اشترت صديقتي "إميلي" -التي تحب مراقبة حالتها الصحية- مؤخرًا جهازًا صغيرًا ذكيًّا يُدعى «خاتم أورا» Ōura Ring، يبدو من الخارج خاتمًا فضيًّا عاديًّا، لكنه مبطن بأجهزة استشعار ترصد معدل ضربات القلب، والتنفس، ودرجة الحرارة، وحركة الجسم، ومتغيرات أخرى، تحلل الخوارزميات البيانات، وتتوصل إلى نتائج تُعرض على هاتف «الآيفون» iPhone الخاص بها.

يُخبر الخاتم إميلي بقدر التمارين التي تؤديها، وكذلك مقدار النوم الذي تحصل عليه، وينصحها بأسلوب متسلط لطيف كيف يمكنها تغيير الروتين الذي تتبعه حتى تنعم بصحة أفضل، ربما يمكنها الذهاب إلى النوم مبكرًا قليلًا الليلة، وممارسة قدر أكبر من التمارين غدًا، حتى إن تطبيق أورا يوفر تسجيلات لقصص مملة يقرؤها شخص يتمتع بصوت رائع يبعث على النعاس، لمساعدتها على الإخلاد إلى النوم.

يكاد يكون الخاتم قطعةً هندسيةً سحرية، كل هذه القوة التحليلية والحسية داخل ذلك الشكل الأنيق! ويبدو المنطق وراء الخاتم لأول وهلة لا يمكن دحضه، يرسل الخاتم المزيد والمزيد من البيانات من المستخدمين إلى الشركة المصنِّعة له «أورا» Ōura، التي تواصل تحسين خوارزمياتها لجعل "رؤاها الصحية المحددة والشخصية" أكثر دقة، في الوضع الأمثل، سيساعدك الخاتم على تنمية عادات صحية أكثر، وينبهك لمشكلات تتطلب التدخل الطبي، هذا ما تأمله إميلي، لكن عندما حثتني على شراء «خاتم أورا»، هززت رأسي معترضًا، وقلت: مستحيل، أخشى أن الخاتم يجعلها قلقةً بشكل غير صحي بشأن صحتها، (لا توافق إيميلي على ذلك، انظر ردها في نهاية المقال)، بالتأكيد سيكون للخاتم تأثيرٌ مماثلٌ عليَّ.

تناول محرر تكنولوجي لدى صحيفة «نيويورك تايمز» New York Times مخاوفي تلك، فكتب جاستين ردمان: "لا أستطيع القول إن خاتم أورا جعلني أكثر صحة، لكنه جعلني أكثر وعيًا بشأن الصحة، أتطلع إلى البيانات الصادرة من خاتم أورا كل صباح للحصول على تأكيد بأنني على ما يرام (ولم أصب بكوفيد-19)، أدى ذلك في نهاية المطاف إلى اعتماد غير صحي بشكلٍ ما على الخاتم وبياناته، قبل أن تشتري جهازًا كهذا، عليك أن تسأل نفسك عما إذا كنت ستستخدم البيانات في اتخاذ خيارات أفضل، أم ستسبب لك توترًا لا داعي له".

ينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال حول كل أجهزتنا الرقمية، بشكل عام، هل هي مفيدة لنا؟ نحن نعيش في عصر "البيانات الضخمة"، الذي تجمع فيه الشركات المزيد والمزيد من المعلومات عنا عبر الإنترنت والهواتف الذكية وغيرها من التقنيات، تُعد أجهزة الصحة واللياقة البدنية مثل «خاتم أورا» و«فيت بت» Fitbit، أحد مظاهر هذه الصيحة، وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا في دورية تُعنى بالرعاية الصحية والأعمال، يشهد سوق أجهزة مراقبة الصحة "القابلة للارتداء" نموًّا سريعًا، مع وجود عمالقة في مجال التكنولوجيا مثل «جوجل» Google و«أمازون» Amazon  و«آبل» Apple، فضلًا عن شركات أصغر مثل «أورا»، تتنافس جميعها على العملاء، يذكر التقرير: "ارتفع الطلب ارتفاعًا هائلًا فجأة خلال جائحة كوفيد-19، ولا يُتوقع إلا أن يتسارع في عام 2021".

من المفترض أن تعمل أجهزة مثل «خاتم أورا» على تمكيننا بأن تمنحنا المزيد من التحكم في صحتنا، وفيما يبدو أن أجهزة مراقبة اللياقة البدنية تدفع بعض المستخدمين إلى ممارسة المزيد من التمارين الرياضية، يخلص تحليل تلوي أُجرِي مؤخرًا لـ28 دراسة تشمل 7,454 شخصًا من البالغين الأصحاء إلى أن "التدخلات باستخدام تطبيقات الهواتف الذكية أو أجهزة تتبُّع النشاط البدني لها تأثير مهم طفيف إلى معتدل في زيادة النشاط البدني"، يعادل 1,850 خطوةً في اليوم، غير أن دراسة استعراضية منشورة في «الدورية الأمريكية للطب» The American Journal of Medicine عام 2019، وجدت "فائدة قليلة للأجهزة على النتائج الصحية للأمراض المزمنة، إذ تؤدي الأجهزة القابلة للارتداء دور المُساعد في تحفيز النشاط البدني وتسريعه، إلا أن البيانات الحالية لا تشير إلى فوائد صحية منتظمة أخرى".

