكررها، إننا نحتاج إلى حوار مفتوح بين العلماء يقدم فيه الجميع أفكارًا مختلفة ثم يسمحون للأدلة المتاحة أن تحدد أي تلك الأفكار صحيح، فيما يتعلق بأومواموا، أقول إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن هذا الجسم بالتحديد هو جسم اصطناعي، وطريقة اختبار ذلك هي العثور على المزيد من أمثاله وفحصها، الأمر بهذه البساطة.

إذًا كيف نغير الموقف الحالي؟ في تقديري الإجابة هي إشراك الجمهور في المسألة بأكبر قدر ممكن.

Extraterrestrial: The First Sign of Intelligent Life beyond Earth
Credit: Houghton Mifflin Harcourt

تربط في كتابك بين موقفك القوي والواضح فيما يتعلق بأومواموا والشعار الذي تعلمتَه حين كنت مجندًا في جيش الدفاع الإسرائيلي: "أن تبسط جسدك على السلك الشائك"، والمقصود أن تكون مستعدًّا لتقديم تضحيات على المستوى الشخصي لأجل الصالح العام، هل ستكون شهيدًا لهذه القضية إذًا؟ هل خسرت أصدقاءً أو مكانة مهنية بسببها؟

لم يهاجمني أحد بقوة أو شيء من هذا القبيل، ربما يتحدث الناس من وراء ظهري، وهو أمر منطقي أكثر باعتبار أني أشغل مناصب قيادية، ولكني لا أعرف ذلك بصورة جازمة في الواقع، فليس لي أي حضور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ربما يجب أن أشير إلى أنني أعتقد أن أكثر منتقديّ شراسةً على موقع تويتر وغيره هم علماء متوسطو الموهبة والمهارة، أما العلماء المتميزون حقًّا فلن يكون هذا سلوكهم، بل كانوا سيطرحون حججهم التي تدعم مزاعمي أو تدحضها، وسيكتفون بهذا، أما التعليقات البغيضة فلا معنى لها -فيما عدا أن العديد من هؤلاء ربما يكونون في أعماقهم مبهورين باحتمالية أن يكون أومواموا منتجًا صناعيَّا حقًّا، وهذا لن يفاجئني، ولكنهم لا يرغبون في الإقرار بذلك، فيجهرون بالعكس تمامًا.

للأسف، موقفي يختلف عن موقف الشباب من باحثي ما بعد الدكتوراة الذين أعمل معهم، لأنهم يحتاجون إلى التقدم إلى وظائف، ولا شك لديَّ في أن البعض قد توجه إليهم بالنصح مشيرًا إلى خطورة هذا الأمر على حياتهم المهنية، ومن ثم تسلل الخوف إليهم وتوقفوا عن العمل في كل ما له صلة بهذا الفرع البحثي، وهذا ليس مفاجئًا؛ فإذا نشرت ثقافة فكرية عدائية لا تنظر بعين التقدير إلى العمل على قضايا مثل البحث عن حياة ذكية خارج الأرض، فإن الباحثين الشباب الواعدين لن يتطرقوا إلى هذا المجال، ولو حدث هذا فلا نلوم إلا أنفسنا، فلا يحق لنا أن نمنع الباحثين البارعين من العمل على مشروع البحث عن حياة ذكية خارج الأرض ثم نشكو بعدها ونقول إننا لم نجد شيئًا وإن هذا المشروع فاشل".

لكن هذا لا يعني أن جميع أبحاث علوم الفضاء يجب أن تتوجه إلى البحث عن حياة ذكية خارج الأرض، إذا نظرت إلى القطاع التجاري، فستجد أن شركات مثل مختبرات بِل في الماضي أو جوجل اليوم تحفز موظفيها وتسمح لهم بأن يعملوا على مشروعات بحثية مبتكرة يدفعها الفضول وغير ذات جدوى ربحية مباشرة، في المقابل، إذا نظرت إلى الأوساط الأكاديمية، فستجد أنها أكثر تحفظًا من القطاع التجاري، وهذا أمرٌ غير منطقي.

