يستلهم قطاع الطيران حاليًّا بعض الأفكار المذهلة في مجال الديناميكا الهوائية من الطيور، وذلك لتوفير الطاقة والحدِّ من التلوث. إذ تعمل شركة "إيرباص" Airbus العملاقة لتصنيع الطائرات على تطوير نظامٍ جديد للتحليق يُسمَّى "فيلوفلاي" fello’fly، تُحاكي فيه كل طائرتين تجاريتين تشكيلات الطيور المهاجرة، بأن تطير إحداهما بمحاذاة الأخرى، على أن تكون خلفَها بمسافةٍ قريبة. وتقول الشركة إنَّ هذا التشكيل قد يُمكِّن الطائرة التابعة من تقليل احتياجها من الوقود بنسبةٍ تصل إلى 10% في كلِّ رحلة.

استُوحيت فكرة هذا النظام من الطريقة التي كثيرًا ما تُحلِّق بها بعض الطيور في تشكيلاتٍ لتوفير الطاقة، لا سيما طيور الإوز. فمثل الطائر، تُخلِّف الطائرة المُحلِّقة وراءها أثرًا من الهواء المضطرب، نتيجة الدوامات الهوائية الدوَّارة التي يولِّدها جناحاها. وتظلُّ هذه الدوامات تدور وتتوسَّع حتى تتبدَّد، مكونةً تيارًا صاعدًا حول أثر الهواء المضطرب الذي خلَّفته. ومن ثَمَّ، إذا تبعتها طائرةٌ ثانية على مسافةٍ محددة منها، بحيث تكون بعيدةً قليلًا عن مركز أثر الهواء المضطرب، سيُمدها هذا التيار الصاعد بقوة رفعٍ إضافية.

وهذه الدَّفعة ستسمح للطائرة التابعة بخفض كلٍّ من قوة دفع المحرك، واستهلاك الوقود، والانبعاثات. لكن لجني هذه الفوائد، يتعين على الطائرات أن تضبط مواضعها بعناية؛ لأنَّ الطائرة التابعة إذا اقتربت إلى حدٍّ زائد من مركز مسار الطائرة المتصدرة، فستدفعها الدوامات في الواقع إلى الأسفل بدلًا من الأعلى. كما سيتعيَّن على الطائرات أيضًا أن تقلل المسافة التي عادةً ما تُبقيها فيما بينها إلى حدٍّ كبير. وفي هذا الصدد، يقول قائد المشروع نيك ماكدونالد، الذي يُعَدُّ من كبار مهندسي شركة "إيرباص": "ستُقلل عمليات "فيلوفلاي" المسافة الطولية الفاصلة بين ذيلي كل طائرتين في المجال الجوي فوق المحيطات من حوالي 55 كيلومترًا إلى 3 كيلومترات".

Graphic shows how the Fello’fly system lets two planes fly close together so the follower can use the updraft produced by the leader to save fuel.

Credit: Brown Bird Design; Source: Airbus

وقد أجْرت الشركة متعددة الجنسيات ثلاثة اختباراتٍ لهذا النظام في شهر يوليو. في أحدها، حلَّقت طائرتان من طراز "إيرباص إيه 350" Airbus A350 في مجال فرنسا الجوي الغربي فوق المحيط الأطلسي، وظلَّت كلٌّ منهما بعيدةً عن الأخرى بثلاثة كيلومترات طوال أربع ساعات. ويقول ماكدونالد عن تلك التجارب: "أظهرت هذه الاختبارات إمكانية الحفاظ على استقرار الطائرة وسط تيار الهواء المضطرب الصاعد وهي في وضع الطيار الآلي، كما بيَّنت أنَّ الفكرة تُوفِّر قدرًا كبيرًا من الوقود".

ومن المُخطط لنظام "فيلوفلاي" أن يُطبَّق على الطائرات المتوافقة مع بعضها التي تتبع شركات طيران مختلفة، حين يتصادف وجودها في المجال الجوي نفسه في الوقت ذاته. فلأجل مرحلة الاختبارات التالية، المُصمَّمَة لوضع بروتوكولات السلامة، والتي من المقرر إجراؤها فوق المحيط الأطلسي قريبًا في العام المقبل، أبرمت شركة "إيرباص" مؤخرًا اتفاقياتٍ مع شركة "فرنش بي" French Bee للطيران، وشركة الخطوط الجوية الإسكندنافية (SAS). وهناك جهاتٌ أخرى من المُخطَّط لها أن تشارك في المشروع، تشمل بعضًا من مقدمي خدمات الملاحة الجوية الدولية، مثل الإدارة الفرنسية لخدمات الملاحة الجوية (DSNA) وشركة "ناتس هولدنجز" NATS Holdings في المملكة المتحدة (التي كانت معروفةً سابقًا بالشركة الوطنية لخدمات الحركة الجوية)، والمنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية "يوروكنترول" EUROCONTROL، التي يقع مقرها في بلجيكا.

لتُحلِّق الطائرات على مقربةٍ من بعضٍ إلى هذا الحد، ستحتاج إلى التنسيق فيما بينها بعنايةٍ شديدة، لمنع الحوادث والاضطرابات الهوائية المُفرِطة، وسيتوجَّب لهذا التنسيق أن يبدأ من على الأرض. إذ يقول ديفيد مراك، الطيار في إحدى شركات الطيران التجارية، والذي لا يُشارك في مشروع "فيلوفلاي": إنَّ التحديات قد تتضمن وضع قواعد للتعامل بين الطائرات، وتحديد دور مراقبي الحركة الجوية، والحفاظ على التواصل بين كل الأطراف المعنية، ووضع خططٍ للتعامل في حالات الطوارئ أو سوء الأحوال الجوية، وتقاسُم المنافع الاقتصادية. وأوضح قائلًا: "فعلى سبيل المثال، بما أنَّ الرحلة الجوية الواحدة ضمن نظام "فيلوفلاي" قد تتضمن شركتي طيران مختلفتين، سيُصبح السؤال حينئذٍ هو: أيهما ستحصل على فرصة توفير الوقود؟".