وقد أعرب الباحثون عن مخاوفهم إزاء الأجهزة التي تراقب النظام الغذائي وممارسة التمارين الرياضية، وتوصلت دراسة نُشرت في «دورية الجمعية الطبية الأمريكية»Journal of the American Medical Association عام 2016 إلى أن المرضى الذين يرتدون أجهزة مراقبة تناول السعرات الحرارية وممارسة التمارين الرياضية فقدوا وزنًا أقل من العينات الضابطة، ربط علماء النفس بجامعة فيرجينيا كومنولث بين مثل تلك الأجهزة والزيادة في خطر الإصابة بـ"أعراض اضطرابات الأكل"، مثل الشراهة والتقيؤ المتعمد، ويذكر الباحثون أنه "على الرغم من أن تلك النتائج أولية، إلا أن النتائج الكلية تشير إلى أنه بالنسبة لبعض الأفراد، فإن هذه الأجهزة قد تضر أكثر مما تنفع".

 

أحد دواعي القلق الأخرى، أنه قد جرى بالفعل فحص الأمريكيين بشكل مبالغ فيه للكشف عن المشكلات الطبية المحتملة ولا سيما مرض السرطان، يمكن للإفراط في إجراء فحوص لرجال ونساء لا يعانون من أعراض أن يؤدي إلى إفراط في التشخيص (الإشارة إلى أورام دقيقة للغاية، ومظاهر خلل أخرى لم تكن لتُعرِض الصحة للخطر)، ومبالغة في تقديم العلاج، لكل امرأة يمتد عمرها بفعل الكشف بالأشعة على الثدي، تتلقى 10 نساء علاجًا غير ضروري لسرطان الثدي، يتضمن الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاع، وذلك وفقًا لتحليل تلوي أجرته «شبكة كوكرين» Cochrane network، التي تُجري تقييمات محايدة للتدخلات الطبية، هناك "أكثر من 200 امرأة ستمر بضيق شديد، يتضمن حالة من عدم اليقين والقلق لأعوام بسبب النتائج الإيجابية الخطأ".

إن المعدلات أسوأ من ذلك فيما يخص اختبارات مستضد البروستاتا النوعي (PSA) للكشف عن سرطان البروستاتا في الرجال، ويخلص تحليل أجرته مجموعة «إن إن تي» NNT -التي تُقيّم الإجراءات الطبية مثل «شبكة كوكرين»- إلى أن اختبارات مستضد البروستاتا النوعي لا تؤدي إلى خفض معدل الوفيات، وتؤدي إلى إجراء خزعات وعلاجات غير ضرورية في واحد من كل خمسة رجال، ويخلص مؤلفو الدراسة إلى أن "إستراتيجية الفحص الروتيني لكل الرجال باستخدام اختبارات مستضد البروستاتا النوعي تؤدي إلى تدخلات لا تنقذ الأرواح، بل قد تتسبب في الضرر"، أخشى أن الأجهزة الاستهلاكية مثل «أورا» و«فيت بت» ستجعلنا أكثر قلقًا، ومن ثم فعلى الأرجح سنُجري اختبارات غير ضرورية أكثر، مما يؤدي إلى المزيد من الإفراط في التشخيص والإفراط في العلاج.

يزعم هواة الذكاء الاصطناعي أنه سيحسِّن من مدى دقة الاختبارات، كان ذلك أحد التطبيقات المزعومة لبرنامج الذكاء الاصطناعي «واتسون» Watson من شركة «آي بي إم» IBM، الذي حظي بضجة إعلامية كبيرة؛ فبعد أن فاز «واتسون» في برنامج المسابقات التلفزيوني «جيوبردي» Jeopardy عام 2011، سعت شركة «آي بي إم» إلى استغلال هذا النصر في مجال العلاقات العامة من خلال تعديل واتسون للاستخدام في التطبيقات الطبية، وكما ذكرت إليزا ستريكلاند، التي تعمل بدورية «آي تريبل إي سبيكترم» IEEE Spectrum عام 2019، أن شركة «آي بي إم» بعثت الآمال في أن «واتسون» "قد يقلل من أخطاء التشخيص والاستفادة القصوى من العلاج، بل يخفف أيضًا من النقص في عدد الأطباء، ليس من خلال الاستبدال بالأطباء، بل عن طريق إعانتهم على أداء وظائفهم بشكل أسرع وأفضل“، غير أن «واتسون» لم يفِ هو أو غيره من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأخرى التي طورتها شركة «آي بي إم» بوعدها، ذكرت ستريكلان أن العديد من مجهودات «آي بي إم» "أخفقت"، وقليل منها "فشل فشلًا ذريعًا".

