للمرة الأولى، توصل العلماء إلى رصد قاطع لحدثيْ اصطدام، وليس حدثًا واحدًا، بين ثقوب سوداء ونجوم نيوترونية، وقد وقع حدثا الاندماج كلٌّ على حدة خلال شهر يناير من عام 2020 بفارق زمني قدره عشرة أيام، وتم رصدهما بواسطة «مرصد قياس تداخل الموجات الثقالية بالليزر- ليجو» (LIGO) ومرصد  «فيرجو» (Virgo)، اللذَين يرصدان الموجات الثقالية غير المرئية.

ويُعتبر هذا الإنجاز الذي طال انتظاره ثالث حدث تُستكمل به ثلاثية من الأحداث رصدتها أجهزة مقياس تداخل الموجات الثقالية، وهي: التصادمات بين ثقب أسود وثقب أسود آخر، والتصادمات بين نجم نيوتروني ونجم نيوتروني آخر، والآن وأخيرًا، التصادمات بين ثقب أسود ونجم نيوتروني، وبالرغم من أن التعاون بين مرصدي «ليجو» و«فيرجو» كان قد أسفر في عام 2019 عن توقُّع حدثين من هذا النوع من الاندماج، إلا أن الحدثين ظلا رهن الشكوك، مما حال دون تحقيق اكتشاف حاسم، لكن في هذه المرة، كانت البصمات الدامغة تدل بوضوح على حدث التهام الثقوب السوداء للنجوم النيوترونية.

تقول جوجا ماركا، عالِمة الفيزياء الفلكية بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، والتي تعمل مع «مرصد ليجو»، وشاركت في تأليف الدراسة التي أعلنت عن الاكتشاف: "لم يكن الأمر مفاجئًا بهذه الصورة، كأننا وجدنا أنفسنا فجأةً نصيح بحماس: ’أخيرًا، ها هو ذا الحدث المنتظر!‘"، وقد نُشر البحث يوم 29 يونيو في دورية «أستروفيزيكال جورنال لِترز» Astrophysical Journal Letters.

جاء حدثا التصادم اللذان وقعا خلال عام 2020 منفصلَين وفي منطقتين متمايزتين من السماء تفصل بينهما مسافة كبيرة، وعلى بُعد مسافات شاسعة من الأرض، وقد وقع أحد التصادمين يوم 5 يناير، بين ثقب أسود تبلغ كتلته تسع مرات قدر كتلة الشمس ونجم نيوتروني أضخم من الشمس بمرتين، أما التصادم الثاني، الذي وقع في 15 يناير، فكان بين ثقب أسود تساوي كتلته 5.7 مرات قدر كتلة الشمس ونجم نيوتروني يقدر وزنه بمرة ونصف من وزن الشمس، وبناءً على الفترة القصيرة التي استغرقها وقوع كلا الحدثين، يذهب الفيزيائيون في تقديراتهم إلى وقوع حدث اندماج بين ثقب أسود ونجم نيوتروني مرة كل شهر تقريبًا في مكان يبعد عن النظام الشمسي بمقدار مليار سنة ضوئية.

وقد بدأ التوقع الذي قدمه ألبرت أينشتاين في عام 1916 يؤتي ثماره على الفيزيائيين منذ عام 2015، إذ توقع أينشتاين حدوث موجات ثقالية، أو تموجات في الزمكان يمكن أن تنتج عن تحركات الأجسام العملاقة؛ ففي سبتمبر من عام 2015، رصد «مرصد ليجو» الموجات الثقالية الناتجة عن تصادم ثقبين أسودين، وفي أعقاب ذلك، تم تطوير إمكانيات «مرصد ليجو»، وانضم إليه «مرصد فيرجو» في إيطاليا وكاشف «كاميوكا» للموجات الثقالية (KAGRA) في اليابان في عملية رصد الموجات الثقالية، وهو ما أدى إلى اكتشاف المزيد من الاندماجات الثنائية بين الثقوب السوداء وكذلك رصد أول تصادم ثنائي بين نجمين نيوترونيين في عام 2017، يقول تشيس كيمبول، طالب الدراسات العليا في الفيزياء الفلكية بجامعة نورث ويسترن الأمريكية والمؤلف المشارك في البحث: إن رصد عملية اندماج بين نجم نيوتروني وثقب أسود "يكمل المجموعة التي لدينا".

يتكون كل جهاز من أجهزة قياس التداخل الموجودة في «ليجو» و«فيرجو» و«كاجرا» من ذراعين "يهتزان" اهتزازًا طفيفًا نتيجة التشوشات الناتجة عن الموجات الثقالية العابرة، وتصرح ماركا بأنه خلال الحدثين اللذَين وقعا عام 2020، جاءت الإشارات الناتجة عن هذه الاهتزازات –والتي يطلق عليها الاسم الساحر "زقزقة"– لافتةً للنظر، خاصةً في حالة الاندماج الأول الذي وقع في 5 يناير، مضيفةً: "كان ذلك دون شك حادث زقزقة جميلًا".

