مع اندلاع الحرائق الكارثية على نحوٍ لم يسبق له مثيل في غابات أستراليا، تتوالى علينا الصور المروِّعة: سماوات اصطبغت بحمرة الدم من جَرَّاء الدخان، وأُسر كاملة تلوذ بالقوارب هربًا من الشواطئ المشتعلة، ومشاهد طبيعية تناثرت في أرجائها جثثٌ متفحمةٌ لأنواع من الحيوانات الأيقونية مثل الكنغر والكوالا. لقد أصبحت تلك الكارثة -التي حلت بالأنواع الحيوانية الفريدة من نوعها التي تشتهر بها هذه القارة- محطَّ اهتمام الناس في جميع أنحاء العالم. ووفقًا لأحد التقديرات، من المرجح أن يكون حوالي 800 مليون حيوان في ولاية نيوساوث ويلز وحدها قد تأثر بهذه الحرائق. إلا أنه لم يتضح بعدُ عدد ما قد هلك منها هلاكًا مطلقًا.

لآلاف السنين، كانت الحرائق جزءًا لا يتجزأ من المناطق الطبيعية في أستراليا. وقد تطور العديد من الأنواع الحيوانية والأنظمة البيئية ليتأقلم مع هذه الظاهرة، فكانت بعض الحيوانات تنجو بحياتها باللجوء إلى تجاويف الأشجار وغيرها من الملاجئ، أو بإعادة إعمار مناطق محترقة انطلاقًا من أراضٍ مجاورة لم تتأثر بالحرائق. بيد أن شدة حرائق هذا الموسم وحجمها قد يحدان من فاعلية تلك التدابير، وفقًا لتصريحات عدد كبير من علماء البيئة. وفي ظل التغيُّر المناخي الذي يتسبب في إطالة أمد مواسم الحرائق وزيادة وتيرة الحرائق وشدتها، قد تتزايد الصعوبات التي تواجهها الأنظمة البيئية في طريقها إلى التعافي. ويقول سام بانكس، عالِم البيولوجيا المتخصص في الحفاظ على البيئة في جامعة تشارلز داروين بأستراليا: "إن تلك التغيرات قد تمثل تهديدًا خطيرًا لما لدينا من تنوع بيئي".

من المستحيل أن يعرف العلماء على وجه الدقة عدد الحيوانات التي هلكت قبل أن تخمد الحرائق بما يكفي للسماح بإجراء مسح شامل للمناطق المحترقة. وقدَّر كريس ديكمان -عالِم البيئة في جامعة سيدني- تقديرًا استقرائيًّا كثافة الأعداد المعروفة للثدييات، والطيور والزواحف في المناطق المحترقة في نيوساوث ويلز، والتي تزيد مساحتها على 12 مليون هيكتار، بما يصل إلى 800 مليون حيوان وفق التقديرات. ويقول ديكمان إنه إذا أُضيفت الحرائق في ولايتي فيكتوريا وساوث أستراليا، فإن الرقم سيقفز إلى ما يزيد على مليار من الحيوانات التي اندلعت الحرائق في موائلها. بيد أن هذه الطريقة تتسم بالقصور؛ إذ تختلف الكثافات الحيوانية من مكان إلى آخر، كما أن هذه الأعداد لا تشمل أنواعًا عديدةً من الحيوانات، وخاصةً الخفافيش، التي تشكل ربع عدد أنواع الثدييات البرية في أستراليا. ولكن "هذا أفضل تقدير استطعنا الوصول إليه"، على حد قوله.

أي الحيوانات سوف يستسلم للموت حرقًا وأيها سوف ينجو بنفسه هو، على الأقل على المدى القصير، أمرٌ سوف يتفاوت من نوع إلى آخر وبطرق ليست واضحة من أول وهلة، وفق قول بانكس، وديكمان، وعلماء بيئة آخرين. فعلى سبيل المثال، قد تبدو القدرة على الطيران وسيلةً للفرار لكلٍّ من الطيور والخفافيش. ولكن، كما يشير ديكمان، تتسم العديد من خفافيش الغابات في أستراليا بأنها بطيئة الطيران وهو الثمن الذي تدفعه مقابل قدرتها على المناورة في الغابات الكثيفة– وقد لا تستطيع الهرب بسهولة من ألسنة اللهب المتسارعة.

