في الكثير من الأحيان تعظم كتب مساعدة الذات على قيمة المرونة النفسية resilience، (القدرة على تحمُّل الضغوط في مواجهة الأزمات والمواقف العصيبة) . في العام الماضي، أكد أحد تلك الكتب – وعنوانه "قم بالارتداد: التغلب على الشدائد، وبناء القدرة على التحمل والوصول للابتهاج Bounce: Overcoming Adversity, Building Resilience, and Finding Joy – أنه "بتعزيز قوتك الداخلية، وقدرتك على التعامل مع المواقف العصيبة، ومهارتك في المثابرة في الوقت الذي توشك فيه الإخفاقات أن تتغلب عليك، ستكتسب قدرة حقيقية على تحمُّل الضغوط، وستتطور لديك شخصية تتسم بالقدرة على الصمود".

هذا يعني ضمنًا أن اجتياز الأحداث العسيرة في الحياة هي سمة من السمات الشخصية التي يمكن تنميتها. وقد يساعد في ذلك بالطبع ممارسة الرياضة، والحصول على التغذية السليمة، والتحدث إلى النفس بطريقة مُحفِّزة. غير أن علماء الأعصاب يدركون أن القصة ليست بهذه البساطة، وأن بعض الأشخاص قد يكونون مهيئين على نحو أفضل منذ الولادة للتعامل مع الشدائد.

خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، مهدت الاكتشافات التي تم التوصُّل إليها حول سبب تفوُّق بعض الأدمغة فيما يتعلق بمقاومة الضغوط للبحث عن أدوية جديدة لعلاج الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة  عن طريق تعزيز القدرة النفسية على التكيف. وفي الوقت الحالي بدأ تجريب أحد هذه المركبات ضمن التجارب الإكلينيكية الخاصة بالمراحل المبكرة.

إذا ما ثبت أن الدواء آمن وفعَّال، فإن الطلب عليه سيكون قويًا بلا شك؛ فالاكتئاب – الذي يُعدّ السبب الرئيس عالميًا لنقص القدرة العقلية - لا يبرأ منه بصورة كاملة أكثر من نصف المرضى الذين يتلقون علاجات نفسية، إلى جانب ما هو متاح من مضادات للاكتئاب.

ولكن الاكتئاب لا يصيب الجميع. ويمكن بوضوح ملاحظة البيولوجيا الجزيئية المرتبطة بالقدرة على الصمود في مواجهة الاضطرابات النفسية عن طريق فحص أدمغة فئران المختبرات؛ فقد نجح تقريبًا ثلث عدد الفئران التي تعرضت لضغط نفسي شديد (على شكل هجمات شرسة من قوارض أخرى) في التجاوز السلس لتلك الاعتداءات دون أن تتطور لديها أعراض الانكفاء على الذات اجتماعيًا، أو عدم الاكتراث، أو أي أعراض أخرى مشابهة للاكتئاب أو التعرض لصدمة، مثلما أظهر أغلب أقرانها الآخرين في المختبر.

وبعد رصد هذا السلوك الذي يبدو أنه سلوكًا تكيفيًا، شرع الباحثون في دراسة ما يُميِّز الفئران الأكثر مقاومة فيما يتعلق بالجانب الوراثي والكيمياء العصبية.

في الفئران الواقعة تحت ضغوط نفسية، تحدث زيادة دراماتيكية في نشاط جينات محددة داخل جهازها العصبي، كما لو كانت أدمغة هذه الفئران قد شرعت في مجموعة من التدابير الوقائية للتكيف مع الصدمة. يقول إيريك نيسلر مدير معهد فريدمان للدماغ بمدرسة إيكان للطب في ماونت سايناي إن "أضعافًا مضاعفة من الجينات تم تنظيم عملها لدى الفئران القادرة على تحمل الضغط مقارنةً بالفئران الحساسة للضغوط، وذلك عبر عدة مناطق في الدماغ. لقد كان هذا مفاجأة حقيقية لنا". (نيسلر كان يعمل بمركز ساوث ويسترن الطبي التابع لجامعة تكساس عندما بدأ فريقه دراسة ما يسمِّيه الباحثون إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن Chronic social defeat stress).

أصبحت مستشفى ماونت سايناي في نيويورك سيتي نقطة التقاء لأبحاث المرونة النفسية، وقد تم إجراء دراسات من جانب عدد من المختبرات حول الجانبين النفسي والعصبي الحيوي للتأقلم مع الضغوطات. في عام 2014، نشر العالم المتخصص في علم العقاقير وعلم الأعصاب مينج-هو هان ومجموعة من زملائه في ماونت سايناي ورقة بحثية في دورية "ساينس" Science توضح كيف يمكن للإشارات الكهربية التي تُشير إلى حدوث خلل – والتي تصدرها الخلايا العصبية الموجودة في نظام المكافأة في الدماغ – أن تفسر السبب في أن بعض فئران التجارب المعملية كانت عرضة للاكتئاب، في حين ظل البعض الآخر قادرًا على تحمل الضغوط.

