بعيدًا خلف مداري نبتون وبلوتو، يمتد فضاء مظلم وغامض يثير مخيلة علماء الفلك، هناك تحتشد -حسبما يعتقدون- تريليونات المذنبات، التي قُذفت إلى موقعها الحالي بواسطة كوكب المشتري أو كواكب أخرى منذ مليارات السنين، تشكل هذه المذنبات في مجموعها سحابةً كرويةً عملاقةً تُعرف باسم سحابة أورت، حيث تغلف النظام الشمسي وربما تمتد حتى بضع سنوات ضوئية من الشمس، لا أحد يعلم في الحقيقة عدد المذنبات الموجودة في سحابة أورت أو مداها الحقيقي؛ لأن القليل من ضوء الشمس يصل إلى تلك المنطقة النائية، لكن من حينٍ إلى آخر، يتسبب نجم عابر أو المد والجزر المجري في تحريك هذه البقايا الجليدية التي نشأت مع ميلاد النظام الشمسي، مما يتسبب في سقوط المذنبات باتجاه الشمس البعيدة لتدخل في نطاق رصد تلسكوباتنا، هذه المذنبات -التي تُعرف باسم المذنبات طويلة الأمد- تكمّل مدارها في آلاف أو ملايين السنين وهي في الغالب صغيرة، لا يتجاوز عرضها بضعة كيلومترات، ومع ذلك، أعلن علماء فلك في الأسبوع الماضي عن اكتشاف مذنب ذي أبعاد ضخمة حقًّا: مذنب عملاق قد يبلغ عرضه مئات الكيلومترات من الحافة إلى الحافة، وفي هذا السياق يقول بيدرو برناردينيلي من جامعة بنسلفانيا، وهو أحد الباحثين الذين اكتشفوا الجرم: "لقد كان اكتشافًا مذهلًا للغاية"، الآن يبذل علماء الفلك جهودًا لتوجيه المزيد من التلسكوبات في اتجاه المذنب؛ لكشف ما يحمله من أسرار عن أعماق الفضاء.

أُطلق على الجرم في البداية اسم 2014 UN271، ثم تمت تسميته رسميًّا C/2014 UN271 (برناردينيلي - برنشتاين) نسبةً إلى مكتشفيه: برناردينيلي وزميله من جامعة بنسلفانيا جاري برنشتاين، رصد المذنب لأول مرة عام 2014 من خلال مشروع يسمى مسح الطاقة المظلمة (DES)، لكن برناردينيلي وبرنشتاين لم يكتشفا المذنب إلا مؤخرًا، بعد أن تجلى في تحليلهما لنحو 80 ألف صورة تقريبًا التُقطت في إطار مشروع مسح الطاقة المظلمة على مدى السنوات العديدة الماضية، كشفت الصور التي التُقطت عام 2014 أن المذنب كان كامنًا على بُعد مسافة تقدر بـ30 ضِعف المسافة بين الأرض والشمس، أو 30 وحدة فلكية (AU)، الآن، وبعد سبع سنوات، أصبح الجرم على بُعد 20 وحدة فلكية ويستمر في الاقتراب منا، وأقرب موضع إليه من الشمس سيكون على بُعد 10.9 وحدات فلكية، وسيصل إليه في يناير 2031، هذا الموضع لا يبعد كثيرًا عن مدار زحل، بل إنه قريب بما يكفي لدرجة أن البعض قد تخيل إمكانية إرسال مركبة فضائية إلى الجرم في زيارة عابرة، تشير التقديرات الحالية إلى أن المذنب يستغرق ثلاثة ملايين سنة للدوران حول الشمس، ويرتحل لمسافة تقارب 0.9 سنة ضوئية -في أعماق سحابة أورت- قبل الدخول في النظام الشمسي مرةً أخرى.

