من منظور الأفلام الرائجة، يواجه الأشخاص الذين يعيشون في منطقة الأمازون البرازيلية خطرًا دائمًا، يتمثَّل في تعرُّضهم لهجوم عناكب الرُّتَيْلاء الضخمة، واعتصارهم حتى الموت عند وقوعهم فريسةً للأناكوندا العملاقة، والتهام أسماك البيرانا الضارية لأجسادهم وهم أحياء. أما على أرض الواقع، فتتصل المخاطر الحقيقية التي يواجهونها على نحوٍ أكبر بالأمراض الاستوائية، مثل المَلارِيا والكُولِيرا وحُمَّى الضَّنْك والحُمَّى الصَّفْراء وحُمَّى شِيكُونْغُونْيا. وفي حين أنه ربما يكون ممكنًا الوقاية من الأمراض في معظم الأحوال من خلال مرافق الصرف الصحي الحديثة وتدابير النظافة الصحية، إلا أنها ليست متوافرة في أغلب الأحيان.

لنأخذ بورتو فاليو، عاصمة ولاية روندونيا، مثالًا. يبلغ عدد سكان بورتو فاليو نصف مليون نسمة، وتقع المدينة في قلب منطقة الأمازون البرازيلية، حيث يستفيد أقل من 1 في المئة من المساكن من المياه المُعالَجة والصرف الصحي المناسب. وبدلًا من تحمُّل المسؤولية عن هذه الظروف، تُلقي الإعلانات التلفزيونية التي تنتجها الحكومة باللوم على السكان أنفسهم في تفشِّي الأمراض، كما لو كان الافتقار إلى النظافة الصحية سمةً ثقافيةً وليس ناجمًا عن إخفاق السياسات العامة.

يحدث النوع نفسه من التنصُّل من المسؤولية عندما يُحرق المزارعون المجاورون خارج المدينة الغابة لإنشاء مراعٍ للماشية. فعلى الرغم من زيادة أعداد الحالات التي تستقبلها المستشفيات، وخصوصًا الأطفال، نتيجة الإصابة بمشكلات الجهاز التَّنَفُّسي الناجمة عن التعرُّض للدخان، فإن الموقف الرسمي يتمثل في أن حرائق الغابات أمرٌ لا مناص منه بسبب "التَّنْمِيَة". هذا صحيحٌ من النَّاحية الفنية: فمن دون الحرائق، لن يكون هناك ماشية لتصديرها، ومن دون الماشية، لن يكون لدى أصحاب مزارع تربية المواشي ما يكفي من المال للتبرع للسياسيين (أو للاحتفاظ بالمال لأنفسهم؛ لأن العديد من أصحاب المزارع سياسيون أيضًا).

والآن، مع قُدُوم مرض «كوفيد-19» الذي يُسبِّبه فيروس كورونا المُستجِد، نشهد نمطًا مماثلًا. فبحلول أواخر شهر يوليو، سُجِّل أكثر من 800 حالة وفاة بسبب فيروس كورونا المُستجِد في ولاية روندونيا. إلَّا أن مرض «كوفيد-19» أضحى قضيةً أيديولوجية، وليس مجرد مشكلة من مشكلات الصحة العامة. فمسألة ارتداء الناس للأقنعة الواقية أو عدم ارتدائهم لها وممارستهم للعزل الذاتي أو عدم ممارستهم له مرهونةٌ بدعمهم –أو عدم دعمهم- للرئيس جايير بولسونارو، الذي واصل استخفافه بمخاطر الجائحة. ومفاد الخطاب الرسمي للدولة أن الاضطراب الاقتصادي الذي سينجم عن التدابير الصارمة ضد المرض سيحصد أرواحًا أكثر من تلك التي سيحصدها الفيروس نفسه. (تجدر الإشارة إلى أنه قد تأكَّدت إصابة بولسونارو نفسه مؤخرًا بمرض «كوفيد-19»، ولو أن حالته جيدة، وفقًا لما ذكره بيان رسمي).

ويعكس المرض في مدينة بورتو فاليو ما نعلمه سلفًا عن الأمراض بوجه عام في منطقة الأمازون البرازيلية: الأكثر فقرًا هم الأكثر عُرضةً لخطر الإصابة. عندما نفحص بيانات التَّنَقُّل التي يوفرها «جوجل» فحصًا دقيقًا، والبيانات الواردة من إدارة الصحة في الولاية، والمؤشرات الاجتماعية مثل مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية (HDI) فيما يخص الاستفادة من مرافق الصرف الصحي والتَّعليم والتَّوظيف، يتضح جليًّا أن المناطق الموجودة في مدينة بورتو فاليو، التي يقل الامتثال للعزل الذاتي فيها عن 30 في المئة هي أيضًا أفقر المناطق وتلك التي يوجد فيها عدد أكبر من الحالات المؤكد إصابتها بمرض «كوفيد-19».

بإيجاز يمكن القول إن الأشخاص الأكثر فقرًا هم الأكثر مرضًا. ويُمكِننا فهم هذه البيانات بطريقتين. أما التَّفسير الأول، والذي قدمه المسؤولون العموميون على مستوى الولاية، فمفاده أنهم يتحملون المسؤولية عن كون أشد الناس فقرًا هم الأكثر عرضةً للمرض. ولكن المسكن غير اللائق وسوء التَّغذية والافتقار إلى الوظائف الرسمية، كل هذا يخرج بكل وضوح عن نطاق مسؤوليتهم. مع أن هذه الظروف تعني أن الفقراء غير قادرين على عزل أنفسهم اجتماعيًّا، أو غسل أيديهم، أو شراء أقنعة واقية. فلا يُتاح أمامهم سوى قدر ضئيل من إمكانية الاستفادة من موارد الصحة العامة والإعانات الاجتماعية.

وبهذا فإن التحدي الذي يطرح نفسه هو فهم العوامل الهيكلية التي تُبقي على مظاهر عدم المساواة، وتبعاتها على صحة الناس، والبدء في التغلُّب عليها. حينها فقط لن تُضطر هذه المجتمعات إلى الاختيار بين أن يعمل أفرادها ويُعَرِّضوا أنفسهم وعائلاتهم للخطر من ناحية، أو يلتزموا بالعزل الذاتي ويموتوا جوعًا من ناحية أخرى.