وبالنظر داخل أدمغة الفئران التي تعرضت لإجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن، لاحظ العلماء نشاطًا مفرطًا في إطلاق الخلايا العصبية في المنطقة البطنية السقيفية، وهي مكون على درجة كبيرة من الأهمية في دائرة للمكافأة. وعندما تنحرف الأمور عن مسارها، يسهم هذا الإطلاق الجنوني للخلايا في المنطقة البطنية السقيفية في الشعور بفقدان الدافع كأحد أعراض الاكتئاب.

إلا أن الفئران التي لديها القدرة على التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط كانت تحمل مفاجأة لهان وفريقه؛ فقد أظهرت المنطقة البطنية السقيفية في أدمغتها مستويات أعلى من النشاط الكهربي المحموم مقارنةً بالمنطقة البطنية السقيفية في أدمغة الفئران الأكثر ضعفًا، ولكن هذا حدث لفترة وجيزة فحسب. في الفئران التي تتمتع بقدرة طبيعية على التكيف، بدا أن النشاط العصبي الأعلى قد أثار رد فعل مضاد نجم عنه الإسكات اللاحق للخلايا العصبية مفرطة النشاط. يقول هان: "يعتبر هذا الاكتشاف أحد أهم الاكتشافات غير المتوقعة في الورقة البحثية التي نُشِرَت عام 2014 في دورية ساينس؛ فالتغير الكبير جدًا في الفسيولوجيا المرضية من شأنه أن يُفضي إلى حدوث ارتداد تعويضي".

وخطا فريق العمل التابع لهان خطوة أخرى للأمام لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم مساعدة الفئران غير القادرة على تحمل الضغوط، وذلك باستخدام وسائل اصطناعية. وعندما أعطى الباحثون الفئران عقارًا يسمَّى"لاموتريجين" Lamotrigine، وهو عقار يوصف في أغلب الأحيان لمرضى الاضطراب ثنائي القطب، وجدوا أن نشاط أدمغتها يحاكى نشاط أدمغة نظيراتها التي لديها القدرة على التكيف؛ بمعنى أن الخلايا العصبية في المنطقة البطنية السقيفية النشطة بشكل مفرط بالفعل بدأت في حالة الإطلاق على نحو أشد قوة، وتبع ذلك حالة من السكون والتراجع في أعراض الاكتئاب.

وفي تلك الفترة قامت المجموعات البحثية المتنوعة المهتمة بأبحاث المرونة النفسية في ماونت سايناي بالالتقاء في أحد الاجتماعات الشهرية التي يُطلق عليها بشكل غير رسمي اسم "نادي الاكتئاب". أخبر هان الباحثين عن مجموعة من المركبات – كلها أدوية موجودة بالفعل - تساعد على فتح قنوات في الغشاء الخارجي للخلايا بالمنطقة البطنية السقيفية.

وعند وصول جرعات الأدوية إلى الخلايا العصبية، والتي تُنتج جزيء الدوبامين المُطلق للإشارات، فإن الخلايا العصبية تسمح للأيونات موجبة الشحنة بترك الخلية، ومن ثم يحدث إخماد للإطلاق المفرط للخلايا، وهذا يؤدي بدوره إلى الحد من أعراض الاكتئاب. واستنادًا إلى العرض الذي قدمه هان أمام الحاضرين في "نادي الاكتئاب"، قررت المجموعة المضي قدمًا وإجراء تجربة إكلينيكية على المرضى. الدراسة التي قادها جيمس موروه، الأستاذ المساعد في الطب النفسي ومدير برنامج اضطرابات المزاج والقلق في ماونت سايناي، اختارت دواء الصرع "إيزوجابين" Ezogabine، وتم إعطاء الدواء إلى ثمانية عشر مريضًا ضمن إحدى التجارب الاستدلالية.

وأظهرت المسوحات الدماغية أن الدواء أثر على نفس دائرة المكافأة التي أثر عليها في الفئران. يقول موروه: "كان هذا ناجحًا بالنظر إلى أننا رأينا بالفعل آثارًا مضادة للاكتئاب، مع التنبيه على نقطة مهمة وهي أنه لم تكن هناك مجموعة من المرضى تتعاطي دواءً وهميًا". وفي الوقت الحالي يجري العمل على تجربة إكلينيكية أكبر حجمًا باستخدام مجموعة من المرضي تتعاطى دواءً وهميًا لأغراض التحكم المرجعي، وذلك برعاية المعهد الوطني للصحة العقلية. (قررت شركة جلاكسو سميثكلاين وقف تسويق عقار "إيزوجابين"، ولكن يمكن عوضًا عنه استخدام أدوية أخرى متاحة تعمل أيضًا عن طريق تطويع قنوات البوتاسيوم في خلايا الدماغ، أو يمكن استخدام فئة جديدة تمامًا من المركبات).

