لطالما تملّك البشر هوسٌ بأدمغتنا الكبيرة وقدراتها الهائلة، وهذا أمرٌ مفهوم؛ ففي النهاية، كم نوعًا آخر ابتدع الإيبوبروفين والأغطية الكهربائية وساعة العروض المميزة؟ ولكن ربما حان الوقت لأخذ نفَس عميق والرجوع خطوةً إلى الوراء لنتساءل: ماذا بوسع الخلية أن تفعل؟

لقد كتبت مؤخرًا عن كيف يمكن لكائن الستنتُر (Stentor) -وهو كائن مفترس يشبه البوق وأحد أكبر أحاديات الخلية- أن يكون قادرًا على تغيير "رأيه"، ولكنها ليست المرة الأولى أو حتى الثانية التي تُبدي فيها الخلايا الحية الحرة علامات تدل على امتلاكها ما يشبه الإدراك، كان من المعروف أن الستنتُر السباح (Stentor coeruleus) يمكنه "اعتياد" اللمس؛ فبعد وكزه لفترة كافية، يتوقف عن الانقباض والتقلّص بسهولة، ويمكن أن يتذكر أنه يبقى أقل حساسيةً للمس لعدّة ساعات على الأقل، لا أحد يعرف كيف، يحسّن الستنتُر ونوع آخر من الهدبيات يسمى الباراميسيوم (Paramecium) زمن الهروب من الأنابيب الشعرية (النسخة الميكروبية من تجربة كلاسيكية تُجرى على القوارض تحمل اسم نموذج تعلُّم "المدرج") مع اكتساب الخبرة، وإن كان الستنتر يكتسبها في حال كان الأنبوب عموديًّا فقط.

في منتصف القرن العشرين، خضع الباراميسيوم لتجربة بافلوف للكلاب (والتي تدعى أيضًا الإشراط الكلاسيكي) عدة مرات، أظهرت بياتريس جيلبر، التي عملت بمفردها في جامعة شيكاغو في خمسينيات القرن الماضي، أن كائنات الباراميسيوم المدربة على ربط سلك معدني بوجود بكتيريا شهية عالقة تتدفق على السلك حتى لو قُدّم فيما بعد من دون البكتيريا، أما كائنات الباراميسيوم المدربة على سلك فقط فلن تفعل، تعرضت نتائج جيلبر لانتقادات شديدة ورُفض معظمها في ذلك الوقت، على الرغم من أن أحد التحليلات الأخيرة خلص إلى أنها أثبتت الحالة.

في مثال آخر جدير بالملاحظة، أخضع علماء في جامعة ولاية مينيسوتا في مانكاتو خلال سبعينيات القرن الماضي كائنات الباراميسيوم لجلسات تدريب على غرار تجربة بافلوف، مستخدمين نغمةً مدتها أربع ثوانٍ تقترن في آخر ثانيتين منها بصدمة كهربائية، بعد جلستين أو ثلاث جلسات، بدأ حوالي النصف أو أكثر من كائنات الباراميسيوم التي بدت خائفةً في "تجنُّب الاستجابة" -بنفضة متراجعة إلى الوراء أو الالتفاف واستئناف السباحة أو كليهما- استجابةً لنغمة منفردة.

المدهش في الأمر أنها استطاعت أن تتذكر فعل ذلك لمدة 24 ساعة على الأقل، كانت تكف أيضًا عن هذه الاستجابة إذا استمرت النغمة دون أن تصحبها الصدمة، ثم يعاد تدريبها بإقرانها بالصدمة مرةً أخرى، بل استطاعت أيضًا أن تميز بطريقة أو بأخرى بين نغمات ترددها 300 و500 هرتز لتقرر ما إذا كانت ستبدأ الهروب، ومع ذلك، فقد فشلت تجارب إشراط أخرى أُجريت على هدبيات باستعمال المحفزات الطاردة كالصدمة أو الحرارة في إظهار وجود ارتباط، من الإنصاف القول إنه إذا لم يحسم أمر الخلايا والتعلم الترابطي، فإن الأدلة دالة بشدة على وجود هذا الارتباط.

تجدر الإشارة إلى مثال آخر على التعلم الخلوي الغريب، في تجربة نُشرت في عام 2008، تعلم عفن المنفخة (Physarum) الغروي ( وهو أميبا عملاقة وحيدة الخلية) أن يتوقع نفثات دورية للهواء الجاف البارد، بعد ثلاث دورات نفث منتظمة التوقيت، تفاعل العفن كما لو كان يتوقع نفثةً أخرى في الوقت المناسب وذلك عن طريق التباطؤ، وهي استجابته المعتادة للهواء غير المرغوب فيه، إنه لم يتذكره فحسب؛ بل توقع بطريقةٍ ما توقيت حدوثه.

