لطالما تم تعطيل التقدم في مجال الروبوتيات بسبب مشكلات تتعلق بالتنوع؛ فهناك قدر كبير جدًّا من التنوع في الروبوتات نفسها، في حين لا يتوافر القدر الكافي من التنوع بين المهندسين القائمين على تصميم الروبوتات وبنائها. على سبيل المثال، في أغلب الأحيان لا تعمل البرمجيات المكتوبة لتنسيق حركات الأطراف أو العجلات الموجودة في روبوت بعينه مع أي روبوت آخر. وقد بيَّنت الدراسات أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي –بما يشمل تلك التي تستعملها الروبوتات لتمييز الأشخاص والأشياء– تميل إلى إظهار التحيزات المتعلقة بجنس مُطوري هذه الخوارزميات وعِرقهم.

أمضت مِلوني وايز حياتها العملية في تصحيح هذه المشكلات، وقد امتدت مسيرتها المهنية بدءًا من عملها مبرمجةً لدى شركة الروبوتيات الناشئة الرائدة «ويلو جاراچ» Willow Garage، وصولًا إلى شَغلها منصب المديرة التنفيذية لشركة «فِتْش روبوتيكس» Fetch Robotics. وخلال عملها لدى شركة «فِتْش روبوتيكس» تقوم وايز بالتصدي لمسألة تنوع الروبوتات، وذلك من خلال تصنيع آلات تعمل بنظام Robot Operating System (ROS)، وهو النظام الذي ساعدت وايز على تطويره خلال عملها في شركة «ويلو جاراچ». يسمح نظام ROS للمبرمجين بكتابة برمجيات يمكنها أن تعمل مع العديد من الأنواع المختلفة من الروبوتات، ويسمح لهم أيضًا بالنشر المجاني لهذا النظام ضمن المجتمع الأوسع الذي يضم العاملين في مجال الروبوتيات. قبل ظهور نظام ROS، كان المهندسون يضطرون إلى كتابة معظم برمجيات روبوتاتهم من الصفر. تبدو روبوتات شركة «فِتْش روبوتيكس» كما لو كانت شيئًا تم إنتاجه في مصنع لروبوتات الخيال العلمي على غرار روبوتات سلسة أفلام «حرب النجوم» Star Wars، وقد جرى تصميم هذه الروبوتات بحيث تطوف داخل المستودعات الكبيرة لمساعدة العمال في نقل المواد من مكان إلى آخر، مع رسم مخططات للمسارات على طول الطريق. وبعدها تستعمل شركة «فِتْش روبوتيكس» بيانات تلك المخططات لمساعدة شركات مثل شركة خدمات التوصيل DHL على توفير الوقت والنفقات عبر تحسين التصميمات العامة واللوجستيات الخاصة بالمستودعات.

تحدثت "ساينتفك أمريكان" Scientific American مع وايز عن سبب تفضيلها للروبوتات الوظيفية العاملة في المستودعات (والتي تُعَد أقرب إلى R2-D2 منها إلى C-3PO)، وعن تأثير نظام ROS على مجال الروبوتيات، وكذلك عن مساعيها الرامية إلى تسهيل الدخول إلى مجال هندسة الروبوتات، باعتباره تخصصًا علميًّا ومسيرةً مهنية على حدٍّ سواء.

[فيما يلي تفريغ مُنقَّح لنص المقابلة].

متى يمكننا أن نطلق على آلةٍ ما أنها روبوت؟

هذا سؤال صعب، والكثير من المختصين في مجال الروبوتيات سيجيبون عنه بطرق مختلفة. أبسط تعريف هو أن الروبوت عبارة عن جهاز يتلقى المُدخَلات عبر المستشعرات، ثم ينفِّذ إجراءً ما يؤثر في العالم المادي بناءً على برمجته وعلى المعلومات التي يجمعها. ولكن عندما يفكر الناس في الروبوتات، فإنهم في الغالب يرون في مخيلتهم على الفور ذراعًا ميكانيكية، في حين أن الروبوتات تتألف في واقع الأمر من مجموعة أجهزة أوسع بكثير من هذا.

