كي يمكن السماح بإعادة فتح المدارس وعودة الناس إلى أعمالهم خلال الجائحة الحالية في الولايات المتحدة، ربما يتبين أنَّه من الضروري توفير فحوصاتٍ رخيصة لكشف الإصابة بفيروس كورونا الجديد، فحوصات يمكن لملايين الأمريكيين استخدامها في الصيدليات أو أماكن العمل، أو حتى في المنزل. وفي الأسبوع الأخير من شهر أبريل، تحدثت ديبورا بيركس -المسؤولة عن تنسيق جهود الاستجابة لانتشار الفيروس بالبيت الأبيض- عن تلك الفحوصات المعروفة باسم فحوصات المستضدات السريعة، واصفةً إياها بأنَّها "الابتكار المتطور"، الذي تحتاج إليه البلاد لإجراء مئات الملايين من الفحوصات يوميًّا. وقد اتفق تصريحها هذا مع تصريحاتها السابقة، التي قالت فيها إنَّ فحوصات المستضدات قد تُستخدم لفحص قطاعاتٍ واسعة من السكان.

كثيرًا ما تتضمن وسيلة الفحوصات هذه تقنيةً شبيهةً بتلك المستخدمة في فحوصات الحمل المنزلية، تُسمَّى تقنية فحص التدفق الجانبي. ففي تلك الفحوصات، يمكن لجسمٍ مضاد أن يرتبط بواحدٍ من البروتينات الشوكية (المستضدات) التي تغطي سطح الفيروس، وتشبه الأشواك البارزة من جسم السمكة المنتفخة. وإنتاج هذه الفحوصات غير مكلف، وتتسم بسهولة استخدامها، كما يمكن الحصول على نتيجتها خلال دقائق.

لكنَّ الهدف هنا أيضًا هو طرح فحوصاتٍ تكافئ في دقتها تلك التي يشيع استخدامها حاليًّا، والتي تعتمد على تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR) لمعالجة المادة الجينية للفيروس وتضخيمها، بغرض الكشف عن وجوده. بيد أنَّه ما زالت هناك عقباتٌ تقنيةٌ كبرى تقف في طريق تحقيق ذلك. إذ تقول بتينا فرايز، رئيسة قسم الأمراض المُعدية في كلية الطب بجامعة ستوني بروك في نيويورك: "ما تريده من إنجازٍ كهذا هو طرح فحصٍ للمستضدات أكثر حساسيةً، أو أقل عرضةً لإعطائك نتائج سلبية كاذبة، وأسهل في استخدامه من الفحص القائم على تفاعل البلمرة المتسلسل. وذاك ليس بالأمر السهل. إذ إنَّ فحوصات تفاعُل البلمرة المتسلسل أكثر حساسيةً في المعتاد".

لكن نظرًا إلى الحاجة المُلحة لإجراء أعدادٍ هائلة من الفحوصات، يجري النظر حاليًّا في كل التقنيات المُجدية. وقد فازت شركة الأجهزة الطبية «أوراشور تكنولوجيز» OraSure Technologies، الواقعة في مدينة بيثليهيم بولاية بنسلفانيا الأمريكية، بعقدٍ فيدرالي قيمته 710,310 دولارات أمريكية في شهر أبريل، لإنتاج فحصٍ منزلي يمكن أن يكتشف أحد مستضدات فيروس كورونا الجديد في اللعاب خلال أقل من 20 دقيقة. ويقول ستيفن تانج، الرئيس التنفيذي للشركة: إنَّ فحوصات المستضدات هذه ضرورية لفحص ملايين الأشخاص يوميًّا. وأضاف قائلًا: إنَّه لإجراء الفحوصات على نطاقٍ واسع "لا يمكنك الاعتماد على إنتاجية المختبرات وتوافر متخصصيها أو أعضاء الأطقم الطبية"، وهو ما تتطلبه عادةً فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل.

ولأنَّ فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل تُنتج آلاف النسخ من الحمض النووي الريبي المستهدَف، فإنَّها تستطيع اكتشاف الفيروس حتى عندما يكون تركيزه أقل بكثيرٍ مما يمكن لفحوصات المستضدات كشفه، وهو مستوى التركيز المعروف باسم «حد الكشف». ويقول جيفري بيرد، القائم بأعمال رئيس قسم الطب المخبري في كلية الطب بجامعة واشنطن: إنَّ حدود الكشف في فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل "تبلغ حوالي بضع مئاتٍ من جزيئات الفيروس في الملليلتر الواحد من السائل الناقل".

لكن في المقابل، تتفاوت حساسية فحوصات المستضدات السريعة. فعلى سبيل المثال، وجد تحليلٌ أُجري عام 2016 على 116 فحصًا من فحوصات المستضدات الكاشفة للبكتيريا المسببة لالتهاب الحلق العقدي أنَّ حساسيتها تبلغ 86% في المتوسط؛ إذ أعطت نتائج سلبية كاذبة في 14% من الحالات المصابة بالبكتيريا. كما أنَّ فحوصات المستضدات المستخدمة لتشخيص الالتهابات الفيروسية مثل الإنفلونزا أقل حساسيةً من ذلك، وكثيرًا ما تُعطي نتائج سلبية في حين أن الفيروس موجودٌ بالجسم بالفعل. لكنَّ نوعية تلك الفحوصات، أي قدرتها على تجنُّب النتائج الإيجابية الكاذبة بدقة، غالبًا ما تكون أعلى بكثير. إذ يمكن أن تتجاوز 95%، وهذا يعني أنَّ أقل من 5% من غير المصابين بالعدوى ستكون نتائجهم إيجابيةً.

