مثلها مثل الرياضات التي تمتد المباراة الواحدة منها لتسعين دقيقة، تُعَدُّ كرة القدم في العادة إحدى رياضات التحمل. بيد أن القوة تُعَدُّ أيضًا مفتاحًا لتجنُّب الإصابات وتحسين الأداء، وذلك وفقًا لدراسة تم تقديمها في يونيو الماضي في الاجتماع السنوي للكلية الأمريكية للطب الرياضي في مينيابوليس. والآن تأخذ الفرق -بدءًا من دوريات الشباب وحتى كأس العالم- هذا العلم لكي تضعه موضع التطبيق.

وعندما يتعلق الأمر بإبقاء الرياضيين أصحاء، ’’تؤدي تمارين القوة دورًا كبيرًا؛ لأنك في الواقع تبني بواسطتها المجموع العضلي الداعم‘‘، وذلك وفق شون آرينت، عالِم فسيولوجيا الجهد البدني بجامعة راتجرز، الذي قاد أعمال هذه الدراسة. ويشير آرينت إلى أن العضلات القوية والأوتار المتينة تعمل على تثبيت المفاصل وتقلل مخاطر حدوث الالتواءات أو التمزقات المؤلمة إلى حدودها الدنيا. دخلت المجموعة البحثية التابعة لآرينت في شراكة مع فريق كرة القدم النسائية بجامعة راتجرز لإدراج تمرينات متواصلة لرفع الأوزان ضمن النظام التدريبي للفريق. كانت النتائج فورية؛ فبعد موسم واحد، انخفضت معدلات الإصابة في الفريق بنسبة 70% مقارنةً بالسنوات السابقة. وسجَّل موسم الخريف الماضي مرور ثلاثة أعوام على التوالي دون تعرُّض اللاعبات للإصابات التي تنهي مشاركتهن في أحد المواسم، وهو إنجاز يندر تحقيقه في رياضة تشتهر بإصابات تمزق الأربطة والتواء الكاحل. ويعمل آرينت حاليًّا على نشر نتائجه، ويقول: "إن استطعت أن تُبقي لاعبيك على أرضية الملعب، فسيمكنهم تحقيق نتائج أفضل بكثير‘‘.

ووفقًا لتوماس كامينسكي، مدير برنامج تعليم التدريب الرياضي بجامعة ديلاوير، يمكن لقوة الجزء العلوي من الجسم -إضافةً إلى هذا- أن تعمل على تخفيف حدة أمر يشكِّل شاغلًا صحيًّا رئيسيًّا بالنسبة للاعبي كرة القدم، ألا وهو إصابات الدماغ الناتجة عن الضربات الرأسية المتكررة للكرة. وتدرس أبحاث كامينسكي سبل تقليل الآثار الضارة للعبة كرة القدم على الدماغ. ويقول كامينسكي إن ضربات الرأس المتكررة ترتبط بانخفاض الأداء الإدراكي لدى اللاعبين الهواة والمحترفين على حد سواء. ويعتقد كامينسكي أن تقوية عضلات الرقبة والجذع من شأنها أن تقلل حدوث ما يُسَمّيه ’’تأثير الدمية ذات الرأس الهزاز‘‘، وهو التأثير الذي يحدث فيه تسارُع حثيث لرأس اللاعب عند ضرب الرأس لكرة قدم مُرسلة في الهواء. إن ضربة ارتدادية كتلك من شأنها أن تتلف خلايا المخ. إلا أن كامينسكي يقول إن زيادة الكتلة العضلية في أجزاء الجسم الداعمة للعمود الفقري والدماغ يمكنها أن تخفض هذا التسارع، ويتابع قائلًا: ’’إن هذا من القواعد البسيطة للفيزياء‘‘.

وأعلن كامينسكي عن خطط لاختبار فكرته هذا الخريف ضمن أحد دوريات كرة القدم للشابات خارج مدينة ويلمينجتون في ولاية ديلاوير. في عام 2017 نشر كامينسكي وزملاؤه دراسة في دورية "ريسيرش إن سبورتس ميديسن" Research in Sports Medicine توصلوا فيها إلى أن اللاعبات الشابات يتعرضن بصورة أكبر لتأثير التسارُع الناتج عن الضربات الرأسية مقارنةً باللاعبين الذكور. البنات المقرَّرة مشاركتهن في دراسة كامينسكي القادمة، واللاتي تتراوح أعمارهن بين 11 و13 عامًا، سيرتدين مستشعرات لقياس تَسارُع الجمجمة في كل مرة تضرب إحداهن فيها الكرة برأسها. وكذلك ستخضع اللاعبات لتمرينات مخصصة لتقوية عضلات الرقبة والجذع، وهي تمرينات يأمل كامينسكي أن ينتج عنها خفضٌ في قياسات التسارع بنهاية الموسم. يقول كامينسكي: ’’أشعر بالحماس تجاه هذه الدراسة، فهي دراسة يُنتظر أن تجعل اللعبة أكثر أمانًا‘‘.

