في خضمِّ تنقيبنا عن أدلةٍ كونية على وجود المادة المظلمة، قد يرانا الرائي أشبه بأشخاصٍ مخمورين يبحثون عن مفاتيحهم الضائعة أسفل أعمدة الإنارة، حيث يكون الضوء في أشد درجات سطوعه، وأعمدة الإنارة في حالتنا هذه هي مناطق من الفضاء تَعج بالمجرات والعناقيد المجرية، التي يُظَن أنها مطمورةٌ في سحب كثيفة أو "هالات" من المادة المظلمة، ولكن ماذا إذا رُكِّزت أبصارنا –عوضًا عن ذلك- على الفراغات الكونية، تلك المساحات المترامية من الفضاء الذي يكاد يكون خاويًا تمامًا؟ في مسودةٍ بحثية لدراسةٍ جديدة لم تُنشَر بعد، يرى فريقٌ مُؤلفٌ من ثلاثة علماء أنه برغم أن الإشارات الصادرة عن المادة المظلمة إجمالًا من مناطق كونية كهذه قد تكون أضعف، فإنها ربما تُعد أقل تلوُّثًا بمصادر فيزيائية فلكية، ومن ثم قد يسهُل علينا رصدها.

يقول نيكو هاماوس، عالِم الكونيات بجامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونخ بألمانيا والذي لم يشارك في الدراسة المذكورة: "هذه فكرة جديدة، وهي ليست مجرد فكرة؛ إذ تدعمها أيضًا بعض الحسابات المنطقية".

يُعتقَد أن المادة المظلمة تُشكِّل ما يزيد على 80% من مادة الكون، وتلك النسبة التقديرية تعتمد في الأساس على ما نراه من التأثيرات التثاقلية لتلك المادة المحيِّرة على الغازات، والغبار، والنجوم، والمجرات التي تُشكِّل المادة العادية، ويتمثل أحد تلك التأثيرات في أنه لولا جاذبية المادة المظلمة التي تُبقي المجرات متماسكة، لتفكَّكت تلك المجرات منذ زمنٍ طويل بفعل سرعة دورانها.

أفضل ما لدى جموع علماء الفيزياء من تكهنات يُنبئ بأن المادة المظلمة تتكون مما يُطلَق عليه الجسيمات الهائلة ضعيفة التفاعل (WIMPs)، غير أنه لا يزال العثور على أدلة مباشرة عصيًّا، رغم عقود من البحث عنها في مُعجِّلات الجسيمات، ومعدات الكشف فائقة الحساسية التي تُدفَن على أعماق سحيقة تحت الأرض لتجنُّب أكبر قدرٍ ممكن من الإشارات الآتية من الأشعة الكونية وغيرها من المصادر، لكن هذه الجسيمات لا تزال هي النموذج الأكثر رجحانًا لماهية المادة المظلمة، وفق ما قاله نيكولاو فورنينجو من جامعة تورينو بإيطاليا، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة.

واستنادًا إلى أغلب النماذج المبنية على الجسيمات الهائلة ضعيفة التفاعُل، فإنه إذا كانت هذه الجسيمات ثقيلةً كما هو متوقع -أي تتراوح طاقتها بين بضع وحدات جيجا إلكترون فولت (GeV) وبضع وحدات تيرا إلكترون فولت (TeV)، حيث تعدل وحدة جيجا إلكترون فولت نحو كتلة بروتون تقريبًا- فلا بد أنها تنحل في نهاية المطاف أو يتصادم بعضها ببعضٍ ويفنى، ويَنتج في كلتا الحالتين أشعةُ جاما، يُعلق فورنينجو على هذا بقوله: "إذا كانت المادة المظلمة تُطلِق أشعة جاما، فلا بد أن الإشارة موجودة".

تلتقط مراصد أشعة جاما الحالية -لا سيما «مرصد فيرمي» التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) بتلسكوبه واسع النطاق (LAT)- ما يشبه "خلفية" مُشتَّتة من أشعة جاما تشمل السماء بكاملها، هذه الخلفية هي زيادة غامضة تظل قائمةً بعد استبعاد جميع تأثيرات المصادر الفيزيائية الفلكية المعروفة كالنجوم النابضة والثقوب السوداء فائقة الضخامة التي تبتلع المادة ابتلاعًا، وهذه الزيادة غير موزَّعة بالتساوي في أرجاء السماء، وهو ما يتوافق مع توقعات علماء الفيزياء الفلكية بشأن انبعاثات المادة المظلمة والمصادر الفيزيائية الفلكية التي تبلغ من الصغر حدًّا يعجز عنده حتى مرصد فيرمي بتلسكوبه واسع النطاق -أفضل التلسكوبات في فئته- عن رصدها، وفيما يتعلق بالمادة المظلمة، فإن وهج أشعة جاما الناتج عن الجسيمات الهائلة ضعيفة التفاعل التي تنحل وتفنى، لا بد أن يكون مُرتبطًا بالبنية الكونية الهائلة، بحيث يكون أشد سطوعًا عندما ينبعث من المناطق المكدَّسة بالمادة وخافتًا عندما ينبعث من المناطق الخاوية، وتشير الدراسات الأولى في هذا المجال إلى وجود هذا الارتباط، لكنها ظلت تتجنب المناطق الخاوية في أغلب الأحيان وانصبَّ تركيزها -عوضًا عن ذلك- على المناطق الساطعة المليئة بالمجرات والعناقيد المجرية، ولمعرفة ما إذا كانت الإشارات المنبعثة من الفراغات أيسر في رصدها مقارنةً بتلك الصادرة عن المناطق المكتظة، أعد العلماء نماذج حاسوبية للكيفية التي تصدر بها الإشارات على الأرجح من كلا النوعين من البِنى الكونية، وتشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن إجمالي انبعاث أشعة جاما من المادة المظلمة والمادة العادية في المناطق الخاوية أضعف بكثيرٍ من انبعاثها من المناطق المكتظة، لكن هذا الضعف ميزةٌ وليس عيبًا، فقلة المادة العادية نسبيًّا تضمن قلة المصادر الفيزيائية الفلكية التي كانت لتحجب أشعة جاما المنبعثة من المادة المظلمة لولا ذلك، عن ذلك يقول فورنِينجو: "تلك مفاضلةٌ بين حالتين: أن تكون الإشارة المَقيسة أقوى وأكثر تلوُّثًا في مقابل أن تكون أضعف وأكثر نقاءً"، وقد أُرسلت الدراسة التي أجراها بالتعاون مع زملاءٍ له إلى دورية «جورنال أوف كوزمولوجي آند أستروبارتكل فيزيكس» Journal of Cosmology and Astroparticle Physics من أجل نشرها.