لقد أسر حجم الجرم وقربه الداني على حدٍّ سواء عقول علماء الفلك، يقول ديفيد جيويت من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: "إنه اكتشافٌ مثيرٌ للغاية"، وعلى الرغم من أن ما يصل من أشعة الشمس إلى المذنب في موقعه الحالي أقل بـ400 مرة مما يصل إلى سطح الأرض، فإنه مضيء بدرجة تسمح للتلسكوبات برؤيته، مما يشير إلى أن عرضه يجب أن يتراوح بين 100 كيلومتر و370 كيلومترًا، ينشأ عدم اليقين حيال الحجم نتيجةً لانعكاسية الجرم وشكله غير المعروفين، لكن سواء كان عرضه 100 كيلومتر أم 370 كيلومترًا، فإن هذا الحجم التقديري يجعله أكبر بكثير من أي مذنب معروف سابقًا، ويليه من حيث حجم النواة المذنب هيل بوب، الذي أبهر مراقبي النجوم عام 1997، وكان حجمه ضئيلًا نسبيًّا، فلم يبلغ سوى 60 كيلومترًا، يقول آلان فيتزسيمونز من جامعة كوينز في بلفاست: إن مذنب برناردينيلي-برنشتاين هو "بالتأكيد أكبر مذنب رأيناه في العصر الفلكي الحديث"، مضيفًا: "لقد رصدنا مذنبات فائقة السطوع عبر التاريخ المسجل، ولكن كان ذلك قبل اختراع التلسكوب [في القرن السابع عشر]".

وقد بذل العلماء جهودًا حثيثةً لدراسة الجرم منذ الإعلان عنه، وبالفعل تمكَّن فريق من علماء الفلك من اكتشاف علامات نشاط على سطحه، ناتجة على الأرجح عن تشكيل الجليد الذائب غلافًا جويًّا، أو "ذؤابة المذنب"، حول نواته الصلبة، مما يؤكد أنه مذنب، وفي هذا الصدد تعلق روزيتا كوكوتانيكوفا من المرصد الأوروبي الجنوبي، التي قادت عمليات الرصد باستخدام شبكة من التلسكوبات في نصف الكرة الجنوبي، بقولها: "لقد زاد سطوعه كثيرًا، مما يعني أنه نشط"، سوف تكون عمليات الرصد السريعة المستمرة عاملًا حاسمًا في معرفة المزيد عن المذنب، وتضيف كوكوتانيكوفا: "ربما لا يزال هناك احتمال أن نرى إشارة على دوران النواة"، وأضافت: "عندما يصبح النشاط أقوى، ستُحجب النواة تمامًا".

إن ملاحظة هذا النشاط ستكون مفيدةً أيضًا؛ "لأننا لم نرصد حتى الآن مذنبًا نشطًا على هذا البُعد [من الشمس]"، كما تقول كوكوتانيكوفا، سيتيح هذا للباحثين سبر غور مناطق النظام الشمسي حيث يبدأ نشاط المذنبات، ويشير فيتزسيمونز إلى أنه منذ الظهور الأولي للجرم في الصور التي التقطها مشروع DES في الفترة من 2014 إلى 2018، لم يبدُ عليه نشاط، مما يعني أنه ربما "تنشَّط" في وقتٍ ما خلال السنوات الثلاث الماضية، مضيفًا: "سوف يمنحنا هذ المذنب فرصةً ذهبيةً لدراسة ما يحدث في هذه المرحلة الانتقالية، التي يتحول خلالها من كرة جليدية متجمدة في سحابة أورت إلى مذنب نشط بالكامل في النظام الشمسي".

يقع المذنب حاليًّا على بُعد حيث تقل درجات الحرارة كثيرًا عن درجة ذوبان جليد الماء، لذا لا بد أن مذنب برناردينيلي-برنشتاين -الذي قد يكون في أولى رحلاته في النظام الشمسي الداخلي- يحتوي على نوع آخر من الجليد يتعرض للذوبان، يقول جيويت: "أفضل تخمين هو أول أكسيد الكربون، لأننا نعلم أنه موجود في المذنبات، كما أنه متطاير للغاية".

