مُنِحَت جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام لثلاثة علماء؛ تقديرًا لأبحاثهم في مجال الثقوب السوداء. سيحصل عالِم الكونيات البريطاني روجر بِنروز على نصف قيمة الجائزة، وسيُقَسَّم النصف الباقي بين عالِم الفيزياء الفلكية الألماني راينهارد جِنزيل وعالِمة الفيزياء الفلكية الأمريكية أندريا جيز. وتُعَد جيز هي المرأة الرابعة فحسب في التاريخ التي تتلقى جائزة الفيزياء الجليلة.

وذكر جوران ك. هانسون -السكرتير العام للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم- في مؤتمر صحفي: "تتعلق جائزة هذا العام بأكثر أسرار الكون ظُلمة". وأضاف هانسون أن الأكاديمية كَرَّمَت بِنروز "لاكتشافه أن تكوين الثقب الأسود يحقق تنبؤًا على أسس متينة طرحته النظرية النسبية العامة"، أما جيز وجِنزيل فمُنِحا الجائزة "لاكتشافهما جِرْمًا مُدْمَجًا فائق الضخامة في مركز مجرتنا".

الثقوب السوداء هي مناطق في الفضاء تكون فيها قوة الجاذبية بالغة الشدة، لدرجة أنه حتى الضوء لا يستطيع الإفلات منها. وفي المؤتمر الصحفي، قال أولف دانيلسون، وهو فيزيائي وعضو في لجنة نوبل للفيزياء: إنه لكي تصنع ثقبًا أسود "ستحتاج إلى أن تضغط الشمس في حيز لا يزيد قطره عن بضعة كيلومترات، أو أن تعتصر الأرض حتى تصبح في حجم حبة فاصولياء". في قلب كل ثقب أسود تكمن «متفردة»، وهي نقطة تعتصر فيها الجاذبيةُ المادةَ حتى تصل إلى كثافة لانهائية، ويكتنف الثقب «أفق الحدث» الذي بتجاوزه لا يستطيع أي شيء يسقط بداخله أن يعود إلى الكون الخارجي الأوسع. ومع أن العلماء كانوا قد تكهنوا طيلة قرون بوجود الثقوب السوداء، لم يكن واضحًا ما إذا كانت تلك الأجرام الفائقة يمكن أن توجد بالفعل. وحتى ألبرت أينشتاين، الذي تشكل نظرية النسبية العامة التي وضعَها الأساسَ المعاصرَ لفهم الثقوب السوداء، شكك في أمر وجودها.

ولكن في عام 1965، أظهر بِنروز -وهو عالِم فيزياء عمل مع ستيفن هوكينج ويشغل الآن منصب أستاذ فخري في جامعة أوكسفورد- رياضيًّا، "أن الثقوب السوداء قد تكون موجودة بالفعل، وتتشكل في عملية مستقرة ومُحْكَمة" تتسق مع نظريات أينشتاين، كما قال ديفيد هافيلاند -وهو فيزيائي في المعهد الملكي للتكنولوجيا بالسويد (اختصارًا كي تي إتش) ورئيس لجنة جائزة الفيزياء- للمراسلين الصحفيين.

وتقول سابين هوسينفيلدر، وهي عالِمة فيزياء نظرية بمعهد فرانكفورت للدراسات المتقدمة في ألمانيا: "أثبت بِنروز وهوكينج أنه فيما يتعلق بنجوم من نوع معين، تمثل الثقوب السوداء نتيجةً لا مفر منها إلى حدٍّ كبير للانهيار النجمي. قبل هذا العمل الرائد، اعتقد معظم علماء الفيزياء أن الثقوب السوداء هي مجرد غرائب رياضية تظهر في نظرية النسبية العامة لكن لا وجود لها في الواقع. عِوَضًا عن ذلك، تَبيَّن أن الثقوب السوداء هي نتيجة يصعب تجنُّبها في حالة الانهيار النجمي، وأنه لا بد أن الكون مليء بها... أثبتت قصة اكتشاف الثقوب السوداء بجلاء مدى قوة الدور الذي تضطلع به الرياضيات البحتة في السعي لفهم الطبيعة".

ويذكر آفي لوب -وهو عالِم فيزياء فلكية بجامعة هارفرد، ومدير مبادرتها لدراسة الثقوب السوداء- أن جهد بِنروز البحثي في الثقوب السوداء لم يتوقف عند إثبات إمكانية وجودها في ظل نظرية النسبية العامة. بل بيَّن بِنروز أيضًا كيفية استخراج الطاقة من الثقوب السوداء الدوارة، فيما يُعرَف باسم آلية بِنروز، التي يمكن أن تؤدي دورًا مهمًّا في منح الطاقة للنجوم الزائفة، وهي الأجرام شديدة السطوع المرتبطة بالثقوب السوداء النَّهِمة في باطن المجرات السحيقة البعيدة. ويقول لوب: إن «فرضية الرقابة الكونية» التي وضعها بِنروز "تُخَلِّص قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل في أرجاء الكون من الوضع السقيم للمتفردات المصاحبة للثقوب السوداء، التي تنهار فيها نظرية أينشتاين..."، وكما هو الحال في لاس فيجاس، «ما يحدث بداخل أفق الحدث، يبقي بداخل أفق الحدث».

