من الطرق التي يمكن من خلالها مواجهة المشكلة المتصاعدة المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية استخدام عقاقير متعددة. ويتجه التفكير نحو إعطاء المرضى نوعين من المضادات الحيوية، فإن قاومت الميكروبات أحدهما، فسيؤدي الآخر دوره. إلا أن دراسة جديدة تُشير إلى أن التوليفات العلاجية قد تؤدي في واقع الأمر إلى التسريع من وتيرة اكتساب الميكروب المقاومة.

في بحث نشرته دورية «ساينس» Science يوم الخميس، أوضح باحثون إسرائيليون أنه عندما يُبدي المريض عدم استجابة لأحد مضادين حيويين في توليفة علاجية -بمعنى أن هذا المضاد الحيوي يقتل البكتيريا بمزيد من البطء- تنشأ على الأرجح مقاومة صريحة تجاه العقار الثاني. كان العمل السابق الذي أجراه الفريق نفسه وآخرون قد أظهر بالفعل التأثير ذاته في طبق مُختبري؛ فقد وجدوا أن تباطؤ معدل قتل البكتيريا قد يؤدي إلى ظهور مقاومة لديها، إذ تستمر في النمو حتى مع وجود مضاد حيوي. لكن هذه الدراسة كانت الأولى التي تُبرهن على هذه العملية لدى الإنسان، وفقًا للباحثة الرئيسية في الدراسة ناتالي بالابان، اختصاصية الفيزياء الحيوية في الجامعة العبرية بالقدس.

تكشف هذه الدراسة -وإن كانت صغيرة- عن تهديد كبير قد يؤدي إلى زعزعة الطريقة التي يفكر بها الأطباء حاليًّا حيال توليفات المضادات الحيوية، على حد قول رامانان لاكسمينارايان، مدير مركز ديناميات واقتصاديات وسياسات الأمراض في واشنطن العاصمة، والذي لم يُشارك في هذا العمل. يقول لاكسمينارايان، الذي هو أيضًا أحد كبار الباحثين في جامعة برينستون: "سوف يتعين علينا إعادة النظر في النهج الذي نتبعه تجاه المضادات الحيوية بأكمله. لا يمكننا اتباع [نهج] «أعطِ الجميع على كل حال اتفق»، الذي نعمل به الآن".

يميل الأطباء السريريون إلى عدم التركيز على التحمُّل؛ لأن تأثيره قد لا يكون كبيرًا على المدى القصير. يقول لاكسمينارايان: "سيكون علاج مرضاهم أمرًا ممكنًا على الأرجح"، بالرغم من أن قتل المضادات الحيوية للبكتيريا سيبدأ متأخرًا. ويضيف أن "هذه في حقيقة الأمر مشكلة صحية عامة، وليست مشكلة سريرية" تتعلق بمريض واحد.

يقول أندرو بيرتي، الأستاذ المساعد في كلية يوجين أبلباوم للصيدلة والعلوم الصحية بجامعة وين ستيت، وإليزابيث هيرش، الأستاذ المساعد في كلية الصيدلة بجامعة مينيسوتا: "إننا متفقون على أن الاستخدام الرشيد لمضادات الميكروبات والإشراف السليم عليها يؤديان دورًا حاسمًا في الحفاظ على استمرارية مفعول المضادات الحيوية لمدة أطول". لم يُشارك كلٌّ من بيرتي وهيرش في الدراسة، لكنهما اشتركا في كتابة مقال رأي ذي صلة في العدد نفسه من دورية «ساينس». يقول بيرتي وهيرش: "في ظل غياب وسيلة سريعة وموثوقة لتحديد درجة التحمُّل للمضادات الحيوية، ما زلنا نرى دورًا جليًّا لتوليفات المضادات الحيوية العلاجية في حالات الإصابة المُوثَّقة بعدوى المكورات العنقودية، [إذ] تحتفظ توليفات كهذه بقدرتها على منع البكتيريا العادية غير القادرة على التحمُّل من اكتساب مقاوَمة".

في كل عام، يموت أكثر من 35 ألف شخص في الولايات المتحدة، ويَمرض أكثر من 2.8 مليون شخص، بسبب حالات العدوى المقاوِمة للمضادات الحيوية، وفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة. تكمن الصعوبة في أنه يتعذر قياس درجة تحمُّل البكتيريا للمضادات الحيوية في العيادة، لذا لا تتأتى للأطباء معرفة ما إذا كان المريض قد اكتسب مقاومةً للمضادات الحيوية أم لا. لن يؤدي هذا إلى إحداث فارق كبير لدى الشخص الذي يتمتع بصحة جيدة، والذي لا يحتاج سوى إلى شيء من المساعدة لمكافحة العدوى، على حد قول بالابان. لكن هذا قد يُعرِّض حياة المريض للخطر إذا كانت قد أضعفته بالفعل عدوى أصابت مجرى الدم.