وقد أوضحت بيركس أنَّ فحوصات المستضدات قد تُستخدم كأدوات فحصٍ أولية، تُؤكَّد نتائجها لاحقًا من خلال فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل. لكنَّ أوتو يانج، الباحث في الأمراض المُعدية بجامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس، غير واثقٍ بإمكانية تحقيق هذا الهدف. إذ قال: "إنَّه بشكلٍ عام، عندما تلجأ إلى تلك الطريقة، فإنَّك تهدف إلى أن يتسم فحصك بحساسيةٍ أعلى ونوعيةٍ أقل. وأمرٌ كهذا لن يكون عمليًّا إلا إذا كنتَ تحاول توفير المال أو الكواشف، أو لم تكن لديك القدرة على إجراء فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل. فالفائدة الوحيدة الممكنة هنا هي توفير التكاليف، لكنَّ الافتقار إلى الحساسية يمثل مشكلةً كبيرة". وأضاف يانج أنَّ هذا النهج لن يكون فكرةً جيدة إلا إذا كان الفحص الأولي على الأقل بمستوى حساسية فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل، وأرخص منه أيضًا.

لكنَّ رأيه هذا لن يُنهي بأي حالٍ من الأحوال هذا الجدل حول منطقية نهج فحوصات المستضدات. إذ إنَّ لي جيركه -الباحث المتخصص في البيولوجيا الدقيقة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي شارك في تأسيس شركة E25Bio، التي تعمل كذلك على تطوير فحص مستضدات يكشف الإصابة بفيروس كورونا- يرفض مقارنة دقة هذه الفحوصات بدقة فحوصات تفاعل البلمرة المتسلسل. ويقول عن ذلك: "ينبغي لاستخدام الفحص أن يتناسب مع الظروف. ففي ظروف العودة إلى العمل والمدارس، ستكون هناك حاجة إلى إجراء الفحوصات على نحوٍ متكرر ومنتظم. وإذا تكررت عملية الفحص، أعتقد أنَّ فحوصات المستضدات السريعة ستكتشف الفيروس".

ويقر جيركه بأنَّه في الأيام القليلة الأولى من الإصابة، يمكن للبروتينات الفيروسية أن تكون موجودةً لدى المصابين بمستوياتٍ أدنى من حد الكشف لتلك الفحوصات، لكنَّ هذه المستويات ستزداد مع تطور العدوى. ويقول عن ذلك: "في بدايات العدوى، قد يكون هناك وقتٌ يمكن فيه لفحص تفاعل البلمرة المتسلسل اكتشاف الفيروس، بينما تعجز عن ذلك فحوصات المستضدات السريعة". لكنَّه أضاف أنَّه إذا كان الهدف من إجراء الفحوصات هو إعادة الناس إلى أعمالهم، فسيكون من المقبول استخدام أدوات فحصٍ حساسيتها "دون المستوى المثالي"، ما دامت رخيصة الكلفة.

ورد يانج على ذلك بقوله: إنَّ فحوصات المستضدات ربما يمكن استخدامها كوسيلة تشخيص، لكن قد لا يمكن الاعتماد على نتائجها كإشارة تحذير مبكرة نحن في أمسِّ الحاجة لها. ويوضح: "إذا كان هدفك هو رصد المصابين بفيروسٍ تزيد قدرته على العدوى بزيادة كميته في الجسم، فربما يكون ذلك منطقيًّا"، لكن إذا كان الهدف من استخدام فحوصات المستضدات بصورةٍ دورية هو رصد المصابين في وقتٍ مبكر من العدوى، في تلك الحالة "ستكون هناك كميةٌ أقل من الفيروس، وبالتالي ستمثل الحساسية مشكلةً كبيرة".

ومع ذلك، ستستمر الحاجة الماسة إلى هذا النوع من الفحوصات في توفير الزخم لهذا الاتجاه البحثي. إذ تقول جيجي جرونفال، الباحثة المتخصصة في المناعة بمركز جونز هوبكنز للأمن الصحي: "ستفوِّت الفحوصات السريعة بعض المرضى، لكنَّها ما زالت مفيدةً للغاية؛ لأنَّها تستغرق بضع دقائق فقط لفحص شخصٍ ما. وإذا تمكنَّا من إجراء فحوصات تفاعُل البلمرة المتسلسل على نطاقٍ أوسع، فهذا سيوفر لنا نتائج أدق وأكثر حساسية. لكنَّ امتلاك فحصٍ كهذا له قيمةٌ ما من منظور الرعاية الصحية".

وفي نهاية المطاف، قد يوضع حدٌّ لهذا الجدال في غضون بضع سنوات. إذ تقول كارلا ساتشيل، الباحثة المتخصصة في البيولوجيا الدقيقة بكلية طب فاينبرج في جامعة نورث وسترن: "من الواضح أنَّنا نحتاج إلى إجراء الفحوصات على نطاقٍ واسع لاحتواء الجائحة. لكنَّ هذه كلها حلولٌ مؤقتة. ما نحتاجه حقًّا هو لقاحٌ للمرض".