على نحوٍ أثار الذهول، رُصدت مجرةٌ عملاقةٌ شبيهةٌ بمجرتنا، درب التبانة، وتعود نشأتها إلى وقت مبكر جدًّا من تاريخ الكون. هذه المجرة تضع الآن تحديًا أمام تصوُّر اختصاصيي الفيزياء الفلكية عن تَكوُّن المجرات. ويُعد هذا القرص الدَّوَّار من الغاز والنجوم هو الأقدم من نوعه على الإطلاق؛ نظرًا إلى أنه تشكَّل بعد انقضاء نحو 1.5 مليار عام فقط على الانفجار العظيم، حين لم يكن عمر الكون يتجاوز نحو 10% من عمره الحالي. ويُقدم هذا القرص دليلًا قويًّا على أن بعض المجرات الأولى كانت باردةً في المراحل الأولية من نشأتها.

ووفقًا لنماذج التكوين القياسية، تندمج المجرات في أثناء تجمُّع الغاز داخل «هالات» المادة المظلمة المنتشرة وحولها. ويصير ذلك الغاز بأكمله على درجة بالغة من السخونة في أثناء مروره وصولًا إلى قلب المجرة الناشئة، ولا بد أنه يستغرق وقتًا حتى يبرد قبل أن يبدأ في تشكيل النجوم. في المقابل، تشير أحدث عمليات المحاكاة إلى أن الغاز المتدفق إلى داخل المجرات حديثة العهد على امتداد خيوط طويلة من المادة المظلمة يمكن أن يبقى باردًا نسبيًّا، مما يُعجِّل ببدء تكوين النجوم. ولا بد أن هذه المجرات ذات «البداية الباردة» تُشكِّل أقراصًا دوَّامية تشبه مجرة درب التبانة.

وحتى وقتنا هذا، كان أغلب المجرات المبكرة التي تمكَّن الراصدون من تحديدها عبارة عن كتل غير منتظمة بلا أقراص، أشكالها مشوهة، وغازاتها ساخنة، بفعل تصادماتها المتكررة مع مجرات بدائية. ولقد توصَّل علماء الفلك بالفعل إلى عددٍ من المجرات القرصية التي تنتمي إلى بضعة مليارات الأعوام الأولى من تاريخ الكون. بيد أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذه الأجرام السماوية قديمة بالقدر الذي يكفي لجعل غازها باردًا بالفعل، وهو الأمر الذي يُضفي غموضًا على جذور نشأتها.

لكن هذه المجرة تحديدًا تتصدى لمثل هذه الاعتراضات. يقول مارسيل نيليمان، عالِم الفلك بمعهد ماكس بلانك للفلك بمدينة هايدلبيرج الألمانية، وأول مَن وضع دراسةً تُسجِّل هذه المشاهدات، وقد نُشرت في عدد 21 مايو من دورية Nature: "اكتشفنا مجرةً تحتوي بداخلها على كمية كبيرة من الغاز البارد. لو كانت قد تكوَّنت من خلال الوضع الساخن للتراكم، لما كان لها وجود من الأساس".

توافقه في هذا الرأي كورال ويلر، وهي عالِمة فلك تهتم بدراسة تطور المجرات بجامعة كاليفورنيا في مدينة سان دييجو. تقول ويلر: إن هذه المجرة تقدم "دليلًا قويًّا جدًّا على الوضع البارد للتراكم". (لم تكن ويلر من المشاركين في الدراسة).

ويذهب نيليمان وزملاؤه إلى الاعتقاد بأن الاكتشاف الجديد يعني أن غالبية الجيل الأول من المجرات تكوَّنت إما من خلال الوضع البارد للتراكم وإما بفعل تصادماتها مع مجرات أخرى حديثة العهد.

تعقُّب الظلال

لطالما ثار الجدل بين الباحثين حول ما إذا كان الغاز المتدفق داخل أقدم المجرات ساخنًا أم باردًا. ففي حين تُؤيد عمليات المحاكاة فكرة الغاز البارد، طرح المتشكِّكون تساؤلاتٍ بشأن مدى صحة تلك الاستنتاجات الافتراضية، وقد فعلوا ذلك لسببٍ وجيه: فبحكم الضرورة، عملت تلك النماذج على تبسيط الكثير من أبرز التأثيرات البيئية الخاصة بالمجرة، مثل عمليات التغذية الراجعة من المُستعرات العُظمى والثقوب السوداء، التي قد تؤدي في ظروف مغايرة إلى تسخين الغاز البارد.

يقول رايان ترينور، عالِم الفيزياء الفلكية بكلية فرانكلين ومارشال، والذي لم يشارك في الدراسة التي أعدتها دورية Nature: "لقد استمر الجدل في هذا الشأن على مدى العقدين الماضيين". ومن التحديات القائمة أمام تعقُّب المجرات الأقدم، الحاجة إلى مُستهدفات كبيرة وساطعة بالدرجة التي تكفي لرصدها من على بُعد مسافات كونية هائلة. وبناءً على ذلك، فإن أكثر الأجرام السماوية سطوعًا هي المرشحة أكثر من غيرها لأن تُرصَد. ومن أجل التغلُّب على هذا التحيُّز، قرر نيليمان وزملاؤه الاستفادة من منهج وضعه عالم الفلك الراحل آرثر وولف. فباستخدام مصفوفة مرصد أتاكاما الملليمتري/ تحت الملليمتري الكبير (ALMA) في تشيلي، تمكَّنوا من رصد مجرات أمام نجوم زائفة (كويزارات)، وهي ألمع الأجرام السماوية المعروفة في الكون. فبينما يمر الضوء المنبعث من نجم زائف عبر الجزء الأمامي من المجرة، يمتص الغاز المنبعث من تلك المجرة بعضًا من الضوء، مكوِّنًا بذلك ما يُطلق عليه نيليمان «الظلال».

