قد تكون الثقوب السوداء ذات لونٍ أسود، إلا أنها ليست بالضرورة غير مرئية. وهي تتخذ عدة أحجام، بدءًا من الضئيلة للغاية حتى العملاقة، مع تمتُّعها بخاصية رئيسة مشتركة، هي أن لها حدًّا يُعرف بأُفق الحدث، حيث لا يُمكن للضوء الإفلات ما وراءه. مع ذلك، يُمكن للثقوب السوداء بالقرب من جسمٍ ما كأحد النجوم أن تُضيء عندما تتغذى، وأن تشتعل كغبار مُفرط السخونة، وأن تلف الغاز في حركات دوامية لأسفل حتى الانمحاء. أما تلك الثقوب السوداء التي لا تكون برفقة نجمٍ ما فيكون من الأصعب تحديدها، وذلك للونها الأسود، إلا أنه لا يزال من الممكن الكشف عنها -على نحوٍ غير مباشرٍ- عبر ما تفرضه من تأثيرات الجاذبية على غيرها من الأجسام المجاورة.

وفي مقالة نُشرت في مجلة »أسترونمي أند أستروفيزكس »Astronomy & Astrophysics، يقول الباحثون إنهم لاحظوا للتو ظاهرةً شبيهة، إذ كشفوا عما قد يكون أقرب ثُقب أسود، معلوم، إلى الأرض. فقد أظهرت دراستهم للنظام النجمي HR 6819 -الذي يُعد بالأحرى نظامًا نجميًّا غير ملحوظ يظهر للعين المجردة على نحوٍ خافت في كوكبة المرقب الجنوبية- أن واحدًا من نجميه المعروفَين بدا يدور حول جسمٍ ما غير مرئي مرةً واحدةً كل 40 يومًا. وصرح الفريق بأن إجراء الفحص الأكثر موثوقيةً أظهر أن هذا الجسم غير المرئي يُعد ثقبًا أسودَ ذا كتلة تُقدر بـ4.2 مرات من كتلة شمسنا. ويُضيف الباحثون أن أي نجم ذي كتلة مماثلة يقع في النظام النجمي HR 6819 سيكون على الأرجح مضيئًا على نحوٍ كافٍ ليُرى بسهولة. لذا، يُعد الثقب الأسود هو التفسير الأكثر احتمالية.

يقول توماس ريـﭭينيس، من المرصد الأوروبي الجنوبي (ESO)، وهو المؤلف الرئيس للدراسة: "ظننا -في بادئ الأمر- أن النظام النجمي [HR 6819] كان [نظامًا] ثُنائيًّا… إلا أننا حينما نظرنا على نحوٍ أكثر قُربًا، أدركنا أنه ليس نظامًا ثنائيًّا، بل كان -في الواقع- يتكون من ثلاثة [أجسام]".

استخدم علماء الفلك تلسكوبًا طوله 2.2 متر في مرصد لا سيلا التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي (ESO) في تشيلي للقيام بالاكتشاف. غير أن هذا الكشف لم يكن كشفًا حديثًا؛ إذ إن الملحوظات الرصدية التي مكّنت من أداء عملية الاكتشاف كانت مُستنبطة بالفعل خلال عدة أشهر تخللت عام 2004 الماضي. لكن في العام الماضي، أُعلن عن وجود ثقب أسود محتمل في نظام شبيه يُطلق عليه LB-1، وقد تسبب هذا الإعلان في حدوث بعض الجدل، ما حثَّ ريـﭭينيس وفريقه على إعادة دراسة بياناتهم الأرشيفية. يقول ريـﭭينيس: "لقد بدت البيانات الحديثة متماثلة تمامًا"، "تذكرت فجأة أن لَديَّ بيانات غير مستخدمة موجودة في خزانتي، وهي تبدو إلى حدٍّ كبير شبيهة بنظام [LB-1]".

يعتقد الفريق أن الثقب الأسود الكائن في النظام HR 6819 يُعد نتاجًا لأحد النجوم هنالك، الذي تفجّر كمُستعر أعظم منذ عشرات الملايين من السنين، وذلك بالاستناد إلى الأعوام المفترضة للنجمَين الباقيَين بهذا النظام. وهذا الثقب لم تجر ملاحظته حتى الآن؛ لأن انفصاله المداري عن نُجومه المُصاحبة يُعد كافيًا لمنعه -على نحوٍ واضحٍ- من أن يتغذى عليها. وعلى النقيض، تُعد الثقوب السوداء المعروفة الأخرى -في النُّظم الثنائية- أجسامًا مصاحبة لأحد النجوم الذي تتغذى منه، إذ تُحاط بأقراصٍ متوهجة من المواد التي تنبعث منها الأشعة السينية الغزيرة. وقد وجد علماء الفلك بضع عشرات فحسب من "ثُنائيات الأشعة السينية" تلك بين مئات المليارات من النجوم في مَجرتنا.

وإذا كان النظام HR 6819 يستضيف بالفعل أحد الثقوب السوداء، فحينئذٍ يكون لذلك بعض النتائج المُثيرة للاهتمام. بدايةً، من المُتوقع أن تمنح المستعرات العظمى أي نجوم مجاورة "ارتدادة" تجاذبية، يُحتمل أن تتسبب في اضطراب لمدارها، وفي إرسالها مُحلِّقةً نحو الفضاء البَينجمي. يُردف ريـﭭينيس بقوله: "إن حقيقة أن هذا النظام الثلاثي لا يزال موجودًا تُخبرنا بتعذُّر وقوع ارتدادة قوية هنالك، أو ربما لم تحدث إطلاقًا… ومن ثَم نكون قد تعلمنا شيئَا جديدًا بشأن المُستعر الأعظم، ألا وهو أن الثقوب السوداء قد تتكون دون ارتدادات".

