تصور شخصًا مصابًا بنوبة قلبية، ماذا ترى؟ الأغلب أنك ستتصور رجلًا يبدو متعرقًا ويعاني ضيقًا في التنفس، ويمسك بذراعه أو صدره من الألم، لقد انطبعت هذه الصورة القياسية بعمق في أذهاننا لدرجة أنه قد يكون من الصعب تصديق أن النوبات القلبية قد تبدو بأي صورةٍ أخرى مختلفة، غير أنه عندما تصاب النساء بنوبات قلبية، يمكن أن تكون أعراضهن ​​مختلفةً تمامًا؛ إذ تظهر على شكل إجهاد عميق، وغثيان، وقيء، وإرهاق جسدي أوسع انتشارًا، وليس مجرد ألم موضعي.

وقد يكون لمثل هذه التناقضات -بين ما نتوقع أن تبدو عليه حالةٌ طبيةٌ ما والأشكال المختلفة التي قد تتخذها في الحياة الواقعية- عواقب وخيمة؛ ففي أغلب الأحوال، يُنظر إلى سمات أعراض الرجال بوصفها "الحالات القياسية"، لذا عندما تظهر على النساء أعراض مختلفة، قد تُشخص على نحوٍ خطأ، مما يؤدي إلى تأخير التدخلات المنقذة للحياة أو احتمال الحرمان منها تمامًا، ومما يزيد الأمور سوءًا أن النساء من المرجح أن تذهب إلى المستشفى في وقت متأخر (يُعرَّف بأنه الانتظار لمدة 12 ساعة أو أكثر بعد ظهور الأعراض) مقارنةً بالرجال، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى الارتباك بشأن طبيعة الأعراض.

إن الفشل في النظر بعين الاعتبار إلى تأثير الجنس والنوع على فيسيولوجيا الصحة يتجاوز حدود العيادة الصحية؛ ففي المختبرات في جميع أنحاء العالم، اختار أغلب العلماء على مدار التاريخ دراسة ذكور الجرذان والفئران فحسب، بناءً على الفرضية الخطأ القائلة بأن هرمونات إناث الحيوانات ستجعل بياناتها مشوشةً ويصعب تفسيرها، فكما هي الحال لدى البشر، تمر إناث القوارض بدورات تكاثر تتسم بمراحل ارتفاع وانخفاض لهرمون الإستروجين المنتشر في الجسم، والذي يمكنه التأثير على النتائج التجريبية.

غير أن ما يخفق أغلب الباحثين في إدراكه هو أن الذكور أيضًا يُظهرون تقلباتٍ يوميةً كبيرة في مستويات الهرمونات (التستوستيرون في الأساس)، والتي قد تؤثر أيضًا على النتائج التجريبية، ومن المثير للاهتمام أن التحليلات الأخيرة لآلاف المنشورات العلمية وجدت أن البيانات التي جرى جمعها من ذكور وإناث القوارض "مشوشة" بقدر متساوٍ إلى حدٍّ كبير، وإن كان ثمة اختلاف، فإن الذكور أظهروا تبايُنًا أكبر بوجه عام مقارنة بالإناث! وهكذا، فإن هذا النوع من الاضطراب العام في النتائج العلمية يعتبر أمرًا طبيعيًّا.

فما الذي فقدناه باستبعاد إناث الحيوانات من الأبحاث التمهيدية قبل الإكلينيكية؟ في مجال علم الأعصاب وحده، نرى أدلة على الفروق بين الجنسين في مجموعة متنوعة من العمليات العصبية، ومن بينها التنقل المكاني، وإستراتيجيات التعلم، ونقل الألم، وهو ما يدل على أن التطور قام بتزويد الجهاز العصبي للثدييات بطرق متعددة لاختبار العالم من حولنا والتكيُّف معه، وليس بطريقة واحدة فحسب، ولكن على الرغم من هذه النتائج المثيرة، فإن دراسة الآليات البيولوجية التي تكمن وراء الظواهر الأساسية -مثل الذاكرة، أو المعالجة الحسية- قد أُجريت بوجه عام على الذكور فحسب، وحتى عند دراسة الأمراض التي تصيب النساء أكثر مما تصيب الرجال -مثل مرض ألزهايمر، أو الاضطراب الاكتئابي الشديد، أو السكتة الدماغية – كثيرًا ما اختار العلماء دراسة الذكور حصريًّا.