ونظرًا إلى أن علماء الفلك لا يعرفون سوى القليل جدًّا عن الجرم حتى الآن ولم يروا شيئًا مثله من قبل، تظل طبيعته على وجه الدقة غير معروفة، هل هو حقًّا مذنب كبير أم شيء آخر تمامًا؟ تقول كوكوتانيكوفا: "يتكهن بعض العلماء بأنه قد يكون دائريًّا، وفي حالة توازن هيدروستاتيكي تقريبًا، مما يثير احتمال كونه أحد الكواكب القزمة"، ومع ذلك، يبدو هذا الاحتمال غير مرجح؛ نظرًا إلى أن معظم النماذج تشير إلى أن الجسم الجليدي يجب أن يقارب عرضه 800 كيلومتر قبل أن تبدأ جاذبيته في نحته في شكل كروي، لتحديد الحجم الحقيقي للجرم، يقول جيويت إن تلسكوب هابل الفضائي هو المرفق الحالي الوحيد الذي يتمتع بقوة رصد كافية لسبر غمام ذؤابته وتحديد حجم النواة، ولكن حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تتم الموافقة على طلبه الرسمي لدراسة المذنب باستخدام هذا المرصد المداري القيّم، غير أن التلسكوبات الأخرى قادرة على فحص سمات مختلفة له، مثل تكوينه، وتعلق كوكوتانيكوفا في هذا الصدد بقولها: "إنه مختلف تمامًا عن أي شيء آخر رصدناه، ومن المحتمل جدًّا أننا سنكتشف سماتٍ غير متوقعة".

إن القدرة على ملاحظة الجرم مدة طويلة مع وصوله إلى أقرب نقطة له من الشمس، ما يتيح إمكانية ملاحظته طوال العقد القادم، ستكون مرضيةً للغاية للعلماء؛ إذ سيتمكن علماء الفلك من مشاهدته وهو يتطور، وربما ملاحظة التغيرات في مستويات نشاطه أو حتى تفككه، يقول كولين سنودجراس من جامعة إدنبرة: "حقيقة أنه يمكننا متابعة هذا الشيء خلال السنوات العشر القادمة تعني وجود الكثير من الفرص لاكتشاف المزيد من التفاصيل"، وفي الوقت الحالي، لا يزال الكثير مما قد نلاحظه مجهولًا، على حد قول ميشيل بانيستر، من جامعة كانتربري في نيوزيلندا، التي تضيف: "لقد ظل هذا الشيء في حالة تجمُّد عميق منذ دهور -مئات الآلاف من السنين على أقل تقدير، والآن ترتفع حرارته بواسطة الشمس، ماذا سيحدث؟ إلى أي مدى سيصبح نشطًا؟ لا نعرف بعد، ستكون معرفة ذلك ممتعةً حقًّا".

يُعدّ المذنب أيضًا غيضًا من فيض مما سيطرأ في المستقبل القريب في مجال علم فلك النظام الشمسي؛ ففي أكتوبر 2023، سيبدأ تلسكوب جديد في تشيلي يُدعى مرصد فيرا سي روبن مسحًا مدته 10 سنوات للسماء بأكملها يسمى المسح المكاني والزماني التراكمي (LSST)، وبفضل مرآته التي يبلغ قطرها ثمانية أمتار، سيتمكن مرصد روبن من اكتشاف أجرام أكثر خفوتًا بكثير من أيٍّ من أسلافه، ويُتوقع أن يكون من بينها العديد من المذنبات الكبيرة مثل هذا المذنب، يقول ماريو جوريتش، عضو فريق مشروع LSST من جامعة واشنطن: "تكتشف التلسكوبات المعتادة أجسامًا على بُعد يصل إلى 50 أو 60 وحدةً فلكية"، "لكن في مشروع المسح المكاني والزماني التراكمي، يمكننا أن نبلغ بسهولة مسافات 150 وحدة فلكية، ربما سنرى أشياء [مثل مذنب برناردينيلي-برنشتاين] بمعدل شهري".

في الوقت الحاضر، يظل C/2014 UN271 (برناردينيلي-برنشتاين) أكبر مذنب شوهد يقترب من النظام الشمسي الداخلي على الإطلاق، ويقدم لمحةً عن أسرار أقاصي أطراف نظامنا الشمسي، سيكون من المثير مشاهدة كيف سيتأثر باقترابه من مدار زحل، وعلى الأرجح سيظل اسم برناردينيلي-برنشتاين عالقًا في الأذهان ردحًا من الزمان، تقول كوكوتانيكوفا: "سيخضع للدراسة سنوات وسنوات، وسيصبح أكثر إثارةً للاهتمام بمرور الوقت، وسنتعرف عليه جيدًا".


Watch This Next