وثمة نتيجة أخرى، هي أن الثقوب السوداء الساكنة -مثل الثقب المذكور- قد تكون أكثر شيوعًا مما يُعتقد، ما يُوحي بوجود ثقوب أخرى كثيرة في انتظار الاكتشاف. بل ربما يكون النظام LB-1 مثالًا آخر للفئة -غير المعلومة حتى الآن- من نُظم الثقوب السوداء. لكنه أكثر بُعدًا وخُفوتًا، ما جعل ملاحظته أكثر صعوبة، على الرغم من أن ذلك لا يُعد أمرًا مُحالًا. ويُضيف ريـﭭينيس: "لقد اقترحنا" دراسة النظام LB-1 كذلك.

فضلًا عن أن النظام HR 6819 من شأنه أن يمد ببعض الملحوظات المُحيِّرة بشأن كيفية تشكُّل ثُنائيات الثقب الأسود التي تنتج موجات الجاذبية. تُعرف تلك الأنظمة -لكونها ثُقبين أسودين أو ثُقبًا أسودَ ونجمًا نيوترونيًّا- بتوليد هذه التموجات في الزمان-المكان، وذلك عند اندماجها. إلا أن كيفية تشكُّلها قبل الاندماج تظل موضوعًا للجدل الحاد في مجال الفيزياء الفلكية. وتقول لورا نوتال، من جامعة بورتسموث بإنجلترا، والتي لم تشارك في الدراسة: "هذا التشكُّل يُعد غير معلوم حقًّا"، وتُضيف: "لا توجد إشارة واضحة حتى الآن بشأن طريقة التشكُّل على وجه التحديد".

يرى كريم البدري -من جامعة كاليفورنيا ببيركلي، والذي لم يكن أيضًا مشاركًا بالدراسة- أن زعمها اكتشاف أقرب ثُقب أسود مرصود على وجه الإطلاق يُعد "أمرًا معقولًا بلا ريبٍ". لكنه يلحظ -مع ذلك- أن هذه النتيجة تستند إلى بضعة افتراضاتٍ، أهمها أن النجم الأعمق للنظام، والذي يدور حول الثُّقب الأسود يبلغ حوالي خمس كتل شمسية. ويُضيف: "أرى أن هذا الافتراض ليس مؤكدًا تمامًا". فإذا لم يكن ذلك النجم الداخلي بالضخامة ذاتها كما افترض ريـﭭينيس وفريقه، فسيكون الجسم غير المرئي أقل ضخامةً أيضًا، وربما لا يكون ثقبًا أسودَ على الإطلاق. يقول كريم: "لا أعتقد أن القول بأن هذا الجسم يحتمل كونه ثقبًا أسودَ قولٌ يفتقر إلى الحصافة، إلا أن هناك بعض الشكوك بشأن ذلك".

ويقول إدوارد ﭬان دن هيوفيل، من جامعة أمستردام، والذي لم يكن مشاركًا بالدراسة أيضًا: إنه من غير المحتمل حاليًّا تحديد ما إذا كان الثُّقب الأسود المُفترض يُعد جسمًا منفردًا تبلغ كتلته 4.2 أمثال كتلة شمسية، أو أنه يُعد نجمَين تبلغ كتلة كلٍّ منهما 2.1 من الكتلة الشمسية يدوران على مقربة بعضهما من بعض. ويُضيف: "قد يكون ذلك [نظامًا نجميًّا] رباعيًّا، إلا أن هناك العديد من الأنظمة الرباعية بين النجوم الساطعة في السماء… وإذا بدأ انبعاث الأشعة السينية من الجسم في وقتٍ ما، فسوف نكون متأكدين من أنه ثُقبٌ أسود. ولكن إذا لم يقم الجسم بإصدار تلك الأشعة على الإطلاق، فحينئذٍ، نظل نواجه المشكلة ذاتها: هل هذا الجسم يُعد ثقبًا أسود، أم يحتمل أن يكون نظامًا ثُنائيًّا مغلقًا مؤلفًا من نَجمين".

ومع ذلك، يرد ريـﭭينيس بقوله: إن الأدلة على ذلك النظام الرباعي -الذي يتكون من نظامين ثُنائيَّين يدوران على نحوٍ مشتركٍ بعضهما حول بعض- ستكون ملحوظةً في الضوء المُنبعث من النظام HR 6819. وفي النهاية، سيقتضي إجراء المزيد من الدراسات حول النظام -والتي تتطلب تحديقات أطول باستخدام المزيد من التلسكوبات- الإجابة عن بعض من تلك الأسئلة. ويُضيف ريـﭭينيس: "بمجرد استئناف العمل مرةً أخرى بمراصدنا، فسوف نعمل على تجربة ما سبق"، مشيرًا إلى إغلاق التلسكوبات في جميع أرجاء العالم، استجابةً لجائحة ﭬيروس كورونا المستمرة. وفي الوقت الراهن، على الأقل، يبدو أن لنظامنا الشمسي رفيقًا جديدًا مُظلمًا يَكمن في الرقعة الخلفية لمَجَرته.