في عام 1688، كتب الفيلسوف الأيرلندي ويليام مولينو رسالةً إلى زميله جون لوك بشأن لغز ظل يثير انتباه الفلاسفة والعلماء حتى يومنا هذا. كانت الفكرة بسيطة، وتتمثل فيما يلي: هل يمكن للشخص المولود كفيفًا، والذي تعلم التمييز بين الأشياء عن طريق اللمس، أن يتعرف عليها بمجرد النظر إذا استعاد قدرته على الرؤية؟

هذا السؤال -المعروف باسم «مسألة مولينو»- يبحث مسألة ما إذا كان العقل البشري يتضمن مفهومًا مدمجًا للأشكال فطريًّا إلى درجة تتيح لمثل هذا الشخص الكفيف أن يتعرف فورًا على جسمٍ ما عند استعادة الإبصار. وبديل ذلك أن مفاهيم الأشكال ليست فطرية، بل يجب تعلُّمها من خلال استكشاف جسم بالنظر واللمس والحواس الأخرى، في عملية قد تستغرق وقتًا طويلًا عند البدء من الصفر.

جرت محاولة لحل هذا اللغز قبل بضع سنوات من خلال بحث مسألة مولينو بالاستعانة بأطفال وُلدوا مكفوفين لكنهم استعادوا بصرهم بعد ذلك، وذلك بفضل جراحة المياه البيضاء. ورغم أن الأطفال لم يتمكنوا على الفور من التعرُّف على الأشياء، إلا أنهم سرعان ما تعلموا فعل ذلك. وكانت النتائج مبهمة. كانت هناك حاجة إلى بعض التدريب للتعرُّف على جسمٍ ما، لكن بدا أن المشاركين في الدراسة لم يبدأوا من الصفر تمامًا.

وقد أجرى لارس تشيتكا، من جامعة كوين ماري يونيفرسيتي في لندن، بمعاونة بعض زملائه محاولةً أخرى للعثور على إجابة، ولكن هذه المرة باستخدام نوع آخر من المخلوقات. لاختبار ما إذا كان النحل الطنان يمكن أن يكوِّن تصورًا داخليًّا للأجسام، قام تشيتكا وفريقه أولاً بتدريب الحشرات على تمييز الكرات والمكعبات باستخدام مكافأة من السكر. وجرى تدريب النحل في الضوء، حيث كان بوسعه رؤية الأجسام معزولةً داخل طبق بِتري مغلق، لكن لا يمكنه لمسها، ثم جرى اختباره في الظلام، حيث يمكنه لمس الكرات أو المكعبات لكن لا يمكنه رؤيتها. وقد وجد الباحثون أن اللافقاريات أمضت وقتًا أطول في ملامسة الجسم الذي جرى تدريبها على ربطه بمكافأة السكر، رغم اضطرارها إلى الاعتماد على اللمس بدلاً من النظر لتمييز الأجسام.

كذلك أجرى الباحثون الاختبار العكسي باستخدام النحل الطنان غير المدرب، إذ عملوا أولًا على تدريبه بمكافآت في الظلام (حيث يمكنه لمس الكرات أو المكعبات لكن لا يمكنه رؤيتها)، ثم اختبروه في الضوء (حيث يمكنه رؤية الأجسام ولكن ليس لمسها). مرةً أخرى، تمكَّن النحل من التعرُّف على الجسم المرتبط بمكافأة السكر، على الرغم من اضطراره إلى الاعتماد على الرؤية بدلًا من اللمس في الاختبار. وباختصار، "حل النحل مسألة مولينو"، وفق قول شيتكا.