تبدو فكرة وجود حبَّة دواء تُعطي القدرة على التكيف جذابة بالنسبة لبعض الباحثين غير المشاركين بصورة مباشرة في أبحاث ماونت سايناي. يقول جيرارد ساناكورا أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة ييل ومدير برنامج ييل لأبحاث الاكتئاب: "إن توفير علاج يستطيع زيادة القدرة على التكيف مع الضغوط على المستوى الخلوي، وكذلك على المستوى السلوكي كما هو مرجو، قد يمثل إضافة مُرحَّب بها كثيرًا إلى ممارساتنا العلاجية المتعلقة بمضادات الاكتئاب". إلا أن ساناكورا يحذر من استخلاص استنتاجات أكثر مما يجب من الدراسات التي تجري على الحيوانات، ومن التجارب الإكلينيكية الخاصة بالمراحل المبكرة. ويشير ساناكورا إلى تجربة فريقه مع أحد العقاقير المبتكرة المرشحة لعلاج الاكتئاب، وهو عقار بدا واعدًا في بادىء الأمر ولكنه أخفق في تجربة مضبوطة مرجعيًا بمجموعة من المرضي المتعاطين لدواء وهمي.

ومع هذا يُبدي روبرت سابولسكي، أستاذ علم الأعصاب بجامعة ستانفورد، ملاحظة مفادها أن المضي قدمًا نحو الوصول إلى حبِّة دواء محتملة لزيادة القدرة على التكيف هو أمر مبرَر. يقول سابولسكي: "هناك أعداد هائلة من المرضى الذي يعانون من أعراض خطيرة للاكتئاب ولا تجدي معهم أدوية الاكتئاب الحالية، وهو ما يعني أن الأمر يستحق المحاولة بكل تأكيد".

ويصف سابولسكي النهج الذي يتبعه باحثو ماونت سايناي بأنه "مبتكر فعلًا ويركز على آليات اختزالية للغاية تفسر السبب في أن الخلايا العصبية في المنطقة البطنية السقيفية تنشط نشاطًا مفرطًا لدى الفئران المحتم إصابتهم بالاكتئاب الناجم عن التعرض للضغوط، ولا يحدث هذا في الفئران المقاومة للضغوط".

ثمة تحذير يوجهه ديفيد نات من كلية لندن الإمبراطورية، حيث يشير إلى أن العلاجات القياسية للاكتئاب، مثل "بروزاك"Prozac  – شأنها شأن الأدوية الجديدة المرشحة لتعزيز المرونة النفسية – تعمل على تقليص النشاط المفرط للخلايا العصبية، ولكن هذا يحدث ضمن مجموعة مختلفة من الخلايا. يقول نات: "أعتقد أن القدرة على التكيف تأتي من آلية عمل مضادات الاكتئاب الحالية". ويقترح عالم العقاقير العصبية النفسية أن نهجًا أكثر حداثة قد يضم عقاقير مُهلوِسة – مثل "سايلوسايبين" Psilocybin – تنطوي على تأثيرات محتملة مضادة للاكتئاب.

يمثل عقار "إيزوجابين" وسيلة واحدة فقط للتعزيز المحتمل للمرونة النفسية. ويأخذ الباحثون في ماونت سايناي وفي أماكن أخرى بعين الاعتبار طرقًا أخرى لتنظيم عمل نظام المكافأة، إلى جانب ضبط النشاط الجيني، وجزيئات إطلاق الإشارات بالدماغ أو المُرسلات العصبية.

وبخلاف العديد من التجارب الإكلينيكية التي تركز على تخفيف حدة الأعراض كهدف رئيس، يتمثل الهدف من الدراسة المُتضمنة لاستخدام عقار "إيزوجابين" في قياس مدى نجاح العلاج في التأثير على بعض الدعائم البيولوجية للاكتئاب، وفي هذه الحالة قياس ما إذا كان العقار يخفض النشاط المفرط لدائرة المكافأة التي تتضمن الخلايا العصبية بالمنطقة البطنية السقيفية.

ركز المعهد الوطني للصحة العقلية مؤخرًا على استهداف آليات المرض في الأبحاث التي يمولها، نظرًا للتداخل بين أعراض الكثير من الاضطرابات النفسية. ويتبقى إثبات ما إذا كان هذا النهج يعمل بشكل أفضل للتوصل إلى عقاقير لعلاج الاضطرابات النفسية، ولكن الأمر يستحق مواصلة الاستكشاف؛ فالتجارب الإكلينيكية التقليدية تنتهي إلى لا شيء مرة تلو الأخرى.