ومع ذلك، أعلن الرائد في مجال الذكاء الاصطناعي، جيفري هينتون، عام 2016 أنه في غضون خمسة أعوام سيتفوق التعلم الاصطناعي على أطباء الأشعة وسيجعلهم عديمي الفائدة، ومن نافلة القول أن هذا لم يحدث، وكما ينقل الاقتصادي جاري سميث والمحلل التكنولوجي جيفري فنك في الدورية المتخصصة في مجال الأعمال «كوارتز» Quartz، أن 11% فقط من أطباء الأشعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في تفسير صور الأشعة، وليس لدى الـ72% الباقين أي خطط لفعل ذلك، يؤكد سميث وفنك أن السبب هو "سوء  الأداء"؛ إذ أفاد 5,7% فقط من المستخدمين بأن "الذكاء الاصطناعي يعمل دائمًا بنجاح"، بينما أبلغ 94% منهم عن "تفاوت في الأداء".

أبلغني فنك عبر البريد الإلكتروني أن الادعاءات القائلة بأن البيانات الضخمة بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي سيُحدثان ثورةً في مجال الرعاية الصحية، "هي في الأغلب ضجة دعائية، في كثير من الأحيان، يتم تدريب الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة على مجموعة بيانات محدودة، ثم يُستَخدَمان في المواقف التي تكون فيها البيانات غير ذات صلة، سيتطلب حل هذه المشكلة مزيدًا من التدريب، مما يؤدي إلى رفع التكلفة بمعدل كبير، ويؤدي غالبًا إلى انخفاض القدرة التوضيحية"، تساعد هذه المشكلة في تفسير السبب في استمرار إخفاق الذكاء الاصطناعي في الارتقاء إلى مستوى الضجة الإعلامية حوله.

فلنمعن التفكير فيما يلي: إن الولايات المتحدة رائدة في مجالات الاختراع، والتسويق، وتبنِّي التقنيات الطبية، ومن ضمنها تلك التي تنطوي على استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، ومع ذلك فإن وضع الرعاية الصحية الأمريكية مُزرٍ، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تنفق على الرعاية الصحية للفرد أكثر بكثير من أي دولة أخرى، إلا أن صحة سكان الولايات المتحدة تتخلف عن نظيرتها في البلدان الصناعية المماثلة، وحتى كوستاريكا التي تنفق أقل من عُشر ذلك القدر من نصيب الفرد على الرعاية الصحية.

ظني أن عددًا متزايدًا من الأشخاص سيصبحون معتمدين على أجهزة مراقبة الصحة، حتى وإن كانوا يشكُّون في فوائدها، فلنتأمل هذا الرأي الحديث لأحد المستخدمين لـ«خاتم أورا»، يقول كريس، الذي كتب الرأي: "كنت آمل أن يساعدني الخاتم على التعرف على الأشياء التي كنت أفعلها بشكل خطأ وأصلحها، حتى يمكنني أن أنام كالطفل وأصبح إنسانًا خارقًا"، يقر بأن ذلك لم يحدث، فبعد 11 شهرًا لم يتحسن نومه ولا أي مكون من المكونات الأخرى لصحته.

على الرغم من ذلك، يتحقق كريس من المخرجات التي تصدر عن خاتمه كل صباح بشكل لا إرادي، بالطريقة نفسها التي يتفحص بها إنستجرام ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، ومثلما تمنحه إشعارات الإعجاب والتعليقات الإيجابية "جرعةً من الدوبامين"، هكذا أيضًا تفعل بيانات أورا التي تشير إلى أنه حصل على ليلة من النوم الهانئ، يقول كريس إنه إذا فقد الخاتم، فسيشتري خاتمًا جديدًا، هل سيعمل «خاتم أورا» وغيره من الأجهزة على تمكين المستهلكين من خلال مساعدتهم على تولِّي مسؤولية صحتهم؟ أشك في ذلك، لكن بالتأكيد تعمل الأجهزة على تمكين الشركات التي تصنِّعها وإثرائها؛ فالبيانات التي نولِّدها باستخدام أجهزتنا الرقمية تساعد الشركات على صنعها بشكل يجعلها أكثر إدمانًا.

رد "إميلي": "لا أعتقد أن ملحوظاتك حول استخدامي لـ«خاتم أورا» منصفة، يساعدني الخاتم على تتبُّع التفاصيل المتعلقة بنومي ومعدل ضربات قلبي، لذا أعرف معلومات عن أنماط التوتر والطاقة الخاصة بي، وقد ساعدني بالتأكيد، لست معتمدةً عليه، هذا ما تخشاه أنت، وإذا كنت كذلك، فأني أفضِّل الاعتماد عليه بدلًا من الاعتماد على الكثير من الأشياء الأخرى، إنه مجرد أداة أخرى، مثل دراجة التمارين أو أي شيء آخر، سأمنحه مهلة الشهرين اللذَين تنصح بهما «أورا»، سيوفر ذلك خطًّا أساسيًّا لنشاطي وللأهداف التي أضعها لنومي باستخدام مقاييسي الخاصة، بدلًا من مقارنتي بأي شخص آخر بالطريقة التي تعمل بها أغلب الممارسات الطبية، هذا هو مستقبل التكنولوجيا القابلة للارتداء".