ما عسى أن تكون آلية عمليات التعلم واتخاذ القرار هذه، إذا كانت موجودة بالفعل؟ من الواضح أن الخلايا المنفردة ليس لديها أدمغة أو خلايا عصبية، لكن لديها العديد من البنى والجزيئات المعقدة الأخرى التي يمكن أن تخضع لعمل الانتقاء الطبيعي، في حالة الهدبيات مثل الستنتُر والباراميسيوم، كما كتبت في المرة السابقة، فإن هذا تقليلٌ من حقيقة الأمر.

إن مجرد كون أشكال الحياة الأخرى غير مجهزة بالطريقة نفسها التي نحن عليها لا يعني أنها لا تملك أجهزة قادرة على إنتاج شيء مثله، ربما بطرق رائعة ومختلفة جذريًّا عما نحن عليه، إذا كانت النتيجة النهائية واحدة، فهل تهم الوسيلة؟

بل إن ثمة احتمالًا أكثر إثارةً للصدمة تعكف على البحث فيه مجموعة متنامية ومتنوعة من الباحثين الحاملين لدرجة الدكتوراة: الحيوانات والهدبيات تستخدم الآلية نفسها.

تأمل النمس مثلًا، في مثال على الإشراط الكلاسيكي، سنجد النموس المدربة على ربط إشارة ما بمثير يسبب الرَّمش على فترات منتظمة ترمِشُ في اللحظة المناسبة بعد سماع الإشارة فقط، أشارت دراسة أُجريت عام 2014 على خلايا دماغ النمس المسؤولة عن توقيت رَمش العين هذا إلى أن الخلايا الفردية كانت قادرةً على التعلم وتوقّع الفاصل الزمني نفسه بمفردها تمامًا.

أرجعت تجارب أخرى اكتساب التعود في منعكس انسحاب الخياشيم في البزاقة البحرية من جنس Aplysia إلى تغيرات في الخلايا الفردية، أشارت الدراسات الحديثة التي أُجريت على البزاقة البحرية والقوارض على حدٍّ سواء إلى إمكانية نقل ذكريات معينة بين الحيوانات أو الأجيال عبر الحمض النووي الريبي والحمض النووي، كما تم نقل الذكريات أيضًا من عفن غروي إلى آخر عند اندماجهما، أشارت الدراسات التي أُجريت على جميع مستويات الحياة إلى أن الخلايا الفردية أو شبكات الخلايا غير العصبية قادرة على تكوين الذكريات، من الواضح أن الأدمغة والأعصاب ليست القول الفصل في مسألة الذاكرة.

على الرغم من أنه ليس من المؤكد بأي حال من الأحوال أن الخلايا المنفردة التي تعيش بحرّية (إذا كان يمكنها بالفعل تكوين ذكريات) تستخدم أساليب الفقاريات نفسها، ولكن يبدو أنها تمتلك المجموعة نفسها من الأدوات، الفاعل المحتمل الرئيسي في هذا الصدد هو الحمض النووي أو الواسمات البروتينية، الفكرة هي إمكانية إضافة مواد كيميائية صغيرة كمجموعات الميثيل أو إزالتها من هستونات الحمض النووي -وهي البروتينات التي يلتف حولها الحمض النووي- أو بروتينات أخرى في الخلية، كنتيجة لتجربة تكوُّن الذكريات.

هذه الواسمات المادية تجعل احتمال تحوُّل الجينات إلى بروتينات أكثر أو أقل رجحانًا عن طريق التغيير المادي لإمكانية وصولها إلى الإنزيمات التي تؤدي المهمة، أو أن بروتينات معينة متبقية تؤدي عملها أو لا تؤديه، أو أنها تؤديه بشكل أفضل أو أسوأ، وأنه بطريقة ما -تكون أحيانًا مباشرة وأحيانًا معقدة بشكل مرهق للعقل- قد تتكون الذكريات، إذا كان اعتبار الحمض النووي أو البروتينات المحرك الرئيسي لهذه العملية يبدو أمرًا مبالغًا فيه، فمن الجدير بالذكر أن البروتينات الفردية قد تكون قادرةً على ما يفوق توقعاتنا بكثير، هناك تقرير حديث واحد على الأقل يشير إلى أن بروتينًا منفردًا قد يكون مكافئًا لجهاز توقيت قابل للبرمجة لمدة ست دقائق في ذباب الفاكهة.

الواسمات الكيميائية ليست بأي حال من الأحوال الفاعل الوحيد المحتمل، ثمة بنى وآليات أخرى (الهيكل الخلوي، على سبيل المثال، أو المصفوفة خارج الخلية، والكهرباء الحيوية، أو حتى تكتل البروتين البسيط) التي يمكن تكليفها بتشفير الذكريات، أشارت ورقة بحثية حديثة إلى أن حجم أنبوب العفن الغروي -كما في الأنابيب العملاقة المرئية بالعين المجردة التي تشكّل الكائن الحي- قد يكون مستودعًا للذكريات، من الممكن أن يعتمد تكوُّن الذكريات في أي كائن حي على عدة أنظمة، وقد تعتمد أشكال الحياة المختلفة على توليفات مميزة من الأساليب.

