يعاني العديد من المُصابين بالذُّهان من الضلالات الاضطهادية؛ أي الاعتقاد بأن أمورًا مروِّعة ستحدث لهم في مواقف الحياة اليومية، كأن يحاول الناس إيذاءهم. ويتسبب هذا الاضطراب في القلق الاجتماعي، الذي يمكن أن يتفاقم بفعل أعراض أخرى، مثل توهُّم سماع أصوات بشر. كل هذا يصعِّب على المريض أداء الأنشطة العاديَّة مثل التسوُّق أو زيارة الطبيب. وعادةً ما ينسحب المريض كليًّا من التواصل الاجتماعي، وهذه دائرة مفرغة؛ إذ إن ما ينتج عن الانسحاب من عزلة واجترار للأفكار قد يُفاقِم أعراضًا أخرى، منها تلك الأعراض التي تسبب الانسحاب.

ثمة نظام للواقع الافتراضي يسمَّى «جيم تشينج» (gameChange)، الفكرة منه مساعدة المرضى على تعلُّم الشعور بالأمان وتهدئة القلق الاجتماعي لديهم، وذلك بوضعهم في محاكاة للمواقف التي يخافون منها دون أن تتجسَّد فيها أسوأ مخاوفهم.

وفي الشهر الماضي، دشَّنَ اختصاصي علم النفس السريري دانيال فريمان من جامعة أكسفورد، وزملاؤه، تجربة «جيم تشينج» السريرية، وهي أكبر تجربة من نوعها حتى الآن تستخدم تقنية الواقع الافتراضي لعلاج الفصام. ستضم التجربة 432 شخصًا مصابًا بالذهان من خمسة مراكز تابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية على مستوى المملكة المتحدة. وسوف يقيِّم الباحثون درجة اجتناب المشاركين للمواقف الواقعية وتأزُّمهم منها، باستخدام مقياسٍ ثابت، قبل العلاج وبعده، ثم سيعيدون التقييم مرةً أخرى بعد ستة أشهر. ويأمل الباحثون أن يقلل العلاج قلق المشاركين، وهو ما سيحسِّن بدوره من أعراضهم الأخرى، وبالأخص الأوهام الاضطهادية. وقد ساهم فريمان في إنشاء شركة منبثقة عن أكسفورد، تُسَمَّى «أكسفورد في آر» (Oxford VR) لتطوير التقنية وجعلها متاحةً للاستخدام التجاري. وإذا نجحت التجربة فقد تدعم هيئة الخدمات الصحية الوطنية نشر نظام «جيم تشينج».

تعتمد النظرية التي يقوم عليها نظام «جيم تشينج» على العلاج بالتعلُّم النشط، والذي فيه يتم تدريب المرضى خلال مواقف واقعية تواجههم فيها صعوبات، كي يتعلَّموا التفكير والإحساس والتصرُّف على نحوٍ مختلف. في هذا النظام يتعلَّم المرضى أن مخاوفهم الاجتماعية لا أساس لها من الصحة، وهو ما يقلِّل حينها من مخاوفهم حينما يواجهون تلك المواقف في المستقبل. ويقول فريمان: «نتأكد من أن شخصًا معينًا قد تغلَّب على مرضه العقلي حينما يعود إلى هذه المواقف ويتمكَّن من التركيز على المهمة التي ينجزها بدلًا من أن تراوده أفكارٌ أو مشاعر يصعب التعامل معها. إن تقنية الواقع الافتراضي رائعة؛ إذ إن غالبية مناطق الدماغ البشري تتعامل شعوريًّا مع الواقع الافتراضي وكأنه واقع حقيقي، ومن ثم يحدث انتقالٌ للتعلم. وتلك هي الآلية العلاجية البديعة».

تُستخدَم تقنية الواقع الافتراضي في مجال الصحة العقليّة منذ أكثر من عشرين عامًا –غالبًا مع اضطرابات القلق، ومن بينها اضطراب الكرب التالي للصدمة– سواء في صورة العلاج بالتعرُّض أو التدريب المعرفي المشابه للنوع المستخدم في «جيم تشينج». وقد جرَّبت مجموعات بحثية معدودة تقنية الواقع الافتراضي في علاج الذهان، إلا أنها استخدمتها كأداة، في وجود مُعالِج يُقَدِّم العلاج فعليًّا. وتقول مار روس-كالافِل اختصاصية علم النفس السريري بجامعة رور في بوخوم بألمانيا، والتي عملت مع فريمان في مشروعات أخرى لكنها لم تسهم في «جيم تشينج»: «أهم شيء في «جيم تشينج» أنه ذاتي التطبيق تقريبًا، بحيث لا توجد حاجة إلى القوة العاملة التي من الضروري وجودها في برامج العلاج الشخصية المباشرة». هذا يعني أنه إذا كان العلاج فعَّالًا حقًّا كما يأمل فريمان، فمن الممكن أن يزيد بشكلٍ كبير من قدرة الخدمات الصحية على تقديم العون للعديد من المصابين بالذهان.