لماذا ركَّزتِ جهودك على روبوتات المستودعات؟

لقد أمضيت قسطًا كبيرًا من حياتي المهنية في العمل على الكثير من الأشياء المختلفة في مجال الروبوتيات، ومنها السيارات والقوارب ذاتية القيادة، وروبوتات الاستخدام الشخصي، والروبوتات التعليمية، والروبوتات المستخدمة في التجارب البحثية. إلا أن أيًّا من هذا لم يكن مفيدًا. لقد كانت تلك أزمةً حقيقيةً بالنسبة لي. يستمتع الكثير من الناس بإجراء هذا النوع من الأبحاث الأساسية، لكن هذا الأمر لم يكن ممتعًا بالنسبة لي. وكنت أسأل نفسي: لماذا أعمل على هذه الأشياء إذا لم يكن هناك أحدٌ سيستعملها يومًا ما، وإذا كنا غير قادرين على تحويلها إلى أشياء مفيدة؟ ولذا وجَّهت اهتمامي نحو الروبوتات التعاونية التي يمكن استعمالها في المستودعات؛ فثمة فرص كبيرة للأعمال التجارية هناك، إلا أن طبيعة المستودعات تعتبر أيضًا البيئة الملائمة للروبوتات، إذ إن الروبوتات تعمل بصورة جيدة في الأماكن التي تتسم بتقسيم شبه ممنهج، بالمقارنة بالأماكن التي لها طبيعة عشوائية.

ما الأهمية التي مثَّلها تطوير نظام تشغيل روبوتي يمكن أن يساعد على إحداث تناغم بين المختصين بالروبوتيات عند تصنيعهم لآلاتهم؟

لقد كان أمرًا بالغ الأهمية. إذا نظرنا إلى جميع الأشياء التي حدثت في مجال الروبوتيات خلال السنوات الثماني الماضية، فيمكنني القول إنه يُمكن إرجاع كل هذه الأشياء بشكلٍ مؤكد إلى نظامROS . ويمكن القول إنه لا توجد أي شركة لا تستعمل نظام ROS، بطريقةٍ ما أو بأخرى، كجزء من منصاتها الروبوتية، سواء كان هذا في أغراض البحث والتطوير أو في أغراض الإنتاج. على سبيل المثال، يوفر نظام ROS مستوى للاتصالات يقوم بتمرير رسائل قياسية بين الروبوت والبرنامج الذي يتحكم فيه. قبل ظهور نظام ROS، لم يكن هناك توحيد معياري بشأن صيغة البيانات أو مُخرجات البيانات. ويوفر نظام التشغيل أيضًا مجموعة كاملة من مكتبات الرياضيات [برمجيات تُنفِّذ عمليات معينة في الرياضيات] تُمكِّن الروبوتات من إجراء الحسابات التحويلية، وهناك بالإضافة إلى هذا منظومة للإظهار، وهي منظومة تُعتبر عملية إعادة إنشائها لكل روبوت جديد أمرًا مرهقًا بالنسبة للمطوِّرين.

ما الدور الذي اضطلعتِ به ضمن أعمال تطوير نظام ROS؟

بدأت مجموعة مؤلَّفة من خمسة مطورين لدى شركة «ويلو جاراچ» [عام 2007 حينما كانت شركةً ناشئةً في مجال الروبوتيات] في بناء نظام ROS باعتباره جزءًا من روبوت PR2 الخاص بالشركة. وبعد وصول نظام التشغيل إلى مرحلة النضج، انضممتُ إلى الفريق القائم على أعمال التطوير. ونظرًا إلى أن نظام ROS هو نظام مفتوح المصدر، فقد كان بوسع جميع المطورين أن يُسهِموا فيه [بما يشمل أولئك الذين لا يعملون في شركة «ويلو جاراچ»]، وأدى ذلك إلى تَشارُك ضخم للمعلومات على نطاق لم يشهده مجتمع العاملين في مجال الروبوتيات من قبل. كان لهذا النوع من توحيد المعايير ضمن نظام تشغيل واحد قيمة مضافة، تمثلت في جعل قابلية النسخ أمرًا ممكنًا في مجال الروبوتيات، بمعنى أن الباحثين أصبحوا قادرين على إعادة إنتاج أعمال بعضهم البعض وتوسيع مجالها. وهذا بدوره ساعد على تسريع عمليات تطوير روبوتات جديدة.