وبينما كان بِنروز، وهوكينج ومُنَظِّرون آخرون يُقَنِّنون الأسس الفيزيائية للثقوب السوداء، كان علماء فلكٍ رصدي يفتشون عن هذه الأجرام الغريبة، ويدرسونها بتفصيل يتزايد باستمرار.

بدأت بوادر اكتشاف ينطوي على تقدُّم مذهل تظهر في تسعينيات القرن الماضي. كان كلٌّ من جِنزيل، مدير قسم الأبحاث الفلكية بالأشعة تحت الحمراء بمعهد ماكس بلانك لفيزياء خارج الأرض في جارشينج، بألمانيا، وجيز، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا، بلوس أنجلوس، يقود فريقًا بحثيًّا مستقلًّا يستخدم تلسكوبات الأشعة تحت الحمراء القوية المعزَّزة ببصريات متكيفة لإمعان النظر في قلب مجرة درب التبانة الذي يكتنفه الغبار. هنالك شهد الفريقان نجومًا تتحرك محتشدةً حول مصدر مركزي مظلم غامض، جرم غير مرئي أوحت حركات النجوم حوله بأنه يجب أن يكون محتويًا على كتلة تعادل أربعة ملايين كتلة شمسية. ويعلق دانيلسون على هذا بقوله: "لا يوجد تفسير آخر غير أنه ثقب أسود فائق الضخامة".

كشفت عمليات الرصد اللاحقة، من تلسكوب هابل الفضائي بالأساس، أن تلك الثقوب السوداء فائقة الضخامة تكمن - تقريبًا- في مركز كل مجرة ضخمة من المجرات الموجودة في الكون المرصود. يوحي هذا الرصد بأن هذه الأجرام، بعيدًا عن كونها خفايا فيزيائية فلكية خالصة، قد تكون هي اللَّبِنات الأكثر أهميةً للبِنى الكونية واسعة النطاق.

وصرحت جيز في مقابلة صحفية مع مراسلين عقب تلقِّيها نبأ فوزها بالجائزة: "إن العلم بالغ الأهمية، وعرض حقيقة عالمنا المادي هو أمرٌ جوهري لنا نحن البشر. ليس لدينا أي فكرة عما يوجد بداخل الثقوب السوداء... إنها حقًّا تمثل تَقَوُّض فهمِنا لقوانين الفيزياء. وذلك جانبٌ من السحر الذي ينطوي عليه الأمر، أننا ما زلنا لا نعرف".

يستمر فريقا جِنزيل وجيز في التوصل إلى اكتشافات جديدة حول الثقب الأسود فائق الضخامة في مركز مجرة درب التبانة، والذي يُطْلَق عليه اسم «ساجيتاريوس إيه ستار» Sagittarius A*، من قبيل عُقَدٍ من غاز فائق السخونة تتوهج ساطعةً وهي تتخذ مسارًا لولبيًّا حتى تختفي في غياهب الكون. وتدرس منشآت جديدة -تشمل «مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر» (ليجو) ومرصد قياس التداخل (فيرجو)- اندماج أزواج من الثقوب السوداء عبر رصد انبعاثاتها من تموجات في نسيج الزمان والمكان تُعْرَف باسم موجات الجاذبية. وتُنتِج عمليات رصد راديوية جارية لثقب «ساجيتاريوس إيه ستار» -إلى جانب عمليات استقصاء مماثلة لجرم آخر فائق الضخامة في المجرة القريبة «M87» يُجريها مشروع تلسكوب أفق الحدث (EHT) الذي يغطي الكرة الأرضية- صورًا مقربةً ثوريةً لهذه الأجرام الكونية الهائلة.

يقول شيبرد دويلمان، المدير المؤسِس لمشروع تلسكوب أفق الحدث: "تقرِّبنا كل هذه التقنيات المتقدمة للغاية من حافة المجهول أكثر من أي وقت مضى، وتقدم طرقًا جديدةً لدراسة أكثر الأجرام غموضًا في الكون ولوضع نظرياتنا الأساسية موضع الاختبار. لقد أتاحت لنا نتائج الأعوام العديدة الماضية أن نسأل أسئلةً ما كان يمكن لنا مطلقًا أن نصوغها من قبل. لكن الأمر الأكثر أهميةً هو أنها تتيح لنا أن نحلم أحلامًا كبيرة. إن الجهود البحثية المُحتفى بها اليوم بجوائز نوبل هي جهود تُحدث تغييرًا، ومستقبل الثقوب السوداء هو، كما يقولون، مستقبل باهر!".

ويضيف دانيلسون: "إن هذه ليست مجرد مغامرة قديمة تصل إلى خاتمتها المظفرة. إنها بداية جديدة. فبينما نستطلع أقرب من أي وقت مضى آفاق الثقوب السوداء، قد تحمل الطبيعة في جعبتها مفاجآتٍ جديدةً لنا".