وقد وثَّق عددٌ كبيرٌ من الأبحاث قدرات التعرُّف على الأنماط بالرؤية لدى النحل. وكان الباحثون يعرفون مسبقًا أن الحشرات يمكنها التعرُّف على أنماط الألوان المعقدة في الزهور وحتى الوجوه البشرية. بيد أن أغلب مهمات التعرُّف على الأنماط يمكن أداؤها بكواشف للسمات بسيطة للغاية، مثل توجيه الخلايا العصبية للحواف، ومجال السطوع، وما إلى ذلك. يقول تشيتكا: "يمكن للمرء أن يتمتع بقدرة كبيرة على تمييز الأنماط التي تبدو متقدمة دون أن يكون هناك وجود فعلي لصورة افتراضية طافية في ذهنه، وهو نوع من تصور الجسم. لذا كان هذا دائمًا هو السؤال المفصلي: هل هناك -بالطريقة نفسها التي يعمل بها إدراكنا- نوعٌ من تصور الأجسام في أذهان النحل وليس عناصر بسيطة للصورة مرتبطة -على نحوٍ ما- بالمكافآت؟".

إن حقيقة أن الحشرات استطاعت التمييز بين الأشكال عن طريق نقل المعلومات عبر وسائل حسية توحي بأنها تتصور سمات الجسم ويمكنها الوصول إليها عن طريق البصر أو اللمس. ويقول تشيتكا، وهو عالِم في فسيولوجيا الحواس لدى النحل وفي علم البيئة السلوكي: "لهذا السبب يثيرنا هذا الأمر".

كذلك فإن الخبراء الذين لم يشاركوا في الدراسة في حالة من الترقُّب، لكن لديهم بعض التحذيرات. يقول لودفيج هوبر، عالِم الحيوان بكلية الطب البيطري بجامعة فيينا، والذي درس التكامل بين الوسائل الحسية في الثدييات والطيور: إن التجربة تُظهر أن النحل يمكنه نقل سمةٍ استطاع التعرُّف عليها من وسيلة حسية إلى أخرى. ويضيف: "لكن السؤال الحاسم هو: ما هي هذه السمة، وإلى أي مدى تكون مجردة؟"، ويضيف أن النحل قد يتمكن من التمييز بين الأسطح المستديرة والحواف الحادة عن طريق نقل المعلومات الحسية من وسيلةٍ إلى أخرى دون أن يتعرف على الأجسام أو يكون لديه تصورٌ داخليٌّ لها.

ويتساءل هوبر أيضًا عن صحة التجربة في العالم الحقيقي. ففي البراري، من المرجح أن النحل الطنان يعتمد على النظر والإشارات الشمية في التعرف على الزهور، على سبيل المثال. لذا يود هوبر أن يرى اختبارًا أكثر شبهًا بأنواع الأجسام والإشارات الحسية التي من المحتمل أن يصادفها النحل في الطبيعة.

ويحذر جوناثان بيرش –فيلسوف العلوم، الذي يدرس الشعور لدى الحيوان في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية– من أن النحل قد تكون لديه خبرة سابقة تربط المعلومات المرئية واللمسية للحواف المستقيمة والأسطح المنحنية في سياق أعشاشها، لذا لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون بعض التكامل بين الحواس مكتسبًا وليس فطريًّا.

وبالنسبة لشيتكا، فإن الهدف النهائي هو معرفة ما إذا كان لدى النحل وعي، وهو ما يدرسه في الغالب علم الأعصاب والعلوم المعرفية من خلال التركيز على تكامُل المعلومات الواردة من حواس مختلفة. وتوضح أبحاثه السابقة على النحل أن لديه قدرات متطورة فيما يتعلق بالتعلم والذاكرة. وفي العرض الذي قدمه في الاجتماع السنوي الأخير لجمعية البيولوجيا التكاملية والمقارنة في أوستن بتكساس، قال شيتكا: "لا يُعد أيٌّ من هذه المهمات -وأداء النحل- مؤشرًا يُعتد به على وجود الوعي. وفي الحقيقة، لا يوجد ما يمكن اعتباره كذلك". ويضيف قائلًا: "لكن أخذ كل ما سبق مجتمعًا في الاعتبار –فيما أعتقد– يدفع بالاحتمالات في الاتجاه الصحيح".