ما تعليقك على فكرة القول بأنك متحيز لهذه الفكرة حتى إنك لا تدرس الاحتمالات الأخرى؟ بل قد يتمادى البعض ويزعم أن كل ما تفعله هو التقرب من الممولين الأثرياء مثل يوري ميلنر، فأنت أحد المستشارين ببرنامجه مبادرات "بريكثرو" التي تمول الأبحاث المرتبطة بالبحث عن حياة ذكية خارج الأرض وأشرعة الضوء.

صحيح أن خيالي في النهاية محدود بما أعرف، وهذا ينطبق على الجميع أيضًا، ولا يمكنني أن أنكر حقيقة أن انخراطي في مشرع "بريكثرو ستارشوت" قد أثر على أفكاري هنا، وقد كنت أنا مَن اقترح أشرعة الضوء [التي طرحها الفيزيائي فيليب لوبِن] على يوري ميلنر باعتبارها فكرةً واعدة لتطوير مراكب فضائية قد تسافر بين النجوم، ومن ثم، فقد كان الأمر في اللغة التي أستخدمها، ونتيجةً لذلك صار جزءًا من مخيلتي عند التعامل مع أومواموا، وربما تتساءل الآن: "أليس هذا منظورًا متحيزًا إذًا؟"، سأقول لك إن هذا الأمر يحدث كثيرًا في الفيزياء وفي مجال البحث عن حياة ذكية خارج الأرض، وبالنسبة للأخير، هل تعرف أنه ما إن ظهرت تكنولوجيا الراديو حتى بدأنا نبحث في السماء عن إشارات راديو من حضارات بعيدة؟ والأمر نفسه ينطبق على تكنولوجيا الليزر، فالأمر طبيعي، بمجرد أن تطور تكنولوجيا معينة تتخيل أن هذه التكنولوجيا نفسها ربما تكون موجودةً في الخارج وتبدأ في البحث عنها، ومن ثم، فإني لن أنكر أن سبب وجود فكرة أشرعة الضوء في رأسي يعود إلى أنني عملت عليها سابقًا، ولكن فيما يتعلق بمحاولة تشجيع يوري، فهذا لا يمت إلى الأمر بصلة، فلماذا أفعل هذا بهذه الطريقة في حين أنه يمكنني الذهاب إليه مباشرةً وقتما أرغب لتأييد أيٍّ من آرائي؟ ثم إن عملي على أومواموا لم يكن بالتنسيق مع مبادرات "بريكثرو" أو بدعم منها، كما أنهم لم ينشروا بياناتٍ صحفيةً حول أفكاري، بل ربما يكون في عملي هذا ما يثير قلقهم؛ فلديهم سمعة يودون حمايتها وما إلى ذلك، وفيما يتعلق بهذا الأمر، لم يكن بيني وبينهم أي تواصل ولم أحصل على أي دعم منهم، لقد كان هذا ثمرة عملي وفضولي، ولم يكن استخدامًا لأومواموا كوسيلة لتحقيق أي مكاسب سياسية متعلقة ببرنامج "بريكثرو"، لم يكن ذلك هدفي إطلاقًا.

ماذا بعد هذه الخطوة؟ هل لديك خطط جديدة؟

لقد تنحيتُ مؤخرًا عن رئاسة قسم علم الفلك بجامعة هارفارد، ومن ثم أستطيع أن أتقدم للخطوة التالية، ولكن السؤال هو: ما هذه الخطوة؟ الحياة طبعًا لا تسير دومًا وفق ما تخطط له، غير أني قد أستجيب لإغراء منصب قيادي آخر؛ لأن هذا يتيح لي أن أكون أكثر تأثيرًا في صياغة واقع جديد قد لا يسعى إليه الآخرون، وهذه فرصة لن أضيعها، ولكن ربما كان يجب أن نستبعد فرص المناصب القيادية من المعادلة، وربما لا تُعرض عليّ أي وظائف مرةً أخرى بسبب أفكاري حول أومواموا! هذا أحد الاحتمالات، وفي هذه الحالة، سأكتفي بتأليف المزيد من الكتب، وإجراء المزيد من الأبحاث، وأستمر في الركض كل صباح.