تتكيف بعض الحيوانات مع هذه الظروف بأن تجد ملجأً لها في شقوق الصخور أو الجحور. فقد اكتشف بانكس والعديد من زملائه أن حيوانات «البوسوم الجبلي»  mountain brushtail possum نجت من حرائق «السبت الأسود» التي وقعت عام 2009، ودمرت مناطق محيطة بمدينة ملبورن، بالاحتماء في تجاويف الأشجار. شهدت أعداد «البوسوم» التي هلكت بسبب الحرائق في الواقع معدلًا أقل من تلك التي تهلك بسبب التغيرات في توافر المياه من عامٍ إلى آخر. وتستطيع أنواعٌ أخرى، بأعداد قليلة من الناجين، أن تُعيد إعمار مناطق محترقة؛ فوفق قول بانكس، إن أعداد حيوان «أنتيكينوس الرشيق»agile antechinus (وهو حيوان جرابي صغير يشبه حيوان الزبابة) قد شهدت انخفاضًا في أعدادها بنسبة 70% في حرائق عام 2009، ولكن خلال السنوات الثلاث التالية استعادت مستوياتها السابقة على وقوع الحريق. كذلك تستطيع أنواع أخرى من الحيوانات إعادة إعمار المناطق المحترقة بالانتقال إليها من أراضٍ مجاورة لم تتضرر بالحرائق.

بيد أن تلك التدابير محدودة في الموائل المفتتة بالفعل، مثل تلك المنطقة الواقعة على امتداد ساحل نيوساوث ويلز، المكتظ بالحيوانات، أو في المناطق التي يكون فيها نوعٌ ما نادرًا بالفعل. فعلى سبيل المثال، يشعر ديكمان بالقلق بشأن مجموعات حيوان «أنتيكينوس ذي الذيل الأسود» black-tailed antechinus، وهو نوعٌ اقتُفي أثره في الأعوام القليلة الماضية فقط على الحدود بين ولايتي نيوساوث ويلز وكوينزلاند. ويقول: "لا نعرف ما سوف تخلَّفه هذه الحرائق من آثار، لكنها غطت جزءًا كبيرًا من مناطق التوزُّع المعروفة لهذا النوع، إن لم يكن كلها". وهذا ليس سوى واحد من أمثلة عديدة محتملة. تقول آنا دوتي، المتخصصة في علم البيئة الفسيولوجي في جامعة ولاية كاليفورنيا، ببيكرسفيلد: "تتسم أستراليا بالتنوُّع الشديد، لدرجة أنه أينما تصل الحرائق، يبدو الأمر وكأن شيئًا ما، يميز ذلك النطاق، سوف يُمحى من الوجود".

أما فيما يختص بالحيوانات التي نجت من الحرائق، فإن الخطر لم ينتهِ بعد. فهي تعاني من شح مصادر الغذاء والماء المتاحة لها، وقلة الملاذات الآمنة من الحيوانات المفترسة، وهي ظروف قد تؤدي إلى هلاك المزيد منها خلال الأسابيع والشهور التالية لزوال الكارثة. فوفق قول ديكمان، إنه من المعروف في أُستراليا أن الثعالب الحمراء الأوروبية المجتاحة، والقطط الوحشية تنقض على المناطق المحترقة لتحصد الناجين. وقد اكتشفت كلير ستافسكي -وهي عالِمة حيوان تعمل حاليًّا في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا- خلال رصدها لحيوانات «أنتيكينوس»  antechinusesفي أعقاب حريق شب في عام 2013 في ولاية نيوساوث ويلز، أن الحيوانات التي هلكت بسبب ضغوط ما بعد الحريق كانت أكثر عددًا من تلك التي التهمتها النار مباشرةً. وتقول إن "الآثار طويلة الأجل يمكن أن تكون طويلةً جدًّا".

