هل كان سلاحًا بيولوجيًّا أنتجه معهد متخصص في علم الفيروسات؟ هل كان معروفًا من قبل وسجله مصمموه ببراءة اختراع؟ هل يمكن للمعالجة التجانسية أن تُجدي نفعًا؟ كل هذه الأفكار بشأن المرض الذي يسببه فيروس كورونا الجديد، المتصدر لعناوين الأخبار والمعروف رسميًّا الآن باسم «كوفيد-19»‎ COVID- 19، هي محض هراء. لكن كما هو الحال مع أي تفشٍّ لمرضٍ حديث، بدءًا من زيكا وصولًا إلى الإيبولا، تنتشر الأكاذيب ونظريات المؤامرة بسرعة تماثل سرعة انتشار المُمْرِض نفسه.

يستكشف أحد المسارات البحثية الناشئة -والذي يمكن أن يُطلق عليه دراسات التضليل- فهم كيفية ظهور الاعتقادات الوهمية خلال أزمات الصحة العامة، والسبب الذي يجعل ذلك يحدث. ما زالت التغطية الإعلامية لفيروس كورونا الجديد جاريةً، ولم تخضع بعدُ لتحليل دقيق. ولكن دراسةً صدرت للتوِّ عن وبائين سابقين، بالتزامن مع استمرار تزايُد التقارير الجديدة حول «كوفيد-19»، تكشف عن صعوبة دحض الشائعات الكاذبة المتعلقة بالأزمة الصحية.

أجرى باحثون في جامعة دارتموث وجامعة آي إي في إسبانيا وغيرهما من المعاهد تجارب في العلوم الاجتماعية، تُظهر أن محاولات تصحيح الاعتقادات المغلوطة بشأن فيروس زيكا باستخدام معلومات من منظمة الصحة العالمية كانت في الأغلب تأتي بنتائج عكسية؛ إذ إن نفي المعلومات الخطأ، قد أخفق في الحد من التصورات غير الصحيحة، بل وفي بعض الأحيان تسبَّب في زعزعة ثقة المشاركين بالمعلومات الدقيقة بشأن التفشي الذي يتسبب فيه أحد المُمْرِضات. نُشِرَت هذه الدراسة في دورية «ساينس أدفانسيز» Science Advances‎ في التاسع والعشرين من يناير.

فيروس زيكا مثلًا، يمكنه أن يتسبب في عيوب خلقية، تشمل «صغر الرأس المرضي»‎ Microcephaly (وهي حالة يولد فيها الأطفال بتشوه يتصف بصغر حجم الرأس)، وغيرها من المضاعفات العصبية. أثار هذا الفيروس سلسلةً من نظريات المؤامرة في البرازيل عند حدوث التفشي عام 2015 - 2016. حتى إنه جرى حظر أحد مبيدات الآفات التي كان يُعتقد بشكل خطأ أنها تتسبب في صغر الرأس المرضي.

يقول برندان نيهان، الذي شارك في الدراسة، ويعمل أستاذًا حكوميًّا في جامعة دارتموث: "تُعد الأمراض الناشئة مستنقعًا رئيسًا تنشأ فيه نظريات المؤامرة". تشير ورقة نيهان البحثية إلى أن الاعتقادات الزائفة تساعد الناس على التخلُّص من شعورهم بفقدان قدرة السيطرة على الوضع. ويقول نيهان إن هذه المشاعر تظهر فجأةً "عندما يظهر تهديد جديد في البيئة المحيطة، بالتزامن مع نقص في المعلومات الدقيقة حول مصادر هذا التهديد والطريقة المُثلى لحماية النفس منه"، مستطردًا: "في هذا السياق، سيتمسك الناس في الأغلب بالتفسيرات البسيطة للتهديد، وهي التي قد تكون قائمةً أكثر على الحدس أو أقل إزعاجًا من الناحية النفسية، عندما تقارنها بالواقع الفوضوي الكارثي المضطرب الذي تخلقه الأمراض الناشئة التي لا يسهل دائمًا فهمها".

تبدأ الدراسة بإجراء مسح استقصائي مباشر على 1532 برازيليًّا، بغرض قياس قدر سوء فهمهم بشأن فيروس زيكا. أعطى أغلب المشاركين إجابةً دقيقةً بأن الفيروس ينتقل عن طريق البعوض ولا ينتقل عبر المخالطة العارضة. غير أن عددًا كبيرًا منهم اعتنق أيضًا أفكارًا غير صحيحة؛ إذ اعتقد أكثر من 63% منهم خطأً بأن بعوضًا معدلًا وراثيًّا هو الذي ينشر المرض. وظن أكثر من نصف المشاركين خطأً أن زيادة أعداد حالات صغر الرأس المرضي ناتجة عن تطعيمات مرحلة الطفولة، أو عن مادة كيميائية كانت تُستخدم لمكافحة يرقات البعوض الذي ينقل فيروس زيكا إلى البشر.