وبطبيعة الحال، تتجاوز فائدة القوة مجرد تجنُّب التعرُّض للإصابات؛ فوفقًا لآرينت، تُعَد العضلات القوية عضلات سريعة كذلك. يقول آرينت: ’’ينسى العديد من المدربين أن كون لاعبك أكثر قوةً وأكثر عنفوانًا يعني كونه أكثر سرعة‘‘. في أثناء اعتراض الكرة عبر التزحلق على الأرض، قد يكون وصول اللاعب للكرة أسرع بجزء من الثانية هو الفارق بين خطف الكرة من المنافس دون ارتكاب مخالفة وبين ارتكاب مخالفة (ناهيك بالارتطام العنيف بالمنافس).

ويتفق مارك راسل مع هذا الرأي القائل بأهمية تمرينات القوة بالنسبة لأداء لاعبي كرة القدم. يعمل راسل اختصاصيًّا في فسيولوجيا الجهد البدني التطبيقي بجامعة ليدز ترينيتي في إنجلترا، ويتعاون مع آرينت. وبالرغم من أن قوة التحمل تُعَدُّ أمرًا مهمًّا (في العادة يجري اللاعبون لمسافة سبعة أميال خلال المباراة الواحدة)، فإن الفوز بالمباريات أو خسارتها يحدده مدى قوة اللاعبين. يقول راسل: ’’في الغالب الأعم تكون أكثر اللحظات حسمًا في المباراة هي تلك اللحظات التي تنطوي على حركات رياضية تتطلب قوةً بالغة‘‘. ويشير راسل إلى أن الحركات الرياضية المعتمدة على القوة البدنية تمثل القوة الدافعة وراء ما نسبته 80% من الأهداف المُحرَزة، سواء كان هذا عبر إحدى ضربات الرأس التي تتم في أثناء الوثب، أو عبر العدْو بأقصى جهد نحو الكرة.

ويحذر بول جايسلر -الباحث في علم الجهد البدني والرياضة بكلية إيثاكا- من أن الهدف من تمرينات القوة في كرة القدم ينبغي أن يكون أكثر من مجرد بناء كتلة عضلية. ويضيف جايسلر: ’’إذا ركزت جهدك بشكل مبالغ فيه على زيادة حجم العضلات فحسب، فأنت تخاطر بالإضرار بمرونة هذه العضلات ولدونتها والحد منهما‘‘. ولتعظيم فوائد تمرينات القوة، يقترح جايسلر أن يركز لاعبو كرة القدم على ’’التقوية الديناميكية Dynamic Strengthening‘‘. يركز هذا الأسلوب على انبساط العضلة إضافةً إلى انقباضها، وهو أكثر أشكال تمرينات القوة شيوعًا. ويقول جايسلر إن اللاعبين يمكنهم –إضافةً إلى هذا– خفض مخاطر الإصابة بشكل أكبر عن طريق علاج عدم التكافؤ في القوة بين المجموعات العضلية المتقابلة، مثل أوتار المأبض والعضلات رباعية الرؤوس. ويُبدي جايسلر ملحوظة تقول بأن "الأمر يتعلق بالتنسيق وتحقيق التوازن؛ إذ إن العلاقة التبادلية بين هذه العضلات جميعها تتيح للاعب الكرة الفذ تجنُّب الإصابة وتقديم أداء جيد‘‘.

ويعتقد آرينت أن فوائد تمرينات القوة تمتد لما يتجاوز لاعبي كرة القدم رفيعي المستوى في حد ذاتهم. يقول آرينت: ’’كلنا رياضيون. ربما لا يمارس جميعنا رياضات تنافسية، إلا أن أجسامنا صُممت لأغراض الحركة‘‘. ويضيف آرينت أن مَن يمارسون رياضات المشي والركض، وأولئك الذين يمارسون الرياضة بدافع الترفيه، يمكنهم على حدٍّ سواء تحسين أدائهم وتقليل مخاطر الإصابات عبر ممارسة تمرينات القوة. ويتابع آرينت قائلًا: "إن الدروس التي تعلمناها في علم الرياضة يمكن قطعًا تطبيقها على نطاق أوسع بكثير. إن دور التمرين الملائم وتجنُّب الإصابة لا يزال قائمًا‘‘.

وبوصفه لاعبًا سابقًا لكرة القدم –وعلى حد تعبيره: ’’رياضي ماهر في مجال العلوم‘‘– شعر آرينت بخيبة الأمل لعدم تأهُّل الولايات المتحدة إلى نهائيات كأس العالم هذا العام. بيد أن آرينت يتابع المباريات باهتمام، ويقول: ’’أتشوق لرؤية أي الفرق تتمتع بأفضل جاهزية من الناحية البدنية‘‘. وأشار آرينت إلى الفريق الألماني باعتباره فريقًا أدى به استخدامه العلمي لتمرينات القوة وأساليب التعافي إلى الوصول لمراحل متقدمة ضمن بطولات كأس العالم الأخيرة (بالرغم من خروجه من منافسات كأس العالم لعام 2018 في روسيا). يقول آرينت: ’’كانوا دومًا فريقًا على قدرٍ عالٍ من اللياقة البدنية وفي طليعة الفرق من حيث الاستعداد‘‘.

ويتنبأ آرينت بأن المزيد من المنتخبات الوطنية ستحذو حذو ألمانيا في المستقبل، ويقول: ’’أتوقع أن نبدأ في رؤية هذا الأمر في عدد أكبر من الدول. سيبدأون في إدراك المتطلبات الفريدة التي تقتضيها هذه الرياضة من حيث القوة البدنية‘‘.