من بين جميع الروبوتات التي قمتِ بصنعها، ما هو أكثر روبوت تفتخرين به؟

ربما أقول إنني فخورة بالروبوت TurtleBot الذي طورته في عام 2011، وهذا لا يرجع إلى أن هذا الروبوت كان معقدًا بشكل خاص –لقد كان في الواقع بسيطًا نسبيًّا– ولكنه يرجع بدرجة كبيرة إلى الأثر المهم الذي أحدثه هذا الروبوت ضمن مجتمع العاملين في مجال الروبوتيات. إنه روبوت تعليمي ذو برمجيات مفتوحة المصدر ومكونات قمنا بتصميمها في شركة «ويلو جاراچ». وفي نهاية المطاف تطور هذا الروبوت حتى أصبحت له حياته الخاصة. وأنا الآن أوظِّف أشخاصًا سبق لهم تعلُّم نظام ROS وتعلُّم مجال الروبوتيات من روبوت TurtleBot.

أيهما أكثر أهميةً بالنسبة لكِ، الإشارة إليكِ بوصفك رائدةً في مجال الروبوتيات أم بوصفك امرأةً رائدة في مجال الروبوتيات؟

في الحقيقة أنا لست بالشخص المناسب الذي يجب سؤاله عن هذا الأمر، لأنني أدرك أنني شخص يندر وجود مثله، والناس يحبون أن يُظهروني للجميع على أنني شخص يندر وجود مثله. إن كوني أنثى تشغل منصب المدير التنفيذي لشركة تقنية هو حقيقة الأمر كما هي، إلا أنني أفضِّل أن أكون معروفة لدى الناس بفضل الأعمال التي سبق لي إنجازها، وبفضل المعرفة التي أمتلكها والإسهامات التي أقدمها. لكنني أدرك أيضًا أن الناس يسألونني في 30 إلى 40 بالمئة من الحالات عن خبرتي كامرأة في ذلك المنصب.

هل تشعرين بأي ضغوط إضافية تدفعك إلى أن تكوني قدوةً للنساء الشابات؟

بشكل عام، لا. أولًا، لقد سبق لي الاطلاع على دراسات تقول بأن الآباء أو الأقارب الذكور لهم تأثير أكبر –مقارنةً بتأثير السيدات اللاتي يتم اعتبارهن قدوة– فيما يتعلق بقرار النساء الشابات بشأن اتخاذ مسار مهني في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وأنا أريد –وأقولها صادقة– أن يتجه المزيد من الناس بشكل عام نحو الهندسة. أنا لست منحازةً إلى جنس معين أو إلى انتماء عرقي بعينه. نحن مقبلون على أزمة حقيقية في مجال الهندسة في الولايات المتحدة، وإذا لم نغير من الطريقة التي نفكر بها تجاه الهندسة، ومن الرسائل التي نرسلها إلى الناس بشأن الهندسة، فسوف نواجه مشكلات جدية.