توصَّل الفريق أيضًا إلى نتيجةٍ أثارت بعض الدهشة، وهي أن معظم أشعة جاما المنبعثة من المادة المظلمة في هذه المناطق الخاوية لا بد أنها تنتج عن انحلال الجسيمات لا عن فنائها، فحتى يُفني جسيمان أحدهما الآخر يجب أن يتصادما أولًا، واحتمالية حدوث تصادم بين الجسيمات الهائلة ضعيفة التفاعُل في هذا الفراغ الكوني محدودة، لكن انحلال الجسيمات أمرٌ حتمي أيًّا كانت كثافة انتشارها، يقول فورنِينجو: "الانحلال يساعد في سبر أغوار الكتلة الكاملة التي يحويها حيزٌ ما في الفضاء، وكتلة المنطقة الخاوية ليست صغيرة، فهي تظل جسمًا كبيرًا، كل ما هنالك أنها أقل كثافة".

ونظرًا إلى أن هذه التقنية تمتاز بنسبة "إشارة إلى ضجيج" أفضل، وتنحاز إلى رصد أشعة جاما المنبعثة من الجسيمات المتحللة، فإنها قد تُقدِّم لنا رؤىً كاشفةً جديدةً حول خواص المادة المظلمة، التي لم نكن لنتوصَّل إليها إذا ما اكتفينا بدراسة أشعة جاما الصادرة من المناطق المكتظة وحدها، وفقًا لما يقوله هاماوس؛ فعلى سبيل المثال، كلما زاد متوسط عمر أحد جسيمات المادة المظلمة، قَل الانحلال الحاصل في نطاق زمني أو مكاني معين، لذا نقول إنه في حين يتعذر عادةً رصد إشارةٍ واهية كهذه، ليس بالضرورة أن يكون الحال كذلك في المناطق الخاوية، يعلق هاماوس على هذا بقوله: "نظرًا إلى أن نسبة الإشارة إلى ضجيج الخلفية أعلى، فيمكننا أن نخوض أكثر في استكشاف الاحتمالات الممكنة".

بتفاؤلٍ يشوبه الحذر، يتطلع أنثوني بولن -عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة نيويورك، والذي لم يشارك في الدراسة- إلى التجارب التي ستُجرى في المستقبل القريب بهدف التحقق من الأفكار الرئيسة التي انطوت عليها الدراسة؛ فمن المزمع أن تبدأ في وقتٍ لاحق من العقد الحالي عمليات رصد واسعة النطاق للبنية الكونية باستخدام معدات من الجيل القادم مثل «تلسكوب إيوكليد» Euclid Telescope التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والتلسكوب الفضائي «نانسي جريس رومان» Nancy Grace Roman Space Telescope و«مرصد فيرا سي روبن» الأرضي Vera C. Rubin Observatory التابعَين لوكالة الفضاء الأمريكية، يقول بولن: "مع انطلاق عمليات الرصد تلك، من المتوقع أن يتوافر لدينا كمٌّ هائل من البيانات، وكلما أمكننا العثور على مجرات أكثر، تسنَّى لنا تحديد مواقع المناطق الكونية الخاوية بدقةٍ أكبر، وسيكون هذا مفيدًا في هذه النوعية من الدراسة، ومن الوارد أن نرى في الأعوام القليلة المقبلة شيئًا مماثلًا يُعرَض كبرهان على قابلية الفكرة للتحقيق".

واليوم قد يكون إثبات المفهوم مقيَّدًا باللجوء إلى بيانات أشعة جاما التي جمعها «تلسكوب فيرمي»، وهو ما لا يفي بالغرض على حد قول فورنِينجو وزملائه، إذ تُشير حساباتهم إلى أن الوصول إلى كشوفٍ قاطعة سيتطلب جيلًا جديدًا من معدات رصد أشعة جاما له ضِعف حجم المكشاف وخمسة أضعاف الدقة الزاوية (القدرة على التفرقة بين المصادر المختلفة في السماء) التي يمتاز بها «تلسكوب فيرمي»، يقول فورنينجو: "بناء تلسكوب فيرمي جديد سيكون إضافةً عظيمة"، رغم أنه يُقر بأن مكشافًا كهذا يُعد ضَربًا من الخيال في وقتنا الراهن، هذا لم يمنع الفريق من أن يختاروا اسمًا إيطاليًّا ملائمًا للمكشاف المأمول، فأطلقوا عليه «فيرميسيمو» Fermissimo.