وتُشارك منظمة "يوروكنترول" مع شركة "إيرباص" في هذا المشروع. وستُركِّز المنظمة على وضع قواعد توضِّح متطلبات مرحلة ما قبل الإقلاع وإجراءاتها، ومنها تعزيز التواصل بين الطائرات ومراقبي الحركة الجوية. ويقول جيوفاني لينتي، الذي يعمل في المنظمة رئيسًا للعمليات المعنية بتنظيم بيانات المجال الجوي، وخطط الطيران، وإدارة تدفُّق حركة الطائرات: إنَّ قواعد التشغيل الصارمة والبرامج المتخصصة ستساعد في مواجهة مثل هذه التحديات، وفي اختيار الطائرات المتوافقة مع بعضها لتكوين تشكيلاتٍ ثنائية منها. وأوضح قائلًا: "تُطوِّر شركة "إيرباص" البرنامج الذي سيساعد في تحديد الطائرات المناسبة لتتشارك الرحلات، وتكوِّن تشكيلاتٍ ثنائيةٍ منها [بأخذ خطط الطيران الخاصة بكلٍّ منها في الاعتبار]".

عند تطبيق النظام، ستُقلع الطائرتان اللتان تستخدمانه كلٌّ على حدة، ثم سيعتمد الطيارون في كليهما على نظامٍ موجود على متنهما لجعلهما يحلِّقان ضمن التشكيل بأمان. ففي الوقت الحالي، يضطلع مراقبو الحركة الجوية بالأساس بمسؤولية الحفاظ على المسافة الأفقية الفاصلة بين كل طائرتين تُحلِّقان على الارتفاع نفسه، حسبما يقول لينتي، لكنَّه أضاف أنَّه "لتقليص المسافة إلى حوالي 1.5 ميل بحري (أي حوالي ثلاثة كيلومترات)، وهي المسافة اللازمة لعمل منظومة "فيلوفلاي"، سيلزم فعل ذلك باستخدام تكنولوجيا جديدة موجودة على متن الطائرات، ومُدمَجة في إلكترونيات الطيران الخاصة بها، وسيتعيَّن على الطيارين أن يتولَّوا تلك المسؤولية".

ومع أنَّ هذه المسافة الفاصلة شديدة الصغر قد تبدو خطرةً، يشير مراك إلى أنَّ تسيير الطائرات على مقربةٍ شديدة من بعضها إلى هذا الحد ربما يكون ممكنًا. وأوضح قائلًا: "بصفتنا طيارين، نتلقى تدريبًا مكثَّفًا. ويعتمد تسيير الطائرات في تشكيلاتٍ على وجود التدريبات والبروتوكولات الملائمة، ليس إلَّا".

ويقول لينتي إنَّ مراقبي الحركة الجوية سيتعين عليهم إبقاء مسارٍ مُخصَّص فارغ لمثل هذه الرحلات أسفل الطائرتين بحوالي 305 أمتار، كإجراءٍ إضافي احتياطي لضمان السلامة في حالة وقوع أي مشكلة. وبذلك، إذا واجهت أيٌّ من الطائرتين مشكلةً تتطلب منها تغيير ارتفاع طيرانها، سيُمكنها فورًا الانفصال عن التشكيل الثنائي، والهبوط إلى ارتفاعٍ آمن.

يتعين على شركة "إيرباص" كذلك أن تتعامل مع حقيقة أنَّ الطيران على مسافةٍ فاصلة شديدة الصغر كهذه يُمكن أن يسبب اضطراباتٍ كثيرةً تقلق راحة الركاب. لكنَّ ماكدونالد يزعم أنَّ اختبارات مشروع "فيلوفلاي" السابقة قد عالجت هذه المشكلة بالفعل. إذ يقول إنَّها وجدت أنَّ الطائرة التابعة إذا بقيت في موضعٍ مناسب بالنسبة للتيار الصاعد الذي تُخلِّفه الطائرة المتصدرة، فلن تواجه سوى اضطراباتٍ مشابهة لما تواجهه الطائرات عادةً في أثناء عمليات التحليق العادية.

وتأمل الشركة أن تبدأ تطبيق هذا المفهوم في عمليات طائرات شركات الطيران التجارية بحلول عام 2025 تقريبًا، وإن كان استخدامه سيقتصر في البداية على المسارات المارة من فوق المحيطات، لتجنُّب مسارات الحركة الجوية الأكثر ازدحامًا، حسبما ذكر لينتي. وأوضح قائلًا: "في البداية، سيتعذر تطبيقه في المسارات القارية المزدحمة بالطائرات. أمَّا في المسارات المارة من فوق المحيطات، فيُمكن تطبيقه بنجاحٍ كبير، وسيُوفِّر للطائرات التابعة كمياتٍ كبيرةً من الوقود".

ويُقدِّر مراك أنَّ هذا النظام لو نجح "قد يوفر لشركات الطيران آلاف الجنيهات [أي عدة أطنانٍ مترية] من الوقود في كلِّ رحلةٍ عبر المحيط الأطلسي". ووفقًا لشركة "إيرباص"، فكلُّ طنٍّ متري مُوفَّر من الوقود يعني خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة بحوالي ثلاثة أطنانٍ مترية.