أُتبِع المسح الإحصائي بتجارب عشوائية في علم الاجتماع أجريت على الإنترنت بين عامي 2017 و2018، درست ردود أفعال الناس عند إخبارهم بأن اعتقاداتهم بشأن البعوض المعدَّل وراثيًّا غير صحيحة. لم تنجح «رسالة تصحيح الخرافات»‎ هذه -والتي بُنيت على معلومات من منظمة الصحة العالمية- في الحد من مصداقية نظريات المؤامرة بالنسبة لهؤلاء المشاركين، وذلك مقارنةً بآراء تؤمن بها مجموعة مرجعية. علاوة على ذلك، كان للتصويب تأثير امتدادي قلل بدرجة كبيرة من تصديق الناس لست حقائق دقيقة من أصل تسع حقائق بشأن الوباء. يشير الباحثون إلى أن سبب فشل عملية دحض هذه المعتقدات الزائفة، قد يكون ما يسمى تأثير «الحقيقة المشوهة»‎، مثل أن يتسبب تحذيرٌ للجمهور من عدم دقة معلومة معروفة سابقًا في زيادة التشكُّك حول معلومات أخرى مرتبطة بالمرض، حتى وإن كانت صحيحة.

تضمنت الدراسة كذلك تجربةً منفصلة أُجريت في عام 2018، استجابةً لتفشِّي مرض الحمى الصفراء في البرازيل. وكانت نتائج هذه الدراسة أفضل فيما يتعلق باستخدام المعلومات المـُصَحِّحَة في عملية تغيير السلوك، وإن كان ذلك يحتمل أن يعود إلى كون المرض مألوفًا بالنسبة للبرازيليين بدرجة أكبر. غير أن هذه الدراسة أخفقت هي الأخرى في تعزيز دعم السياسات الرامية إلى السيطرة على البعوض أو تطبيق تدابير وقائية.

ربما تشير هذه الورقة البحثية الجديدة إلى إستراتيجيات تتفادى الإفراط في التركيز على الدور المرتبط بالتركيز على دحض المعلومات الخطأ في حملات الصحة العامة لصالح رسائل بسيطة خاصة بالإجراءات المُثلى التي ستُتَّبع، وهو درس يقول نيهان إنه يستمده من بحثه حول موقف الجمهور تجاه تطعيمات مرحلة الطفولة. ويقول: "النهج الأكثر تأثيرًا يتمثل في العمل في المجتمع من خلال مؤسسات موثوقة وقادة مؤتمنين لبناء الثقة وتوصيل أهمية اللقاحات للصحة العامة".

يقول آدم برينسكي، أستاذ العلوم السياسية ومدير مختبر التجارب السياسية البحثي التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي لم يشارك في الدراسة: إنها "تسلط الضوء على محدودية الإستراتيجيات التصحيحية في مجال الصحة العامة. اختبر الباحثون تصحيح المفاهيم الصحية المغلوطة باستخدام أفكار صادقة، واكتشفوا للأسف أن تأثيرها محدود، لا سيما في محاولات التشجيع على تبني السلوكيات الوقائية". مضيفًا: "نتائج الدراسة قد تكون مُحبِطة، ولكن في مجال المعلومات المضللة من المهم معرفة الخطط القائمة التي لا تعمل كما يجب، لمعرفة أي الخطط يمكن أن تؤتي ثمارها".

إميلي فراجا -الأستاذ المساعد، المتخصصة في التواصل الصحي في جامعة مينسوتا، التي لم تشارك في الدراسة هي الأخرى- اكتشفت أن الرسائل التصحيحية يمكن في واقع الأمر أن تكون فعالةً في تغيير السلوكيات، في دراستها التي أجرتها مع ليتيشيا بود من جامعة جورج تاون. بيد أنها تمتدح إحكام الدراسة التي أجريت حول مرض زيكا، وإن كانت تتساءل عمّا لو كان تقديم دلائل أكثر وضوحًا للمستطلَعة آراؤهم بشأن مصدر المعلومات من شأنه أن يساعد على تغيير آرائهم أم لا. تقول فراجا: "ذُهِلت وشعرت بالإحباط عندما وجدت أن جهود التصحيح القائمة على جهود منظمة الصحة العالمية لدحض الشائعات المحيطة بفيروس زيكا لم تكن غير فعالة فحسب، بل ربما جاءت فعليًّا بنتائج عكسية". مضيفةً: "أظن أن هناك فرصة جيدة لأن تنطبق النتائج على مشكلات صحية أخرى ناشئة، مثل فيروس كورونا الجديد؛ لأن الكثير من سمات التفشِّي مماثلة، فهو مرض غير معروف نسبيًّا، وينتشر بسرعة لا تصدق، كما أن النتائج المتعلقة بتأثيراته تتغير سريعًا".

إن تحديد مدى ما يمكن تصحيحه من الاعتقادات الوهمية، سيحتاج إلى إجراء المزيد من الدراسات على تفشِّيات مختلفة. يقول ستيفان ليفانداوسكي، الأستاذ في العلوم المعرفية الإدراكية في جامعة بريستول في إنجلترا، والذي لم يشارك في ورقة نيهان البحثية: "هناك نتائج أخرى تُظهر حساسية الناس بالفعل تجاه تصحيح نظريات المؤامرة. غير أننا في الوقت الراهن لا نعلم بالتحديد في أي الأوقات ينطبق هذا الأمر، وفي أيها يكون غير صالح لذلك".