تذكر أليساندرا بونانو، مديرة معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية في ألمانيا، والتي تعمل مع «مرصد ليجو» وشاركت في تأليف الدراسة المنشورة في 29 يونيو، أن الظواهر التي رصدتها أجهزة قياس التداخل خلال شهري أبريل وأغسطس من عام 2019 قد جذبت انتباه العلماء ووسائل الإعلام باعتبار أنها تشير إلى احتمالية حدوث اندماج بين ثقوب سوداء ونجوم نيوترونية، ولكن وقتها جاءت التفاصيل المتعلقة بكلا الحدثين لتُضعف الثقة بدلالتهما، في حين جاءت الإشارات الخاصة بالاكتشافات الأخيرة أشد حسمًا؛ فعلى وجه التحديد، لم تكن الإشارة المرصودة في أبريل 2019 واضحة، ومن الممكن أن تكون ناتجةً عن ضوضاء جهاز الكشف، كما أن أحد الجسمين المرصودين خلال اصطدام شهر أغسطس 2019 سقط في «فجوة الكتلة»، وهو نطاق نظري يُعتقَد أنه لا يحتوي على ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية، ولو كان ذلك الجسم نجمًا نيوترونيًّا، لكان أثقل نجم تم رصده، ولو كان ثقبًا أسودَ، لكان أخف ثقب عُثر عليه على الإطلاق، ولا يزال الباحثون المتحيرون يتناقشون في ماهية الذي رأوه بالتحديد، ولكن نظرًا إلى أن كل حدث اندماج هو حدث متفرد يحدث مرةً واحدة، فمن غير المرجح أن نحصل على أي معلومات إضافية عن ذلك الحدث البعيد لتقدم لنا إجابات حاسمة.

كثيرًا ما يأمل الباحثون الذين يدرسون أحداث الاندماج في رؤية انبعاثات كهرومغناطيسية مصاحبة لها، وهي عبارة عن شرارات من الضوء السماوي ناتجة عن طامة كونية، وتأتي مصاحبة لحدوث الموجات الثقالية، لكن هذه المرة، لم يحدث أمرٌ كهذا؛ إذ يقول فرانسوا فوكار، أستاذ الفيزياء بجامعة نيوهامشير الأمريكية، والذي لم يشارك في البحث: إنه تم توصيف الحدثين المرصودين خلال عام 2020 على أنهما اندماج نجم نيوتروني مع ثقب أسود استنادًا إلى حدوث الموجات الثقالية وحدها، وليس إلى ظهور أي إشارة كهرومغناطيسية.

قبل عمليتي الرصد اللتين حدثتا في 2020، لم يكن الفيزيائيون واثقين بما سيحدث من جَرَّاء هذا النوع من الاندماج، مثلًا إذا كان الثقب الأسود الأكثر ضخامةً بكثير سيبتلع النجم النيوتروني دفعةً واحدة، كما في لعبة »باك مان«، أم أن قوى المد والجزر الناجمة سوف تمزق النجم قبل أن تبتلعه، كما يمزق الإعصار أحد المنازل، في الحالة الثانية، لنا أن نتوقع تولُّد كومة من الحطام الساخن المتوهج حول الثقب الأسود، يمكن لتلسكوب عالي القدرة أن يرصدها، وتؤكد بونانو أنه لم يتم رصد أي وهج أو إشارة كهرومغناطيسية في كلا الاصطدامين، مضيفةً أن ذلك لا يعني أننا لن نتمكن من رصد مثل هذه الظواهر الضوئية في أثناء حدوث التصادمات المستقبلية، إذ إن تولُّدها يعتمد على عوامل مثل الكتلة والسرعة والاتجاه والضواحي الكونية المحيطة بكلٍّ من الثقب الأسود والنجم النيوتروني.

يقول كيمبول إن هذا الاكتشاف كذلك يقرِّب العلماء خطوات نحو التعرُّف على كيفية تكوُّن هذه الأنواع من الثنائيات؛ فربما كان سلفا الجرمين قد وُلدا وعاشا حياتيهما على هيئة نجمين معًا، أو ربما كانا قد بدءا في الدوران كلٌّ منهما حول الآخر في مرحلة لاحقة من عمرَيهما النسبيَّين باعتبارهما عضوين في تجمعات نجمية كروية، وهي العناقيد التي تحتوي على حشود كثيفة من النجوم داخل مراكزها، ويضيف كيمبول أن حدثي الاندماج وحدهما لا يقدمان إجابات كافية، لكن ثمة أملًا في أن تكشف الدراسات الديموغرافية اللاحقة لمجموعات أكثر من تصادمات الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية عن المسار الأكثر احتمالًا.

يقول فوكار إن عمليات الرصد المستقبلية لأحداث الاندماج ربما تكشف لنا كذلك عن إجابات للغز آخر: كيف أصبح كوننا مليئًا بالذهب والبلاتين والعناصر الثقيلة الأخرى، مضيفًا أن حوالي نصف العناصر الأثقل من الحديد قد تكونت خلال تصادمات أو انفجارات كونية ضخمة، وأن الوصول إلى فهم أفضل لوتيرة حدوث عمليات الاندماج بين الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية من شأنه أن يدلنا على النسبة التي تُسهم بها هذه العمليات في مجمل الثروة الكونية من العناصر الثقيلة.

وفي الوقت الحالي، يجري تحديث كواشف مرصدي «ليجو» و«فيرجو» استعدادًا لسلسلة من عمليات الرصد من المقرر أن تبدأ بعد يونيو 2022، كما سيشارك كاشف «كاجرا» في اليابان في تلك العمليات، وقد صرّح فوكار بأن هذه التحديثات ستزيد من القدرة المجمعة للكواشف على تحديد النقاط الدقيقة من السماء التي تقع فيها هذه الأحداث، ومن ثم تؤدي إلى تطوير قدرة رجال علماء الفلك على مسح المناطق المعنية في السماء باستخدام التلسكوبات التقليدية لمحاولة التقاط النسخ الكهرومغناطيسية المناظرة.

تقول بونانو: "إن رؤية هذا الاندماج بين النجوم النيوترونية والثقوب السوداء للمرة الأولى ما هي إلا عينة ضئيلة مما يحدث داخل تلك المجموعات السماوية".