تميَّز علم المناخ منذ بداياته الأولى بأنه جهدٌ متعدد التخصصات على نحوٍ يثير الإعجاب، إذ يجمع بين علم الأحياء والكيمياء والتاريخ وعلم المناخ القديم وكذلك الفيزياء؛ فحركة الموائع، والديناميكا الحرارية للهواء والماء، والانتقال الإشعاعي، وحركة الأرض في مدارها حول الشمس، كلّها عوامل أساسية تتسبب في حالة التعقيد المحيطة بنظام الطقس والمناخ، لكن هناك موضوعات بعيدة عن مجال الفيزياء لها دورٌ أساسي في فهم كيفية تطور الحياة والمناخ معًا على كوكب الأرض، وكيف يمكن لكليهما أن يتغير في المستقبل، وبسبب هذا التداخل بين تخصصات عدّة، طالما ظننتُ أن علم المناخ لن يسترعي انتباه لجان جائزة نوبل التي تُمنح لتخصصات محددة.

بطبيعة الحال يمكن اعتبار جائزة نوبل في الكيمياء الممنوحة لكيميائيي الغلاف الجوي شيروود رولاند، وماريو مولينا، وبول كروتزن عام 1995 عن عملهم حول استنفاد طبقة الأوزون، ذات صلة بعلم المناخ، لكن الجائزتين اللتين ارتبطتا بوضوح بتغيُّر المناخ كانتا جائزة نوبل للسلام عام 2007 الممنوحة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) مناصفةً مع آل جور عن جهودهما لنشر المعرفة حول علم المناخ، وجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2018 الممنوحة عن وضع علم المناخ في سياق اقتصادي، بدلًا من منحها للعلم نفسه.

ولذا، ذُهِلتُ هذا الأسبوع عندما علمتُ أن لجنة جائزة نوبل للفيزياء قد اعترفت بالتطورات الهائلة التي أحرزناها في فهم النظام المناخي، ومَنحت نصف جائزة هذا العام وقيمتها 10 ملايين كرونة سويدية (1.1 مليون دولار أمريكي) لاثنين من علماء المناخ هما شوكورو (سوكي) مانابي وكلاوس هاسلمان، استحقّ مانابي وهاسلمان الجائزة، لكن في مجالٍ تعاونيٍّ كهذا، لا شك أن هناك روّادًا آخرين لم ينالوا حقهم من التقدير.

تتناول أبحاث مانابي وهاسلمان موضوعين رئيسين في علم المناخ، هما: النمذجة الفيزيائية للمناخ، وقياس التغيرات المناخية وتحديد أسبابها، وبفضل هذه الجهود استطعنا فهم التغيرات المناخية التي حدثت في الماضي القريب والتكهّن ببراعة بمستقبل المناخ على كوكب الأرض.

بدأت قدرتنا على التكهّن ببراعة بالتغيرات المناخية في ستينيات القرن الماضي، مع تطوير نماذج توازن الطاقة عالميًّا، وبعدها نماذج الحمل الإشعاعي أحادية البعد، ولاحقًا النماذج المناخية ثلاثية الأبعاد، أما التطورات في المفاهيم الأساسية فقد حدثت في خمسينيات القرن الماضي وستينياته وسبعينياته، في حين استفادت الأبحاث اللاحقة من القدرات الحاسوبية المتزايدة لوضع تلك المفاهيم موضع التنفيذ بمستويات غير مسبوقة من الاكتمال والتفصيل.

ومن بين العديد من الأبحاث المميزة من تلك الحِقبة السابقة، نجدُ بحثًا ذا أهمية خاصة؛ فقد أُطلق على بحث مانابي وريتشارد ويثيرالد، الذي نُشر في "دورية علوم الغلاف الجوي" Journal of the Atmospheric Sciences عام 1967، أنه البحث "الأكثر تأثيرًا" في علم المناخ، وفيه وصف الباحثان للمرة الأولى تبعات زيادة ثاني أكسيد الكربون في نموذج حمل إشعاعي ضمّ الجوانب الأساسية للغلاف الجوي الذي اعتُقد أنه عمود رأسي، والأهم من ذلك، تنبّأ البحث بالمقدار الصحيح لارتفاع الحرارة على سطح الأرض، وتوصّل إلى أن حرارة التروبوسفير (أدنى طبقات الغلاف الجوي) سترتفع بشكل متجانس، وتنبَّأ بالتغير في ارتفاع التربوبوز (وهو الحد الفاصل بين طبقتي التروبوسفير والستراتوسفير)، وخلافًا للمنطق تنبأ أيضًا بأن حرارة الستراتوسفير ستنخفض، وقد وصف هاسلمان، في بحثه عام 1979، هذا النمط العمودي للتغيير بأنه بصمةٌ مكانيةٌ للتغير، وهو نمطٌ مختلفٌ عن أنماط التغير الداخلي في مناخ الأرض، إلى درجة أنه يمكن استخدامه للكشف عن إشارة غازات الاحتباس الحراري، وقد طُرح ذلك للمرة الأولى في أواخر الثمانينيات على يد جيمز هانسن وزملائه، واكتسب مزيدًا من الدعم في فترة التسعينيات وما بعدها.