أو كما هو الحال مع الشفرة الوراثية، ربما كان هناك نظام موحد بصورة أو أخرى، في عام 1962 كتبت جيلبر: "بعبارة بسيطة، يُفترض أن إنجرام الذاكرة يجب ترميزه في جزيئات كبيرة…. من المحتمل أن تكون العمليات الكيميائية الحيوية والفسيولوجية الخلوية التي ترمّز الاستجابات الجديدة مستمرة على امتداد الشعب (كما هي الشفرات الوراثية)، وستكون بالتالي متشابهة إلى حدٍّ ما بالنسبة للحيوانات الأولية والثدييات".

في مطلع القرن العشرين، شعر جينينجز أيضًا واعتقد أن الآليات السلوكية لدى الحيوانات كثيرًا ما كانت تطورًا لأنظمة موجودة بالفعل في الحياة وحيدة الخلية، يمكن لنظام التعلم والذاكرة الموجود بالفعل في أسلافنا المشتركين وحيدي الخلية أن يساعد أيضًا في تفسير التجارب الحديثة التي تشير إلى أن النباتات أيضًا يمكنها التعلم والتذكر.

ويبرز سؤال أكثر جرأة: هل هناك نظام ينسق الأنظمة؟ يتكهن عالِم البيولوجيا الحاسوبية دينيس براي، في كتابه Wetware الصادر عام 2009، بأن الخلية تحتوي على خلايا عصبية على شكل بروتينات وشبكات عصبية على شكل شلالات بروتينية متشابكة، تغيّر التصادمات المتتالية للبروتينات أهدافها (التي قد تكون بروتينات أخرى أو حتى جينات) في شبكة، ناقلةً ومعالجةً للمعلومات عبر الأسلاك أو الدوائر البيولوجية، بل قد تحتوي الخلايا على ما يشبه وحدة المعالجة المركزية (العنوان الفرعي لكتابه هو "كمبيوتر في كل خلية حية").

في الحيوانات، يرى جينينجز أن هذه الوحدة قد توجد في الجسيم المركزي، وهو مكان يمكن فيه دمج وتقييم حركة البروتينات الحاملة للمعلومات ذات الصلة بالظروف داخل الخلية وخارجها، والتصرف بناءً على هذه الحركة لاتخاذ ما يشبه القرارات، تُعد القدرة على اتخاذ القرارات هي العملية ذاتها التي يبدو أن الأدلة المتزايدة تشير إلى قدرة الستنتور وحيدة الخلية على القيام بها.

إن كثيرًا من هذه الظواهر لا يزال مثيرًا للاستغراب، من حيث الأدلة، بينما أكتب هذا المقال، يلقي علماء الأحياء نظرةً خاطفةً على التعقيد الحقيقي المذهل للخلايا (حلقات الحمض النووي خارج الصبغية والمادة المظلمة في الحمض النووي ليستا سوى مثالين آخرين)، ويثرثرون بحماس من سفينة في البحر حول طبيعة القارة المكتشَفة حديثًا، إلا أننا في الحقيقة ما زلنا لا نعرف.

نظرًا إلى الغياب الصادم (بالنسبة لي) للإجماع حول طريقة عمل إشراط بافلوف حتى في أدمغة الحيوانات (وهذا ما يجعلني أيضًا أشعر بأن التصريحات الواثقة القائلة بأن الإرادة الحرة هي مجرد وهم طائشة إلى حدٍّ كبير)، أعتقد أن الوقت قد حان بالنسبة لنا لطرح المفاهيم المسبقة حول قدرات الخلايا جانبًا، بدلًا من النتائج التجريبية غير المتوقعة، تلقى جينينجز وجيلبر المعاملة نفسها تقريبًا لأن منتقديهما كانوا قد قرروا بالفعل أن نتائجهما مستحيلة، بفضل الثورة الجزيئية، فإننا نرى الآن أن نتائجهما ربما لا تكون مستبعدة بالكلية، إذا كان صحيحًا أن النباتات الحساسة يمكن أن تتعلم، وأن العفن الغروي يمكن أن يتذكر، وأن الستنتُر بوسعه أن يتخذ قرارًا -ولا شك أن الادعاءات غير العادية تتطلب أدلةً غير عادية- فإن واحدًا من أكثر المباحث البيولوجية إثارةً في السنوات القادمة سيكون اكتشاف كيف تفعل ذلك بالضبط، قد تعترينا الدهشة عندما ندرك، كما حدث من قبل، أنها لا تختلف عنا كثيرًا.