في السنوات الأخيرة، بدأت الوكالات الحكومية التي تمول الأبحاث الطبية الحيوية -مثل المعاهد الوطنية للصحة (NIH) في الولايات المتحدة- في إدراك أن إهمال الإناث كأفراد تُجرى عليهم الأبحاث قد يؤدي إلى مشكلات صحية عامة خطيرة؛ إذ إن النتائج العملية الأساسية تشق طريقها إلى المسار الإكلينيكي للعلاج، وإضافة إلى التشخيص الخطأ، تزداد احتمالات تعرُّض النساء أيضًا للآثار الجانبية السلبية للعلاج بالعقاقير، وربما كان ذلك نتيجة عدم اختبار تلك الأدوية على إناث القوارض خلال المراحل المبكرة لاكتشاف الدواء، ولمعالجة هذه المشكلات، أقرت المعاهد الوطنية للصحة سياسةً في عام 2015 تقضي باعتبار "الجنس متغيرًا بيولوجيًّا" (SABV)، تتطلب هذه المبادرة من العلماء المتقدمين للحصول على تمويل دمج ذكور وإناث الحيوانات في تصميم تجاربهم، ما لم يكن موضوع البحث بطبيعته -مثل الحمل- خاصًّا بنوع معين.

والمهم في الأمر أن توجيهات سياسة اعتبار الجنس متغيرًا بيولوجيًّا SABV لا تتطلب من العلماء تقييم الفروق بين الجنسين تحديدًا في دراساتهم، غير أن العديد من العلماء احتجوا في البداية (ولا يزالون يفعلون ذلك) بأن السياسة الجديدة ستُلزمهم بمضاعفة عدد الحيوانات التي يستخدمونها في الأساس، وهو ما لا تستطيع أموال المنح تغطيته، وزعم آخرون أنه سيتعين عليهم في الواقع مضاعفة أعداد الحيوانات أربع مرات لحساب كل مرحلة من مراحل دورة التكاثر الأنثوية، إن فكرة أن الهرمونات تُعد عاملًا حاسمًا في الأبحاث التي تُجرى على الإناث -وليس الذكور- متجذرةٌ في الصور النمطية القائمة على أساس الجنس منذ فترة طويلة، والتي تتعارض مع الأدلة العلمية الفعلية؛ فذكور الحيوانات لديها هرمونات أيضًا بالطبع، وهي هرمونات يمكن أن تزيد أو تقل وفق المكانة الاجتماعية في محيطها، ونوع الطعام الذي تتغذى عليه، والتوقيت خلال اليوم، ولكن كما ذكرنا سابقًا، فإن التقلبات الهرمونية في الحيوانات من كلا الجنسين لا تخلق مجموعات البيانات "المشوشة" الإشكالية التي افترضها العديد من العلماء.

إن اشتراط استخدام ذكور وإناث الحيوانات في الأبحاث الطبية الحيوية يُعَدُّ خطوةً أولى مهمة في تحرير العلماء (والمجتمع) من الفكرة المغلوطة القائلة بأن الذكور يمثلون معيارًا قياسيًّا قد تحرفه الإناث، وكما نرى في الطب البشري، فإن التعامل مع حالات الرجال على أنها أداة القياس الافتراضية يمكن أن يكون له عواقب وخيمة، وبدلًا من ذلك، فإن معاملة جميع الأشخاص الذين تُجرى عليهم الأبحاث على أنهم متساوون في القيمة في إطار سعينا للمعرفة تُعدُّ أمرًا بالغ الأهمية لتصحيح التباينات الصحية القائمة على النوع والجنس.