اختبر فريمان وزملاؤه هذه الطريقة المؤتمتة أولًا في تجربة سريرية لأحد علاجات الخوف من المرتفعات، تُحاكي مواقف مثل الوقوف على حافة مرتفعة، بينما يُوجِّه مدرِّب افتراضي المشاركين. وقد اعتبرت الغالبية العظمى من المشاركين في التجربة أنهم قد تعافوا من الخوف من المرتفعات بنهاية مدة العلاج التي استمرت أسبوعين، واستمر هذا التقييم خلال عملية متابعة أُجريت بعدها بأسبوعين. ولأن أغلب الناس يُظهر ردود أفعال تجاه المرتفعات، فقد اعتقد فريمان أن التجربة ستكون مثالًا جيدًا يقنع الناس بقدرة تقنية الواقع الافتراضي على علاج مشكلات الصحة العقلية، إلا أن النية كانت معقودة دائمًا على علاج الفصام.

خلال العلاج باستخدام «جيم تشينج»، يختار المشاركون واحدًا من ستة سيناريوهات يومية، مثل زيارة مقهى أو اللحاق بحافلة. وبإمكان المشاركين -في أثناء تقدُّمهم في المواقف- أن يختاروا زيادة صعوبة التجربة بدرجة أكبر، وفقًا لوتيرتهم الخاصة. كانت زيادة صعوبة التجربة تعني زيادة عدد الأشخاص المحيطين وقُرْبِهم، ما يتيح التعرُّض لمواقف قد تزيد من قلق المرضى. تتعاون عدة منظمات في هذه التجربة، ومنها أجزاء من هيئة الخدمات الصحية الوطنية ومؤسسة «مَكْبين»، McPin Foundation، وهي مؤسسة خيرية تدعم إشراك المصابين بمشكلات في الصحة العقلية في الأبحاث. وقد اختارت كل مجموعة من المرضى السيناريوهات وساعدت في اختيار ما سيحدث فيها. يقول فريمان: «أجرينا الكثير من اختبارات الاستخدام مع المرضى أيضًا، كما أن الحصول على ردود أفعال حول ما لا يفضِّله المرضى سيكون مفيدًا. لقد تأثرت التجربة بشكلٍ كبير بالمرضى خلال مدة إجرائها».

المُعالِجة الافتراضية تُرْشِد المريض. Credit: University of Oxford/Oxford VR

وقد جَرَّبتُ النظام في مكتب فريمان بقسم الطب النفسي بأكسفورد. وبعد ارتدائي خوذة الرأس والإمساك بجهاز التحكُّم، دخلتُ المحاكاة لأجد نفسي في قاعة انتظارٍ فسيحة تظهر من نوافذها الكبيرة شجرةٌ وارفة. استدرتُ لأجد تمثيلًا رسوميًّا حاسوبيًّا لامرأة تقف خلفي، تبدو كرتونيّة الشكل قليلًا لكنها واضحة التفاصيل وثلاثية الأبعاد. كانت تلك هي «المُعالِجة»، وكانت ترتدي زيًّا بسيطًا وذاتَ طابعٍ مريحٍ مطَمْئِن، وكان صوتها موزونًا ومطمئنًا بينما ترشدني للتفاعل مع القوائم الطافية أمامي.

أولًا، قيمتُ مدى إحساسي بالثقة في المواقف الاجتماعيّة، فتمثلت أمامي ستة سيناريوهات يومية لأختار منها. بعد أن اخترت سيناريو الشارع، انتقلنا إلى مشهد لشارع فيه بضع سيارات واقفة. طمأنتني المُعالِجة أنني لن أضطر إلى الانتظار طويلًا حتى تصل إليَّ سيارة الأجرة. سار على الرصيف تجاهي شاب يرتدي معطفًا ذا قلنسوّة، إلا أنه تخطّاني دون أن يعيرني ولو التفاتة. يزداد تفاعل هؤلاء «الآخرين» الافتراضيين أكثر بزيادة مستوى الصعوبة، كما يقول فريمان. لستُ في حالة راحة تامة أنا نفسي، لذا بإمكاني تخيُّل أن الأفراد المصابين بالضلالات الاضطهاديّة يبذلون جهدًا حقيقيًّا مع الأشخاص العديدين الناظرين باتجاههم بينما ينتظرون على الرصيف في صبر.