بحثت بالابان وزملاؤها في الجامعة العبرية بالقدس ومركز شعاري تسيديك الطبي في إسرائيل في تطوُّر العنقوديات الذهبية Staphylococcus aureus المقاوِمة للميثيسيلين والتي يمكن أن تكون قاتلة، لدى مريضين كانا قد أُصيبا بعدوى في الدم استمرت لأكثر من أسبوعين، على الرغم من أنهما كانا يتلقيان مضادات حيوية. في البداية، أُعطي أحد المريضين المضاد الحيوي «فانكومايسين». وبعد أربعة أيام، أُضيف «ريفامبيسين» إلى نظامه العلاجي. بعد ذلك، حلَّ «دابتومايسين» محل «فانكومايسين» اعتبارًا من اليوم الثامن إلى اليوم الرابع عشر.

عندما فحص الفريق البكتيريا المأخوذة من المريض، كانت الميكروبات التي اكتسبت تحمُّلًا للمضاد الحيوي «فانكومايسين» قد قُتلت أيضًا بمعدل أبطأ بفعل المضاد الحيوي «دابتومايسين». ولم تعد التوليفة التي تشتمل على «ريفامبيسين» و«دابتومايسين» أكثر فاعليةً من العامل الوحيد.

أوضح الباحثون أيضًا أن مقاومةً كهذه تظهر لدى بعض الأنواع الأخرى من البكتيريا الخطرة ومع توليفات أخرى من المضادات الحيوية. وهم يخططون في المرحلة التالية لدراسة ما إذا كان التأثير يحدث في المزيد من أنواع البكتيريا، وفق قول بالابان، كما أنهم يخططون لفحص توليفات المضادات الحيوية التي يمكن أن تُعالج بفاعلية صور العدوى التي تُهدِّد الحياة دون تعزيز للمقاومة.

من المتوقع نظريًّا أن يقضي العقار الثاني في توليفةٍ ما على أيٍّ من الميكروبات التي لم يتمكَّن المضاد الحيوي الأول من القضاء عليها. إلا أن الدراسة الجديدة أظهرت أنه عندما يكون المريض مقاوِمًا بالفعل للعقار الأول، فإن إضافة عقار آخر تؤدي إلى تقوية المقاومة عن طريق تعزيز تكاثر البكتيريا التي لم تُقتل على الفور.

ومع انخفاض مستوى المضادات الحيوية لدى المريض بين الجرعات اليومية، فإن البكتيريا «الهاجعة» في وجود الدواء يمكنها أن تستيقظ وتتكاثر بما يكفي لتطور المقاومة، على حد قول بيرتي. من جانبه، يقول هيرش إن الإسهام الرئيسي الذي قدَّمته الدراسة الجديدة تمثَّل في أنه قد ثبت لدى المرضى ما كان قد شُوهد بالفعل في المختبر. ويتفق معه بيرتي قائلًا: "لقد ظلَّ هذا مطروحًا على سبيل الافتراض لمدة طويلة... هذه هي المرة الأولى التي جرى إثباته" على نحو قاطع لدى المرضى.

تقول بالابان إن العمليات التطورية نفسها التي تُسهِم في ظهور نوعٍ من التحمُّل للمضادات الحيوية من المحتمل أن يكون لها دور في السرطان أيضًا، وربما يمكن الاستفادة منها في التوصُّل إلى العلاج. فقد تصبح الخلايا الورميَّة قادرةً على تحمُّل العلاج الكيميائي في البداية ثم تكتسب مقاومةً له وتُوسِّع نطاق هذه المقاومة بحيث تتصدى لعقاقير أخرى. بيْد أن بالابان لا تخطط لإجراء بحث كهذا بنفسها.

تُشير الدراسة الجديدة إلى الحاجة إلى إجراء فحص مختبري لمعرفة ما إذا كانت البكتيريا المسبِّبة للعدوى لدى مريض قادرةً على تحمُّل العلاج بالمضادات الحيوية المبرمج قبل بدء العلاج، على حد قول بروس ليفين، أستاذ علم الأحياء بجامعة إيموري. ويضيف ليفين، اختصاصي علم الأحياء التطوري الذي يدرس الأمراض المعدية والعلاج بالعقاقير ولم يكن مشاركًا في الدراسة، أن النتائج أثارت اهتمامه وإعجابه. والسؤال الذي يطرحه هو: "هل ستكون هذه الدراسة بمنزلة تحذير، [و] هل سيستجيب الناس لها؟ أم أنها لا تعدو كونها تمرينًا أكاديميًّا نظريًّا جديدًا؟".

Editor’s Note (1/13/20): This article was updated to include additional comments from Andrew Berti and Elizabeth Hirsch on the use of combination antibiotic therapy.