ما هو خطأ الرسائل التي يتم إرسالها بشأن الهندسة؟

لقد أوجدنا ثقافةً تجعل الناس يعتقدون أن القدرات المتواضعة في مجال الرياضيات أمر مقبول، وثقافة تُقنعهم بأنهم ليسوا ماهرين في الرياضيات، ولا أدري لماذا فعلنا ذلك. وبعدها نقول للناس: "لا يمكنك أن تصبح مهندسًا إلا إذا كنت الأذكى بين أقرانك". وهذا يجعل بعض الناس يشعرون بأنه لا داعي لأن يتحملوا عناء التقدم لوظائف في هذه المهنة، وهؤلاء أناس صنَّفوا أنفسهم، ولديهم اعتقاد بأنهم غير مؤهلين. صدقني عندما أقول لك إنك بمقدورك أن تُجري مقابلةً مع شخص يظن أنه سيئ في الرياضيات وتقنعه –خلال 45 دقيقة– بأن هذا ليس صحيحًا. لقد أوجدنا أيضًا قوالب فكرية متحيزة ضد المشتغلين بالهندسة، وهذه القوالب تتسبب في تغريب الناس عن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وذلك عبر ما يُعرض على شاشات التلفاز ويُظهرنا –كمجموعة من الناس– على أننا من نوعية الأشخاص الذين لا يرغب أحد في مصادقتهم. على سبيل المثال، يعمل مسلسل «نظرية الانفجار العظيم» Big Bang Theory ومسلسل «وادي السيليكون» Silicon Valley على توجيه رسالة مفادها: "أنت تريد أن تصبح مهندسًا لكي تكون وحيدًا وغريب الأطوار نوعًا ما". هذه الأنماط لا تمثل فرصًا مغرية في الحياة، وهي أنماط تُنفِّر الشباب من مجال الهندسة؛ لأننا –نحن المهندسين– أولئك الأشخاص الذين يتعرضون للمضايقات.

  

كيف تقومين بالتصدي لهذه القوالب النمطية؟

سبق للأكاديمية الوطنية للهندسة أن تحدثت عن طريقة لإعادة صياغة الهندسة بوصفها تخصصًا علميًّا، إلا أنها لم تنجح نجاحًا كبيرًا في تحقيق هذا حتى الآن؛ إذ يتطلب هذا تغييرات كبيرة في نظرتنا إلى الهندسة والرياضيات والعلوم [في الولايات المتحدة]. إن الثقافات الأخرى لا تعاني هذه المشكلة المتعلقة بمجال الهندسة؛ ففي آسيا، تُعَد مهارتك في الرياضيات والعلوم أمرًا مُستحسنًا، ويطمح الناس لأن يكونوا مهندسين. وبسبب الطريقة التي نصور بها مجال الهندسة في ثقافتنا، لا ينظر الناس إلى هذا المجال باعتباره شيئًا إبداعيًّا. إلا أننا في الواقع بحاجة إلى مهندسين مبدعين لا يكتفون بالتحرك من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) مباشرة، بل يخرجون عن المسار نحو النقطة (جـ). إذا أخذنا في الاعتبار بعضًا من الناس الأكثر تميزًا في مجال العلوم، فسنجد أن الكثيرين منهم لا ينتهجون أفكارًا تقليدية، بل سلكوا مسارات غير تقليدية فيما يتعلق بالتعليم.

كيف يمكن لزيادة أعداد العاملين في مجال الهندسة من النساء والأشخاص المنتمين إلى الأقليات أن تؤثر في مجال الروبوتيات وفي عالم التقنيات عمومًا؟

هناك الكثير والكثير من المهتمين بالرياضيات والعلوم والهندسة والروبوتيات، إلا أنهم –لأسباب مختلفة– لا يحصلون على فرص في هذه المجالات. إن القول بأن النساء والأشخاص المنتمين إلى أقليات ليسوا مهتمين بالتكنولوجيا أو العلوم هو عُذر لا أساس له؛ فهؤلاء الناس مهتمون، إلا أنهم يشعرون –في كثير من الأحيان– بأن تخطِّي العوائق الموجودة أمامهم أمرٌ لا يستحق العناء. إن مفهوم التنوع يستدعي التنوع. إذا نظرت إلى قطاعٍ ما من قطاعات الصناعة واصطدمت بأن العاملين فيه جميعهم من الذكور بيض البشرة، فكيف سيأتيك شعور بأنك سوف تكون ناجحًا في هذا القطاع إذا لم تكن ذكرًا أبيض البشرة؟ لقد تسبب نقص التنوع في أضرار مباشرة لمجال الروبوتيات؛ فهناك خوارزميات معينة تتعلق بالرؤية الحاسوبية وهذه الخوارزميات لا يمكنها تمييز أناس ينتمون إلى عرقيات أخرى. لماذا؟ لأن كل الأشخاص الذين يعملون على تطوير تلك الخوارزميات لهم ملامح متشابهة.