ومن خلال دراسة الظلال، أو خطوط الامتصاص، باستخدام مرصد أتاكاما، استطاع علماء الفلك تعقُّب الحركة الدائرية للغاز غير الكثيف بمجرة DLA0817g التي اكتشفوها عام 2017. وقد أطلقوا عليها اسم «قرص وولف» تكريمًا لمستشار أعضاء الفريق وزميلهم السابق. وكشفت عمليات الرصد التي أُجريت على سبيل المتابعة باستخدام مرصد هابل الفضائي بعضًا من أكثر نجوم المجرة لمعانًا، التي استخدمها العلماء أساسًا لتقديراتهم التي تُفيد بأن مجرة قرص وولف تُنتج في المتوسط 16 نجمًا بحجم الشمس سنويًّا. كما كشفت عمليات الرصد التي أجراها مرصد هابل أن الغاز الذي يَعوق النجم الزائف لا ينبعث من قلب مجرة DLA0817g، بل من الحواف الخارجية لها، وهي منطقة يُتوقع فيها أن تقل كثافة الغاز. ويظن الباحثون أن ما يرونه هو أحد خيوط المادة المظلمة التي تُمرِّر الغاز إلى قرص وولف.

يقول جيه زافيَر بروتشاسكا، أحد أعضاء الفريق وأحد المشاركين في الدراسة، وعالِم الفلك بجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا كروز: "لا يمكننا البرهنة على أنه خيط مجرِّي، ولكنه بعيد تمامًا عن منطقة تكوين النجوم بالمجرة".

ويأمل الفريق من خلال الاستعانة بالنجوم الزائفة أن يتغلب على التحيُّز البحثي الذي واجهته الدراسات السابقة. وقد حقق الفريق نجاحًا نسبيًّا. يقول ألفريد تايلي، عالِم الفلك بجامعة ويسترن أستراليا: "ينتهي بك المطاف على الأرجح إلى أخذ عينات أكثر إنصافًا من مجموعة المجرات بهذه الطريقة". وقد كتب تايلي عن البحث -الذي لم يُشارك فيه- تعقيبًا متزامنًا في دورية Nature.

لكن الأمر لم يحظَ باقتناع الجميع. فيعتقد ترينور أن المنهج الجديد الذي تبنَّاه نيليمان وزملاؤه يتجنب التحيُّز إلى السطوع، لكنه ربما ينطوي على تحيُّزاته الخاصة. وفي هذا الشأن يقول: "ينحاز منهجهم نحو اكتشاف الأقراص الدوَّارة الثابتة". فالأقراص الممتدة التي تُشكِّلها المجرات الباردة من المرجح أن تحجب نجمًا زائفًا أكثر مما قد تفعل مجرة أصغر حجمًا. ويعلق ترينور قائلًا: "الأمر أشبه برمي سهام على لوحة تصويب. فكلما كانت اللوحة أكبر حجمًا صارت أكثر عرضةً للتصويب". هذا التشبيه لا يقلل من قدر المنهج الذي يصفه تريندور بكونه "أداة تكميلية ومفيدة بحق".

وفي حين يتفق بروتشاسكا على أن المجرات الأكبر حجمًا أكثر عرضةً لحجب النجوم الزائفة، فإنه يرى أن غاز قرص وولف الممتد أمام النجم الزائف الموجود في الخلفية لا يكون له تأثيرٌ بالضرورة على بنية المجرة. فالتوزيع الكبير للغاز حول الجرم السماوي الذي يحجب النجم الزائف يمكن أن يكون مصدره قشرة غازية دائرية الشكل تُحيط بالمجرة، أو ربما يأتي من الخيوط الممتدة التي تُمرِّر الغاز إلى المجرة.

ويتساءل ترينور أيضًّا عن مدى شيوع المجرات الشبيهة بقرص وولف في الكون المبكر، فهو غير مقتنع بأن مجرة واحدة تكفي لإثبات أن الوضع البارد للتراكُم هيمن على تكوين المجرات. ولكن ربما يُكشف النقاب عن مجرات جديدة في القريب العاجل. ويخطط فريق نيليمان لمواصلة الاستعانة بمرصد أتاكاما لدراسة المجرات المظللة بالنجوم الزائفة، على أمل اكتشاف المزيد.

يقول بروتشاسكا عن الوضع البارد للتراكم: "الآن أصبح واضحًا أنه يمكنك فعل ذلك في مجموعة فرعية من الحالات في وقت مبكر جدًّا. نشعر جميعًا بشيء من الدهشة".