ازداد مستوى الصعوبة حينما دخلت غرفة الانتظار لدى الطبيب. كان عدة مرضى افتراضيين يبدو عليهم الاضطراب يجلسون على مقاعد في أرجاء الغرفة. فجأة أوقعت مروحة قصاصات من الورق فوق رأسي، فاستخدمتُ يديّ الافتراضيتين لالتقاط القصاصات من الهواء وإرجاعها إلى مكانها على مكتب موظفة الاستقبال. مجددًا، يزداد ظهور هذه الأشكال من الأحداث غير المتوقعة في مستويات الصعوبة الأعلى.

يجمع الباحثون بيانات اقتصادية لتقييم فاعلية التكلفة (تتضمن التدريب، والمعدات، وتكاليف السفر، ووقت فريق العمل، والمدخرات في صوية الخدمات التي لم يستخدمها المرضى ميسورو الحال، ومقارنة تكلفة العلاج بالتحسُّن في جودة الحياة). كذلك يخاطب الباحثون فريق عمل هيئة الخدمات الصحية الوطنيّة بشأن أفضل الطرق لاستخدام التقنية في التجارب السريرية. وتقول روس-كالافِل: «لن يستفيد من ذلك الأشخاص المصابون بالذهان فقط، بل يستفيد منه أيضًا العاملون في مجال الصحة العقلية. لا تزال ثمة رؤية تقليديّة شائعة تقضي بأن الذهان صعب العلاج أو أن العلاج الدوائي كافٍ، وهي رؤية من الضروري أن تتغير».

في نهاية المطاف، يعتقد فريمان أنه يمكن تطبيق تقنية الواقع الافتراضي على مجموعةٍ من مشكلات الصحة العقلية، وبالفعل فإن «أكسفورد في آر» تعمل على تصميم علاجات لأمراض أخرى. ويقول فريمان: «بإمكان «جيم تشينج» أن يوضح إمكانية أتمتة العلاج النفسي والخروج به إلى نظم الرعاية الصحية على مجالٍ واسع. وإذا استطعنا كسر هذا الحاجز فستمهد هذه التقنية الطريقَ لعلاج الكثير من الأمراض الأخرى».

موقف خارجيّ آخر يعايشه المريض. Credit: University of Oxford/Oxford VR

القلق الاجتماعي ليس سوى جزءٍ من الذهان. وتقول روس كالافِل: «ربما يجب علاج الجوانب الأخرى من الذهان باستخدام العلاج الشخصي المباشر الأطول مدةً، لكن علينا أن نرى النتائج». إضافةً إلى ذلك فقد كان الباحثون فيما سبق يتخوفون من أن يواجه المصابون بالذهان آثارًا سلبيةً مرتبطةً بنقص قدرتهم على التفرقة بين الافتراضي والواقعي. إلا أن هذه المخاوف لم تتجسد بعدُ في دراسات الواقع الافتراضي عن الذهان، ومع ذلك فقد كان أطباء سريريون مدربون حاضرين دائمًا في هذه الدراسات. ويقول ألبرت ريزو، عالِم النفس بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، والذي لم يشارك في البحث: «في دراسة أكسفورد، يبدو أن هنالك المزيد من التعرض التلقائي، وهو ما قد يتسبب في مخاطر. هذا أمر يجب أن نختبره بحرصٍ شديد. ومن خلال الأبحاث السابقة لهذا المعمل فإنني واثق بأنهم يستخدمون بروتوكولات للأمان».

لكن ربما يتمثل الداعي الرئيسي للقلق في أن الأنظمة المؤتمتة المبنية على برامج الكمبيوتر قد تسلب المرضى قدرتهم على التواصل البشري، وهي جزء مهم من الرعاية الصحية. ويقول فريمان: «بالطبع ثمة تساؤل عن العناصر المهمة التي لا تستطيع التقنيات تقديمها. فنحن نحتاج إلى أطباء سريريين مهرة في لحظات الأزمات الحادة أو خطر الانتحار، وفي كل الأحداث الصعبة في الحياة التي يتعرض لها الناس». إلا أن فريمان يصر على أن الهدف ليس الاستعاضة عن المُعالِجين بالتقنية؛ إذ يقول: «نحتاج إلى عدد أكبر، لا أقل، من المُعالِجين، لكن في الواقع الافتراضي الغامر يصبح بإمكاننا تقديم علاج جيد جدًّا ونافعٍ للكثير من الناس، لكن ليس للجميع؛ إذ إن الصحة العقلية أكثر تعقيدًا من أن يوجد لها حل وحيد». ويُرَجَّح أن تؤدي نتائج تجربة «جيم تشينج» دورًا في تحديد ما إذا كانت تقنية الواقع الافتراضي ستصبح جزءًا من الخيارات المتاحة أم لا. ويقول فريمان: «تقع علينا مهمة بيان أن هذه التقنية تسفر عن فوائد سريرية جيدة، وأن المرضى يريدونها».