إن ما تتسم به حرائق هذا الموسم من ضخامة، من ناحية الحجم والشدة، يقلل أيضًا من فرص الحيوانات في النجاة، في أثناء الحريق وأيضًا بعده. وتقول دوتي: "إن تلك الحرائق التي تشهدها أستراليا بالغة الشدة لدرجة تجعلني أخشى أن الأمر سيان، سواءٌ استطاعت تلك الحيوانات الصغيرة أن تجد تلك الملاجئ أم لا"، مُشيرةً إلى أن الحرارة قد تتغلغل إلى داخل الشقوق والتجاويف. وتضيف: إن توابع الحرائق هذه المرة، سوف تكون من الضخامة بحيث إن إعادة إعمار الحيوانات لمناطقها الداخلية سوف تستغرق وقتًا طويلًا للغاية، وبخاصة للأنواع بطيئة الحركة.

ومن المتوقع أن يتفاقم الوضع بسبب التغيرات المناخية. فقد ظل علماء المناخ سنوات يحذرون من أن ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الجفاف، وإطالة أمد مواسم الحرائق، واندلاع حرائق أكثر تواترًا وشدةً في هذا الجزء من أستراليا المشتعل بالحرائق الآن. ولكن حتى بالنسبة للعلماء، الواعين تمامًا بهذه التنبؤات، جاءت الحرائق الحالية خارج كل التوقعات. تقول ستافسكي: "بصراحة، لم أدرك أنها قد تتصاعد بهذه السرعة الكبيرة إلى المستوى الذي بلغته هذا العام".

يقول بانكس، إن الأمطار الغزيرة التي هطلت في الشهور التالية لحريق «السبت الأسود» كانت أحد العوامل التي ساعدت أنواع الحيوانات على التعافي من آثاره. لكنه يشير إلى أن ظروف الجفاف قد أصبحت أكثر شيوعًا الآن، مما قد يعوق عملية التعافي هذه المرة. (كثير من المناطق في جنوب شرق أستراليا تعاني حاليًّا من جفاف شديد، مما أسهَمَ في اندلاع الحرائق الأخيرة وزيادة شدتها). ويضيف: إن حيوانات «البوسوم الجبلي كث الذيل» mountain brushtail possums التي نجت من نيران «السبت الأسود» قد لا تستطيع في المستقبل استخدام "خطة الاحتماء بالملاجئ" نفسها؛ لأن الحرائق المتكررة تجعل الأشجار العتيقة التي توجد فيها التجاويف أكثر عرضةً للسقوط. ومع تضاؤل عدد الناجين، تزداد الصعوبات التي تواجهها أنواع الحيوانات في إعادة استقرارها في المناطق المحترقة.

إن شبح مستقبل كهذا هو ما يؤكد الحاجة المُلحَّة إلى توفير حماية أفضل للأنواع والأنظمة البيئية المهددة. ومن أجل ترجمة هذه الجهود، أعرب جميع العلماء الذين حاورناهم عن رغبتهم في رؤية دراسات جادة على أرض الواقع بعد أن تخمد النار. كما دعت كلٌّ من ستافسكي ودوتي إلى بذل مزيد من الجهد لفهم الآثار الفسيولوجية للنار على أفراد الحيوانات، مثل التغيرات في الأيض أو الآثار الناجمة عن التعرُّض للدخان. "إن الأبحاث التي أُجريت قليلةٌ للغاية، وهذا يثير أعصابي"، هكذا تقول دوتي، التي سوف تدرس تأثير الدخان على الخفافيش هذا الصيف في كاليفورنيا.

تقول دوتي وآخرون إن مثل هذه الجهود سوف يساعد في بناء صورة أوفى للآثار الناجمة عن حرائق البراري، كما سيوفر مزيدًا من المعلومات من أجل اتخاذ تدابير الحفاظ على البيئة اللازمة للحيلولة دون أن تصبح المشاهد المروعة التي رأيناها في الأسابيع الأخيرة، هي الوضع الطبيعي الجديد، وتهديدًا وجوديًّا لهبة الحياة النباتية والحيوانية الثرية التي تتميز بها أستراليا. تقول ستافسكي إنها، من جهتها، تشعر بأن ثمة أملًا، لكن في الوقت الراهن، "من الصعب جدًّا متابعة ما يحدث".