لكن مع الأسف، ثمة قوة أخرى تعمل ضد تبنِّي ممارسات سياسة اعتبار الجنس متغيرًا بيولوجيًّا بسرعة، وتلك القوة هي ثقافة النشر الأكاديمي؛ فالتعبير القائل: "إما أن تنشر وإما أن تهلك" ينطبق على الأرجح على أغلب الباحثين، غير أن القيمة الحقيقية في العلوم الأكاديمية ليست مجرد النشر فحسب، بل نشر ورقة بحثية في دورية مرموقة، مثل "ساينس" Science أو Nature؛ فتلك الدوريات تشتهر بأنها شديدة الانتقائية فيما تختاره للنشر، وغالبًا ما يكون نشر بحث علمي في دورية "ساينس" Science أو Nature شرطًا غير معلن لتعيين أعضاء هيئة التدريس وترقيتهم في الجامعات المرموقة، غير أن مثل هذه الدوريات طالما كانت تقدر البحوث ما قبل الإكلينيكية التي تتعمق في موضوعها في إطار نوعٍ واحد (عادةً الذكور)، وليس الأبحاث التي تتكبد عناء التساؤل بشأن كلٍّ من الذكور والإناث على حدٍّ سواء، لذا فإننا ننتهي إلى بنية تحفيزية تضع المكانة الشخصية والتقدم الوظيفي في مواجهة الأبحاث الأكثر صرامةً وإنصافًا في العمليات البيولوجية وآليات المرض.

في عام 2016، نشرت دورية "ريسيرش إنتجريتي آند بير ريفيو" Research Integrity and Peer Review إرشادات المساواة فيما يتعلق بالنوع والجنس في الأبحاث العلمية (SAGER)، والتي تعرض للعلماء والمحررين خطواتٍ واضحةً لزيادة المساواة، والدقة، والشفافية، في كلٍّ من إجراء الأبحاث ونشر نتائجها بالنسبة للأفراد الخاضعين للدراسة من كلا الجنسين، وتنص هذه الإرشادات بوضوح على أنه ينبغي تصميم التجارب للكشف عن الفروق بين الجنسين أو النوع، وأن الدراسات أحادية الجنس يجب أن تقدم تسويغًا لاستبعاد أيٍّ من الجنسين، ومع الأسف فإن قليلًا من الدوريات فحسب (إن كان ثمة قليل) هي التي قامت بدمج هذه التوجيهات في سياسات النشر الخاصة بها.

لقد طال انتظار عالم العلوم الطبية الحيوية لتعديل أنظمة المكافآت لتكون متسقة مع أهداف الصحة العامة، إن الأجسام والأدمغة البشرية معقدة، ومهمتنا كعلماء في العلوم الأساسية هي وضع المعرفة الأساسية التي ستوجه الطب الشخصي في نهاية المطاف، ويعني هذا قبول التشوش والاضطراب، أي رؤية التبايُن في النتائج التجريبية على أنه فرصة لفهم نطاق ما هو ممكن، وليس باعتباره أمرًا مزعجًا ينبغي تجاهله في إطار السعي غير المُجدي لإيجاد إجابة "صحيحة" وسريعة.

ولكن طالما استمرت الدوريات المرموقة في المصادقة على الأبحاث التي تدرس الذكور فقط، فسيستمر العلماء في إعطاء أولوية أدنى للأبحاث التي تُجرى على النساء، أو يتجاهلون تلك الأبحاث كليًّا بكل بساطة، إن محرري المجلات، والقائمين على مراجعات الأقران، ولجان التعيين، وغيرهم ممن يشغلون مناصب حراسة البوابات الإعلامية، لديهم القدرة على تصميم الشكل الذي يبدو عليه العلم المرموق، وقد حان الوقت للتدخل وتحويل الثقافة العلمية بحيث تقدر الأبحاث الدقيقة التي تشمل كلا الجنسين.