لكن لجنة جائزة نوبل تتسم بالتحفظ؛ ففي العديد من الجوائز الأخيرة، لم تنل الإنجازات النظرية أو المفاهيمية حقها من التقدير إلا بعد قياس الظواهر موضع التكهّن قياسًا لا لبس فيه؛ فجائزة عام 2017 عن الأبحاث حول موجات الجاذبية لم تعترف بإنجازات راي وايس وكيب ثورن في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته إلا بعد أن اكتشفت فرق العمل في "مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر" (LIGO) هذه الموجات عام 2015، وبالمثل، حصل بيتر هيجز وفرانسوا إنجليرت مناصفةً على جائزة عام 2013 عن تنبؤاتهما عام 1964 بوجود جسيم أُطلق عليه بوزون هيجز، وذلك بعد أن رصدت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" (CERN) وجود هذا الجزيء عام 2012، ففي كلتا الحالتين، أُعلنت الاكتشافات عندما تجاوزت تلك الإشارات ما يُطلق عليه حدّ خمسة سيجما (أي وجود احتمال بنسبة 1 لكل 3.5 مليون أن تكون هذه الإشارة قد حدثت عن طريق الصدفة).

لا يمكن تقييم التنبؤات المناخية هي الأخرى إلا بعد عدة عقود، والواقع أنه يمكن استخدام أبحاث هاسلمان في التقييم الدقيق للفترة التي يلزم انتظارها للكشف عن معدل محدد لتغيُّر المناخ؛ فللوصول إلى المعدلات الحالية للتغير (حوالي 0.2 درجة مئوية لكل عقد)، نحتاج إلى عقدَين أو أكثر، وهناك تقييم لهذه التنبؤات الأولى، نشره هاوسفاذر وآخرون عام 2019 (وكنتُ أحد المؤلفين المشاركين) تضمّن اثنتين من التنبؤات الأولى قدّمهما مانابي (1970)، ومانابي ورونالد ستوفر (1993)، ومع وجود بضعة استثناءات، وجدنا أنه هذه المحاولات الأولى كانت ناجحة إلى حدٍّ كبير في التنبؤ بمسار المناخ خلال العقود اللاحقة.

علينا أن نتذكر أن لجوائز نوبل شرطين أساسيين: أولهما أنها لا تُمنح بعد الوفاة، والثاني أنه لا يمكن تقاسمها بين أكثر من ثلاثة أشخاص، وهو ما يمثل عقبةً عندما يتعلق الأمر بتقدير جهود جماعية بُذلت قبل 40 عامًا، فمن بين ما قيّمناه من تنبؤات من فترة السبعينيات، حصل جميع المؤلفين المستوفين لشروط الجائزة إلى الآن على جوائز نوبل (سوكي مانابي وويليام نوردهاوس)! ومما يُرثى له أن العديد من الرواد ما عادوا على قيد الحياة؛ ففي عام 2019 توفي نورم فيليبس، الذي صمم أول نموذج مناخي عالمي عام 1955، وفي مطلع العام الحالي تُوفي أكيو أراكاوا، الذي تُستخدم أساليبه الرقمية كأساس لجميع النماذج المناخية، في حين تُوفي ريتشارد ويثيرالد -وهو المؤلف المشارك مع مانابي- عام 2011، وتُوفي جيه موراي ميتشيل عام 1990، وجون إس سوير عام 2000، وجورج إس بنتون عام 1999، وجميعهم وضعوا تنبؤات على الدرجة نفسها من النجاح في الفترة نفسها تقريبًا.

يختلف هذا التقدم المُحرَز في نمذجة المناخ عن التنبؤ بالطقس، وإن كان مرتبطًا به، وربما يكون التنبؤ بالطقس من المجالات التي تعتمد اعتمادًا مكثفًا على الفيزياء، والتي لم تُقدَّم لها أي جائزة من جوائز نوبل حتى الآن، ويمكن القول إن المنافع العملية من التنبؤات الدقيقة بالطقس تفوق بكثير المنافع (المتحصلة إلى الآن) من فهمنا لتغير المناخ، لكن هذا المجال ربما ينطوي هو الآخر على العديد من الإسهامات الفردية الممتدة على مدار العديد من السنوات، ما يجعل من الصعب تقديرها وفق آلية نوبل.

يتبقى أن نشير إلى نقطة أخيرة: هل تتذكر الحد الأدنى للكشف عن موجات الجاذبية وبوزون هيجز؟ تجدر الإشارة إلى أنه في حالة رصد الإشارة المناخية بشرية المنشأ في درجات حرارة السطح، تم تجاوز الحد 5 سيجما عام 2012، والآن تجاوزت هذه الإشارة 7 سيجما (أي أن احتمال حدوثها مصادفةً يبلغ 1 لكل 800 مليار)، وهو ما يشير إلى أن منح جائزة نوبل لعلم المناخ قد تأخر عقدًا من الزمن، لكننا نحتفي بها على كلّ حال.